الرئيسية » سياسة واقتصاد » الأزمة اليمنية: هل هي “قنبلة موقوتة”؟ (الجزء الأول) – سيرجي سِرِبروف
hrb_lymn.jpg

الأزمة اليمنية: هل هي “قنبلة موقوتة”؟ (الجزء الأول) – سيرجي سِرِبروف

 
لقد حظيت الكارثة الإنسانية الفظيعة في اليمن منذ فترة طويلة بإدانة من جانب الأمم المتحدة ومن لدن حكومات الكثير من البلدان المتحضرة، وهذا بات يؤثر على صورة المملكة العربية السعودية مع شركائها الاستراتيجيين ويجعل سمعتها تتدهور تدهوراً حاداً في الساحة الدولية. وكان الانقسام السياسي في اليمن بين شمال وجنوب قد بدأت تظهر ملامحه في عام 2009، ولكنه في ظل ظروف الحرب والحصار اتخذ شكل قبيحا بتسريعه عملية تآكل مؤسسات الدولة في الجنوب وتعزيزه مواقع الجهات غير الرسمية، بما في ذلك المنظمات الإرهابية كـ"تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية" و"تنظيم داعش" المحظور في روسيا. وقد فاقم التدخل جميع المشاكل العرقية والثقافية في المجتمع اليمني المجزأ، وعزز أزمة الهوية.
لقد أظهرت الحرب بوضوح أن أيا من الأهداف الرسمية للتدخل العسكري الأجنبي في اليمن هو بعيد المنال من خلال الوسائل التي يعتمدها التحالف. فلم يبق في العالم أي أحد لم يعترف بضرورة التحرك نحو تسوية سياسية، بما في ذلك المسؤولون في المملكة. لكن خلافا للحس السليم، لا يؤثر هذا كله على النهج العسكري الذي يفضي من كارثة إلى أخرى. كما أن استمرار الصراع يفاقم خطر توسع نطاقه في المنطقة وإن تشكل شعور بالاغتراب والعداء بين الشعوب ذات الصلات والروابط التاريخية والعرقية والثقافية، لأمر في غاية الخطورة. ويهدد انهيار النظام الأمني ​​في اليمن إمدادات النفط إلى أوروبا وكل التدفقات التجارية عبر مضيق باب المندب الدولي.
حتى الآن قضت الحرب على مئات معالم الآثار القديمة التي كانت جزءا من التراث الثقافي ليس فقط للعرب، ولكن للبشرية جمعاء. ويلوح في الأفق خطر حرب تشمل هذه البؤرة العريقة من بؤر الثقافة الزراعية على كوكب الأرض في اليمن فـ"تلتهم" بيئتها الفريدة من نوعها التي صنعتها يد الإنسان والمنشآت الزراعية العائدة للقرون الخوالي، تلك التي أوجدها أجداد اليمنيين. فالـ"قنبلة الموقوتة" في اليمن أشبه بانفجار موجة جنون. وها نحن، في الواقع، نشهد في اليمن بؤرة جديدة من بؤر الحرب الهجينة التي تهدد مصير الملايين من الناس، ولا تحقق أي شيء سوى تفجّر موجة من التطرف وتقوّض خطوط الحدود بين الدول والمؤسسات في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط.
إن الدفاع عن نزعة التدخل لا يصمد لأي نقد. فالحرب ألغت تماما نتائج بعثة حفظ السلام الدولية العاملة تحت رعاية الأمم المتحدة منذ ثلاث سنوات ونصف السنة في هذا البلد، وعقّدت للغاية سبيل استعادة الحوار. وثمة العديد من الخيوط التي تربط النزاع بسياسة العولمة الجديدة التي كانت تنهجها الإدارة الأمريكية السابقة في المنطقة. وهو، مقارنة مع نزاعات أخرى مماثلة، يبدو أكثر عبثية، لأن أيا من مبادئ السياسة الأميركية المعلنة تجاه اليمن لم ينج من بؤس التحول إلى نقيضه. هذا ينطبق على مكافحة الإرهاب الدولي، وعلى ادعاء المساعدة على انقاذ الدولة من الانهيار، وبالطبع أيضا على مسألة تعزيز الأمن في المنطقة، وعلى قضايا الإصلاح والحريات الديمقراطية.
