الرئيسية » حضاريات » “علبة الموت” لإلكسي تولستوي الحياة تحاكي الفن مرة أخرى – ابراهيم العريس
flsf_lmwt.jpg

“علبة الموت” لإلكسي تولستوي الحياة تحاكي الفن مرة أخرى – ابراهيم العريس

وبشكل متصاعد، تعبيرات لافتة عن وقوفه إلى جانب النظام الجديد بأكثر مما فعل أي كاتب روسي آخر في ذلك الحين.  ومن هنا إذا كان زملاء له قد لقبوه بالكونت الأحمر ساخرين، فإنه هو تبنى اللقب وصار جزءاً من مسيرته. ولئن كانت  كل الروايات التي أصدرها منذ العام 1923 قد تنافست في تعبيرها عن أيديولوجية النظام، فإن روايته الأشهر، والأكثر  انخراطاً في نوع الخيال العلمي «علبة الموت» أو «شعاع غارين المميت»، تبقى الأكثر تعبيراً عن مسيرته الوصولية، ليس فقط في موضوعها، بل خاصة في مسيرتها نفسها  التغيّرات التي راح يحدثها فيها بين طبعة وأخرى طوال أكثر من عقد من السنين وصولاً إلى تحويلها إلى فيلم ثم كذلك إلى رواية مبسّطة للصغار.  غير أنه لن يكون من العدل أن يُفهم من كلامنا أن الرواية لا قيمة أدبية وعلمية حقيقية لها، بل بالعكس إذ حسبنا أن نتذكر ما قاله تشارلز إتش تاونز، مخترع أشعة لايزر، من أنه إنما استوحى اختراعه جزئياً من رواية تولستوي، هذه كي نجدنا أمام نصّ يتمتع بقيمة تنبؤية استثنائية. 

