الرئيسية » سياسة واقتصاد » الديموقراطية في مواجهة السياسة
fadl_shalk.jpg

الديموقراطية في مواجهة السياسة

تعني الديموقراطية شكل الوصول للسلطة عن طريق انتخابات تمثيلية. وهي يمكن، بل يجب ان تمثل مختلف الآراء والأطراف في المجتمع. وإذا صارت تمثل طرفاً واحداً أو رأياً واحداً فهي تكون قد أُفرغت من مضمونها وصارت وسيلة لإلغاء السياسة برغم بقاء التمثيل الشعبي. ومن الممكن ان يصير الشعب، عند خلوه من التناقضات، ومن القدرة على استيعاب الآخر وآرائه ومصالحه بؤرة للفاشية، كاريزمية شعبية تعكس كاريزمية الحاكم، وجهان لصورة واحدة.

في هذه الحالة تتسرب الكاريزمية من الحاكم الى اتباعه، ويفقد المقدس معناه ومغزاه. ينتقل إلى الحاكم وشعبه، يرتفع هذان إلى مستوى المقدس، يكتسبان عصمة غير مبررة في مذاهبهم إلا للأمة بجماعتها. تنحصر الأمة الكبرى في الجماعة العصبوية وحاكمها بها حيث لا يدركون، يصبحون خارج دينهم. يصير الدين بعضا من فصائلهم المستحدثة.

تعني السياسة في بعض وجوهها الصراع من أجل الوصول إلى السلطة. تبقى مسألة شكلية ما لم تنتقل إلى المضمون المتعلق بإدارة المجتمع، قضايا المجتمع. تناقضاته. صراعاته الداخلية والخارجية. موارده ومنتجاته، قواه الاجتماعية، صراعاته الطبقية، الخ… كل ذلك يعطي السياسة مضمونها الذي لا بد منه. السياسة نوعان: صراع على السلطة وصراع على إدارة المجتمع. النوع الثاني هو السامي وهو ما يعطي المجتمع قوة لا بد منها، قوة في وجه الخصوم الخارجين كما قوة في وجه الحاكم. السياسة بمضمونها كإدارة للمجتمع تعطي المجتمع قوة في مواجهة الحاكم وتجعل من الديموقراطية شكلاً تمثيلياً فعلياً. لا معنى للشعب إذا لم يكن كياناً مستقلاً يواجه حاكمه، الذي يديره، ويجهد في ذلك ويخاف كل يوم من المحاسبة.

الحاكم المتماهي مع شعبه يوصل الحال إلى الفاشية. الكل يصفقون على نغم واحد، يشتركون في رؤية الأعداء والأصدقاء، يحيلون الخصوم على المذبحة أو العزلة.

الثقة المتماهية مع الحاكم تخوله اكتساب نوع من عشوائية القرار، عشوائية لا يتمتع بها إلا الطغاة. يصير الحاكم طاغية ولو كان منتخباً. يصير فوق القانون. يحيل القوانين إلى ألعوبات يحولها كما يشاء ويطبقها على من يشاء. فاشية السلطة منتخبة في معظم الأحيان، لكنها ليست تحت القانون بل فوقه. هي حصيلة زهو المجتمع بحاكمه، ليس فقط الثقة به، بل اعلاؤه إلى ما فوق ما يرقى إلى الشك.

فرض أتاتورك العلمانية، أي معنى الدولة، على تركيا. جاء أردوغان بعد أقل من قرن ليعيد تناقض الدين والعلمانية. يشكل هذا خطراً على الدولة والدين معاً. اضعاف الدولة، بإخراج الآلاف منها يدفع الدين إلى مواقع أخرى غير تقليدية. إلى جانب قانون الدولة يرفع الحاكم لواء شرع مشكوك في وجوده. مصوران للقانون يشكلان منبعاً للعشوائية وأساساً للديكتاتورية.

بدل الاتجاه ليصير حزباً دينياً ديموقراطيا، كما في الغرب، صار حزباً دينياً لا ديموقراطياً كما في الشرق. انعكس الاتجاه الذي كان يأخذ تركيا إلى جوهر السياسة محلياً ودولياً. الغيت السياسة فصار الحكم طغياناً محضاً.

يستفز الكثيرين القول بخطأ شعار «الإسلام هو الحل» ويستفز آخرين القول بخطأ ان «الديموقراطية هي الحل». الحل في جميع الحالات هو السياسة التي تجعل من الساحة العامة فضاء للنقاش والحوار وتضارب الآراء، لا مجالاً لإذلال الخصوم واجبارهم على الإذعان. لا بد من السياسة في جميع الأحوال، مع الدين كما مع الديموقراطية.

عندما سأل اركان الدولة العثمانية السلطان سليم، بعد معركة مرج دابق 1417، عن الأسلوب الذي سوف يطبق في المناطق المفتوحة، أجاب: الياسة وليس السياسة. الياسة مبدأ 

عن السفير