 
وجهة النظر السعودية تجاه الوضع في اليمن
لقد صورت المملكة العربية السعودية تدخلها عسكرياً في اليمن على أنه خطوة اضطرارية أملتها ظروف قصوى استثنائية. فوفقا لمزاعم الرياض ووسائل الإعلام الغربية، قام الحوثيون مستخدمين أسلحة ومدربين من إيران بانقلاب في اليمن واستولوا على السلطة في البلاد، واسقطوا الرئيس الشرعي منصور هادي. وزعمت أن الموجهين المباشرين لقادة الحوثيين هم الزعماء الروحيون الإيرانيون و"حزب الله" اللبناني. وكان أساس هذه الصداقة مع الحوثيين، حسب زعمهم، التضامن الشيعي الموجه ضد المملكة العربية السعودية وجميع الأنظمة السنية في المنطقة بشكل عام. قد برزت في هذا الخطاب باستمرار حجتان مترابطتان: الانقلاب الحوثي والعدوان الإيراني الداهم. كلتا هاتين الذريعتين أوجدتا، في الواقع، الإطار اللازم لتلك الظروف الطارئة التي اضطرت السعودية للرد حسب قولها.
وهكذا، استطاعت المملكة العربية السعودية الحصول بسرعة على موافقة ثماني دول سنّية أخرى على المشاركة في تحالف عسكري تحت قيادتها. وكان من بينها جميع أعضاء مجلس التعاون الخليجي (GCC) باستثناء سلطنة عمان (المتهمة بالتعاطف مع الحوثيين)، وهي الكويتُ والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، وكذلك مصر والسودان والمغرب والأردن. وقد صوت البرلمان الباكستاني ضد مشاركة الجيش في العمليات في اليمن، ولكن هذا لم يثن السعودية عن مشروعها التدخلي. وكانت موافقة غالبية البلدان غير الخليجية مرتبطة مباشرة بالحاجة إلى تسوية احتياجاتها المالية.
كان مفترضا أن تشكل ولادة التحالف العسكري بقيادة المملكة العربية السعودية الخطوة الرئيسية الأولى نحو إضفاء الشرعية على قيادة المملكة للمنطقة وهو ما بدأ يلوح في الأفق بعد المؤتمر الدولي في لندن في يناير كانون الثاني عام 2010. في ذلك المؤتمر المخصص لبحث الأزمة في اليمن، حددت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون للمرة الأولى بوضوح ودون مواربة معالم التراتبية الجديدة لحلفاء أميركا الإقليميين الذين تستند إليهم في حملتها العالمية لمكافحة الإرهاب. فأزيح اليمن الذي كان قد أضحى دولة على شفا الهاوية ويرثى لها إلى مرتبة دولة تلعب دورا ثانويا، على الرغم من أنه في عام 2009 كان يتمتع بوضعية جعلته على قدم المساواة مع المملكة العربية السعودية ، إن لم يكن أعلى.
قلّ من لحظ آنذاك أمرا ذا أهمية بالغة ميز موقف السعودية عن الموقف الأميركي تجاه مشكلة الأمن في اليمن. فقد اعترفت الاستخبارات الأمريكية في جميع أنحاء العالم أن المصدر الرئيسي للتهديد الإرهابي في العالم هو "تنظيم القاعدة" في شبه الجزيرة العربية، ومقره اليمن، والذي كانت الولايات المتحدة تشن صراعا نشطاً ضده، فيما كانت المملكة العربية السعودية تعتبر التهديد الرئيسي متأتياً من الحوثيين الذين أصبح معترفا بهم في وقت لاحق من قبل المجتمع الدولي كشريك كامل الحقوق في تحقيق تسوية سياسية سلمية للأزمة تحت رعاية الأمم المتحدة (تحت اسم حركة "أنصار الله").
اليمن اعتبرت الإعلان عن تدخل عسكري من دون تفويض من الأمم المتحدة في مارس 2015 تعبيرا عن سياسة الهيمنة من قبل السعودية. ومما فاقم الغياب الكامل للأسس القانونية للتدخل الوقف الفظ لعمل بعثة حفظ السلام التي يقودها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في اليمن جمال بن عمر الذي غادر صنعاء قبل ثلاثة أيام من التدخل حاملا مجموعة جاهزة من التدابير الآيلة إلى استمرار المهمة السلمية للامم المتحدة.