فالرواية تتحدث بالتحديد عن شعاع قاتل، يستبق اللايزر بسنوات طويلة، يخترعه المهندس غرين الذي يستخدمه في محاربة أعدائه وتدميرهم لكي يتحول هو نفسه بفضل ذلك السلاح، إلى دكتاتور يحكم العالم. والجهاز الذي تخيّله تولستوي في  الرواية يبقى أكثر فتكاً من اللايزر نفسه بحيث يبدو، حتى اليوم، أكثر تطوراً منه بكثير. فهو في طبقة منه قادر على أن يدمّر أيّ شيء من على بعد من خلال تكثيف الضوء بفعل لعبة مرايا، وفي طبقة أخرى أقل قوة إنما أكثر فعالية، يتمكن  الجهاز من قطع شرائط الكهرباء في أية غرفة وعلى أيّ جدار… ولمقاومة هذا الجهاز وردع غارين عن تحقيق حلمه  الدكتاتوري، والدفاع عن حياة الشعب ومصالحه، وضع تولستوي في الرواية شخصيتين أساسيتين وحكاية حب على الطريقة  التقليدية. ما أضفى على الرواية بعداً شعبياً تشويقياً حيث نسخة وراء نسخة من الرواية، وعلى ضوء الأحداث السياسية الحقيقية في بلاد السوفيات، راح الكاتب يطور روايته، مع نهايات متغيرة وأحياناً في شكل جذري.> وكان من الطبيعي أن يؤمن رضا السلطات عن ألكسي تولستوي وروايته هذه شهرة للكاتب فبعدما كان من المنطقي أن الكاتب الذي يرد إلى الأذهان ما أن نتلفظ بكلمة تولستوي، هو ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلم أضحى في الثلاثينات من القرن العشرين، تولستوي الآخر صاحب رواية «علبة الموت» بين أعمال أخرى، صاحب شهرة فاقت بعض الأحيان شهرة سميّه الكبير. فألِكْسي تولستوي، الذي كان مثل تولستوي الكبير، متحدراً من نفس العائلة الأرستقراطية، عرف بسرعة، وعلى رغم تعرّجات سنأتي على ذكرها، كيف يكيّف نفسه مع دولة الطبقة العاملة، بل كيف يضع أدبه في خدمتها وفي خدمة «البروليتاريا» ما جعله في ذروة العصر الستاليني، أشبه بالكاتب الرسمي للدولة، أسوة بصديقه إيليا أهرنبورغ. ومن هنا لئن فاقت شهرة ألكسي شهرة ليف تولستوي في بعض الأحيان التي ساد فيها نوع من التعتيم على مؤلفات هذا الأخير، ولئن وسم دائماً من قبل  نقاد الستالينية، بتلك الصفة الرسمية التي كانت له، فإن الأمر احتاج إلى رحيل ألكسي تولستوي في العام 1945، وزوال  الستالينية لاحقاً، حتى يكتشف القراء، أن هذا الكاتب كان على رغم كل شيء كاتباً كبيراً، بل ربما كان الأفضل بين أبناء جيله، ولا سيما في مجال رسمه صورة صادقة للانهيار الاقتصادي والنفساني الذي عاشته الأرستقراطية الروسية عند نهاية  القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهو بالطبع كان قادراً على رسم ذلك الانهيار لأنه ابن للطبقة المعنية به، ناهيك بتنوع المجالات التي خاضها وصولاً إلى نوع «الخيال العلمي» الذي تجسده «علبة الموت».> ولد ألكسي تولستوي العام 1882 في مدينة نيقولايفسك، وتلقى دراسته العليا في معهد التكنولوجيا في سانت بطرسبرغ. وبعد ذلك بدأ يتجه ناحية  الأدب لينشر في 1907 مجموعة شعرية أولى كشفت له أنه ليس شاعراً حقيقياً بل من الأفضل له أن يتجه إلى النثر، ففعل اعتباراً من 1911، حيث بدأ ينشر قصصاً وروايات قصيرة أقبل عليها القراء بسرعة ولم يفت النقاد أن يلاحظوها، وكان من الطبيعي للاسم الذي يحمله الكاتب والذي يستثير ذكرى تولستوي الكبير، أن يساهم في لفت الأنظار إليه، وهكذا قرئت  روايته «السيد الأعرج» (1912) على نطاق واسع، كما قرئت روايته (التي هي أشبه بالسيرة الذاتية) «طفولة نيكيتا» ونالت إعجاباً. غير أن اندلاع الحرب العالمية الأولى وانخراط تولستوي فيها مجنداً، أدى إلى توقفه عن الكتابة. ثم حين اندلعت  ثورة 1917 البولشفية، وجد تولستوي نفسه يقف تلقائياً، ضدها، وفي صف الروس البيض. فانتهى به الأمر للهجرة إلى فرنسا. لكنه هناك، ومن خلال احتكاكه بالروس المهاجرين وتعاونه مع مجلة «الحوليات المعاصرة» وجد نفسه ينضم بسرعة إلى طائفة من المثقفين الروس المهاجرين كانت ترتئي مهادنة النظام السوفياتي الجديد بدلاً من محاربته، وهكذا نراه يعود إلى موسكو في 1923 بعد رحلة قام بها إلى برلين.> ولما كان قد سبق لتولستوي هذا أن نشر رواية بعنوان "«طريق الآلام" فيها قدر من العداء للنظام الجديد ومن الحنين لروسيا القديمة، عمد حال عودته إلى تعديل الرواية في شكل جذري بحيث سرعان ما باتت أكثر تلاؤماً مع الحكم السوفياتي وموقفه الجديد منه. ومن نافل القول أن هذه الخطوة  أرضت السلطات السوفياتية، كما كانت أرضتها كتابات عدة نشرها تولستوي فيما كان في فرنسا يستعد للعودة مثل «ايليتا» و»المدن الزرقاء»، لتمعن رضاءً عنه مع نشره «علبة الموت» في العام 1927. وهكذا تمكن ألكسي تولستوي من أن يحظى بمكانة مميزة في الحياة الأدبية الجديدة. ويبدو أنه قد استساغ هذه اللعبة، إلى درجة جعلت إيفان بونين يكتب عنه قائلاً: «لقد كان ألكسي تولستوي مهماً على غير صعيد، غير أن ما يدهش أكثر من أي أمر آخر في شخصيته، هو افتقاره الاستثنائي لأي حس أخلاقي».> والحقيقة أن ألكسي تولستوي لم يعبأ بهذا القول، بل واصل مسيرته في كتابة روايات وقصص ومسرحيات، في الوقت الذي كان لا يتردد فيه عن إعادة النظر في رواياته، وتعديلها مرات ومرات حتى تتلاءم في نهاية الأمر مع النظرة الرسمية إلى الأدب، ومثل هذا حدث خاصة لواحدة من أشهر رواياته «الذهب الأسود» التي كتبها أول مرة في 1931، ثم كتبها ثانية مع الكثير من التعديلات الجذرية - الملائمة لسلطة ستالين الفردية الجديدة - في 1938. غير أن عمل تولستوي الأكبر في مناصرة ستالين، كان روايته «الخبز» وهي رواية تاريخية امتدح فيها تولستوي ما فعله ستالين حين نظّم الدفاع عن مدينة تساريتزين، التي حملت بعد ذلك اسم «ستالينغراد».> وبالتوازي مع ذلك أغرم تولستوي بكتابة الروايات التاريخية، من النوع الذي كان يمكن إسقاط أحداثه على الزمن الراهن، ما يكشف عن مناصرة متزايدة لستالين كانت تعزز من موقع الرجل - أي تولستوي في السلطات الأدبية في البلد، ومن تلك الروايات «بطرس الأكبر» و»إيفان الرهيب». وهذا أتاح لتولستوي أن يبلغ من الحظوة ما يجعله يمثل بلده في العديد من اللقاءات والمؤتمرات العالمية. وفي 1937 أضحى عضواً في مجلس السوفيات الأعلى، وتلقى في 1938 وسام لينين، ثم نال جائزة «ستالين». وخاض الحرب العالمية الثانية بقلمه، حيث كان من أكبر المناصرين لستالين. ولم يرحل عن عالمنا إلا يوم حطت الحرب أوزارها، وكأنه أحس عند ذلك بأنه أدى ما عليه.

 

المصدر الجياة