الرئيسية » حضاريات » البحث العلمي وتصنيف المعرفة – زاهــر زكــار / الجزء الثاني
lbhth_llmy_wtsnyf_lmrf.png

البحث العلمي وتصنيف المعرفة – زاهــر زكــار / الجزء الثاني

وظـائف العـلم :

يضطلع العلم بوظيفة أساسية تتمثل في اكتشاف النظام السائد في هذا الكون،وفهم قوانين الطبيعة والحصول على الطرق اللازمة للسيطرة على قوى الطبيعة والتحكم فيها،وذلك عن طريق زيادة قدرة الإنسان على تفسير الأحداث والظواهر والتنبؤ بها وضبطها(8 )

 وتنحصر وظائف العلم في تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية وهي(9) :

 أ-الاكتشاف والتعبير:وتتمثل هذه الوظيفة للعلم في اكتشاف القوانين العلمية العامة والشاملة للظواهر والأحداث المتشابهة والمترابطة والمتناسقة عن طريق ملاحظة ورصد الأحداث والظواهر وتصنيفها وتحليلها عن طريق وضع الفرضيات العلمية المختلفة،وإجراء عمليات التجريب العلمي للوصول إلى قوانين علمية موضوعية عامة وشاملة تفسر هذا النوع والوقائع والأحداث.

 ب-التنبؤ العلمي:بمعنى أن العلم يساعد على التنبؤ الصحيح لسير الأحداث والظواهر الطبيعية وغير الطبيعية المنظمة بالقوانين العلمية المكتشفة،مثل التوقع والتنبؤ بموعد الكسوف والخسوف،وبمستقبل حالة الطقس،وبمستقبل تقلبات الرأي العام سياسياً واجتماعياً إلى غير ذلك من الحالات والأمور التي يمكن التنبؤ العلمي بمستقبلها وذلك بغرض أخذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة ذلك.

 ولا يقصد بالتنبؤ هنا،التخمين أو التكهن بمعرفة المستقبل،ولكن المقصود هو القدرة على توقع ما قد يحدث إذا سارت الظروف سيراً معيناً،مع التذكير بأن التنبؤات العلمية ليست على نفس الدقة في جميع مجالات العلم،ففي العلوم الطبيعية،تكون أكثر دقة منها في مجالات العلوم السلوكية،ومجالات المعرفة الاجتماعية.

 ج- الضبط والتحكم:يساهم العلم والبحث العلمي في عملية الضبط والتحكم في الظواهر والأحداث والوقائع والأمور والسيطرة عليها وتوجيهها التوجيه المطلوب،واستغلال النتائج لخدمة الإنسانية،وبذلك تمكن الإنسان بفضل العلم من التحكم والضبط(مثلاً)في مسار الأنهار الكبرى،ومياه البحار والمحيطات،والتحكم في الجاذبية الأرضية واستغلال ذلك لخدمة البشرية،كما أصبح اليوم بفضل العلم،التحكم في الأمراض والسلوكيات البشرية وضبطها وتوجيهها نحو الخير،وكذلك التحكم في الفضاء الخارجي واستغلاله لخدمة الإنسانية جمعاء.

 مفهوم المنهجية العلمية :

المنهجية العلمية نسقاً من القواعد والإجراءات التي يعتمد عليها طريق البحث،وهذا النسق لا هو بالمغلق ولا هو بالمنزه عن الخطأ،حيث يتم إدخال التحسينات بصورة دائمة على القواعد والإجراءات،ويقوم العلماء بالبحث عن المناهج والأساليب الفنية الجديدة للمشاهدة والاستدلال والتعميم والتحليل،وبمجرد تطور الأشياء وتثبيت تطابقها مع الفرضيات الواردة بالمدخل العلمي،يتم إدماجها في نسق القواعد التي تكون أسلوب المنهجية العلمية،فالمنهجية هي أولاً وقبل كل شيء تقوم بتصحيح نفسها،والعلم لا يتقيد بالموضوع الذي يدور حوله،ولكنه يتقيد بمنهجيته،والأمر الذي يجعل المدخل العلمي في وضع منفصل،هو الفرضيات العلمية التي يقوم عليها،والمنهجية التي يأخذ منها.