ولكن قرار التدخل بالنسبة للشريك الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية لم يكن، على ما يبدو، مفاجأة ذات شأن. فجاء قرار مجلس الأمن رقم 2216 الصادر في إبريل عام 2015 غير متضمن أي إدانة لتدخل الرياض في مهمة الامم المتحدة (روسيا امتنعت عن التصويت على القرار)، فأرسلت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى مقر قيادة عملية "عاصفة الحزم" ضباطهما لتقديم الدعم اللوجستي لقوات التحالف في اليمن. وتسلم سفير المملكة العربية السعودية لدى واشنطن عادل الجبير، الذي كان أول من أدلى ببيان رسمي حول التدخل في اليمن، منصب وزير الخارجية السعودي في الحال. وعين الأمير محمد بن سلمان، نجل الملك السعودي الجديد والبالغ من العمر 30 عاما، قائدا لقوات التحالف وللعملية إياها، كما حصل حالاً وبتعيين خارق للعادة، على منصب نائب ولي عهد المملكة. لم يبدُ النصر في اليمن للمملكة العربية السعودية مضموناً فقط، ولكنه بدا لها أيضا أمراً هاما للغاية. وحتى تحذيرات الجنرالات الأمريكيين العارفين حق المعرفة بخفايا في الوضع في المنطقة، ووصفهم التدخل العسكري في اليمن بـ"الفكرة السيئة"، لم تبرّد الرؤوس الحامية لدى النخب الحاكمة في السعودية.
لكن المفاجآت أخذت تترى على الفور بعد بدء قصف اليمن من الجو: فقد امتنع كل حلفاء السعودية في التحالف من توجيه قواتهم البرية إلى منطقة النزاع. وذلك لأنهم لم يعثروا في الواقع لا على انقلاب حوثي، ولا على وجود إيراني في اليمن. وحتى مسألة لحظة انقلاب الحوثيين المزعوم ضد الرئيس منصور هادي تركوها مفتوحة وبدأوا يربطونها ربطاً عشوائيا بأوضاع وحالات مختلفة وبسياق أحداث ما كانت عامرة بها للغاية فترة الإدارة الانتقالية برعاية للأمم المتحدة في اليمن.
أما موعد الانقلاب الافتراضي فكان يتراوح حراً خلال فاصل زمني كبير نسبيا. ونسبته آخر التصورات إلى منتصف عام 2014، عندما أخرج الحوثيون من تحت سيطرة أشد خصومهم تحمساً من عداد "التجمع اليمني للإصلاح" في محافظة عمران التي تقع بين محافظة صعدة – معقل الزيدية اليمنية والعاصمة صنعاء. وقد كان هذا الحدث فعلا مثابة نقطة تحول إذ أسهم في إحداث تغيير جذري في ميزان القوى في البلاد في المرحلة النهائية من خطة التسوية التي اقترحتها دول مجلس التعاون الخليجي. وبمجرد أن فقد "التجمع اليمني للإصلاح" في عمران صورة المنافس الذي لا يهزم على السلطة في البلاد، بدأت تكرّ مسبحة انهيار نفوذه في جميع أنحاء البلاد. هذه الحقيقة أثرت تأثيرا مذهلا في وضع السلطات السعودية، إذ تسببت في رد فعل عاطفي جدا أخفى الأسباب الحقيقية لما حصل. ومن هنا بالذات تولدت أسطورة الأسلحة الإيرانية والمدربين الإيرانيين، والمؤامرة الإيرانية وهلم جراً.
غير أن السمة الأبرز لأحداث عمران يمكن تلخيصها في الغياب شبه الكامل لعنصر الصراع المسلح بين الحوثيين والميليشيات المسلحة الموالية للتجمع اليمني للإصلاح. فلو استمر "التجمع اليمني للإصلاح" يتمتع بنفوذ بين قبائل حاشد التي تشكل الغالبية العظمى من سكان محافظة عمران، لما كانت لدى الحوثيين أي فرصة للنجاح. وقد اتضح أن شيوخ عشيرة الأحمر – السائدة في في إتحاد قبائل حاشد، الاتحاد الأكثر نفوذا في اليمن، فقدوا ببساطة الثقة داخل اتحاد القبائل بسبب نشاطهم الضاغط لصالح الجناح السلفي في "التجمع اليمني للإصلاح". وتجاهل شيوخ اتحاد قبائل حاشد الأكثر نفوذا، والذين يعتبرون مثابة الحاكم الحقيقي وإن غير المعترف به لليمن، نداء مرشدهم الاعلى الشيخ صادق الأحمر لمعارضة الحوثيين. فوقعوا اتفاقات مع قادة الشرطة الحوثية ومنحوهم حرية المرور عبر أراضيهم القبلية حتى يتمكنوا من استكمال تحييد رجال الجماعات السلفية المسلحة الذين فروا من صعدة ووعدوا بأنه سيعودون مع تعزيزات.