 أسلوب التفكير العلمي في البحث :

التفكير العلمي(reflective thinking )هو إطار فكري علمي ينتج عن تنظيم عقلي معين،يقوم على عدد من المراحل التي يسترشد بها الباحث أو الطالب في دراسته،والأسلوب العلمي يتميز بالدقة والموضوعية،وباختيار الحقائق اختياراً يزيل عنها كل شك محتمل،ولا يجب أن يغيب عن الذهن،أن الحقائق العلمية ليست ثابتة بل هي حقائق بلغت درجة عالية من الصدق،وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى قضية منهجية يختلف فيها الباحث في الجوانب النظرية عن الباحث التطبيقي،فالأول لا يقتنع بنتائجه حتى يزول عنها كل شك مقبول،وتصل درجة احتمال الصدق فيها إلى أقصى درجة،أما الآخر(التطبيقي) فيكتفي بأقصى درجات الاحتمال،فإذا وازن بين نتائجه يأخذ أكثرها احتمالاً للصدق(10)

 ويعتمد الأسلوب العلمي بالأساس على الاستقراء الذي يختلف عن الاستنباط والقياس المنطقي،حيث يبدأ بالجزئيات ليستمد منها القوانين في حين أن الاستنباط،يبدأ بقضايا عامة ليتوصل منها إلى الحقائق الجزئية،غير أن ذلك لا يعني أن الأسلوب العلمي يغفل أهمية القياس المنطقي،ولكنه حين يصل إلى قوانين عامة يستعمل الاستنباط والقياس في تطبيقها على الجزئيات للتثبت من صحتها،أي أنه يستعمل التفسير المنطقي الذي يتمثل في تفسير ظاهرة خاصة من نظرية أو قانون،كما يستخدم الطريقة الاستنتاجية التي تتمثل،في استخلاص قانون أو نظرية أو ظاهرة عامة من مجموعة ظواهر خاصة.

 ويتضمن الأسلوب العلمي عمليتين مترابطتين(الملاحظة،الوصف)حيث أنه إذا كان العلم يرمي إلى التعبير عن العلاقات القائمة بين الظواهر المختلفة،فهذا التعبير هو في الأساس وصفي،وإذا كان هذا التعبير يمثل الوقائع المتعلقة بالظاهرة فإنه يعتمد على الملاحظة،ويختلف الوصف العلمي عن الوصف العادي من حيث أنه لا يعتمد على البلاغة اللغوية وإنما هو بالأساس وصف كمي،ذلك أن الباحث حينما يقيس النواحي المختلفة في ظاهرة أو أكثر،فإن هذا القياس ليس إلا وصفاً كمياً،يعتمد على الوسائل الإحصائية في اختزال مجموعة كبيرة من البيانات إلى مجموعة صغيرة من الأرقام والمصطلحات الإحصائية.

 أما الملاحظة العلمية،فهي تستعين بالمقاييس المختلفة،وتقوم على أساس ترتيب الظروف ترتيباً معيناً بحيث يمكن ملاحظتها بطريقة موضوعية،وتتميز الملاحظة العلمية في أنها يمكن تكرارها،مما يكون لها أهمية كبيرة من حيث الدقة العلمية،فهو يساعد على تحديد العناصر الأساسية في الموقف المطلوب دراسته،كما أن التكرار ضروري للتأكد من صحة الملاحظة، فقد يخطئ الباحث نتيجة الصدفة أو لتدخل العوامل الذاتية،مثل الأخطاء الناجمة عن الاختلاف في دقة الحواس،والصفات الشخصية للباحث،كالمثابرة وقوة الملاحظة..الخ.