أظهر هذا الحدث أيضا عملية إعادة التقييم التي حصلت في الجزء القبلي من المجتمع اليمني، وطاولت الأحداث المرتبطة بسلسلة حروب صعدة خلال أعوام 2004-2010، والتي شاركت فيها مجموعات "الإخوان المسلمين" المسلحة المتطرفة، الداخلة في خلايا "التجمع اليمني للإصلاح". وكانت هذه قد قاتلت إلى جانب القوات الحكومية ضد الحركة الزيدية. في تلك الحروب شاركت بضعة من قبائل حاشد وحتى عدد قليل من شيوخها قتل. وكان من عواقب الحرب الأهلية هذه أن فتحت عيون كثيرين من الشيوخ على آفاق استمرار مثل هذا النهج في جميع أنحاء اليمن فأجبرت الناس على التشكك في مصداقية "التجمع اليمني للإصلاح". كما أدركوا أيضا أن الانقسام في داخل اتحاد حاشد نفسه إلى أولئك الذين ظلوا موالين لمعلميهم الزيديين، وأولئك الذين انضموا في السنوات الأخيرة إلى صفوف السلفيين في "التجمع اليمني للإصلاح"، لن يكون مفر منه ما دامت الفتنة المذهبية قد أصبحت شعارا رئيسيا لأجل حشد أنصار عشيرة القائد الأعلى.
خيبة أمل المملكة العربية السعودية إثر هزيمة "التجمع اليمني للإصلاح" في محافظة عمران باتت واضحة ببساطة: فالهزيمة إياها فتحت للحوثيين الطريق إلى صنعاء، وفي الوقت نفسه – حولتهم من مجرد مجموعة سياسية إقليمية ضيقة إلى ما هو أكثر من ذلك، إلى قوة فاعلة على النطاق الوطني، مما يهدد من وجهة النظر السعودية المصالح السعودية الطويلة الأجل في اليمن. ومن الواضح، ان القضية كانت في الغالب تعني تلك المصالح التي تنحصر في بوتقة الأيديولوجية الدينية. ولكن إذا كان الأمر كذلك، وجب أن ينظر إلى الصراع الدولي في اليمن على أنه صراع عرقي ثقافي، وهو ما يغير تماما جوهر الأزمة.
جناح الاسلاميين في حزب "التجمع اليمني للاصلاح" – أي جماعة الإخوان المسلمين، كان يسيطر على أكبر شبكة من المعاهد العلمية الدينية في الجمهورية العربية اليمنية وكانت من خلالها تزرع الأفكار الوهابية في المجتمع وهي تعبر عن المذهب السائد في المملكة العربية السعودية. وكانت هذه قد تأسست بأموال المملكة العربية السعودية وحكومة الجمهورية العربية اليمنية في عام 1970.
وخلافا لحسابات الجناح المتطرف من حزب "التجمع اليمني للاصلاح"، والذي يضم قادة الإخوان المسلمين والشيخ حميد الأحمر (الملياردير من عائلة شيوخ آل الأحمر)، لم يضف النهوض الثوري في اليمن فرصا لـ"التجمع اليمني للإصلاح" كي يأخذ زمام المبادرة على الساحة السياسية . ففي المدن حيث تطورت الأحداث الرئيسية في اتجاه ثورة سلمية، تسبب السلوك العدواني من قبل أنصار "التجمع اليمني للإصلاح" في لفظ الجماهير الثورية لهذا الحزب. والشباب الثوري الذي رسخ أيما ترسيخ الحق في استخدام أشكال الاحتجاج السلمية حصرا، راح يدين كل أشكال العنف ويعتبر تصرفات نشطاء "الإصلاح" استفزازية.
وبعد أن فقد حزب «التجمع اليمني للإصلاح" مكانته الرائدة على كل الساحة السياسية في شمال اليمن بحلول نهاية عام 2014 ارتسم انعطاف في سياسة المملكة العربية السعودية نحو سيناريو استخدام القوة لحل النزاع في اليمن، والذي كانت معنية به النخبة الدينية في المملكة في المقام الأول. وكان نجاح التدخل العسكري يعتمد بشكل مباشر على دقة تقدير الأسباب التي أدت إلى هزيمة "التجمع اليمني للإصلاح" ويتوقف على ما إذا كان اليمنيون سيعتبرون التفسير الحوثي الإيراني المقترح شعارا تعبوياً لدعم قوات التحالف.
وقد كمنت أسباب عداء الفصائل الدينية والسياسية في النخبة الحاكمة في المملكة العربية السعودية للحوثيين في حدة انتقاد قادة الحركة لدور الوهابية في اليمن، فضلا عن إدانة السياسة الخارجية للرياض والأنظمة العربية الأخرى الموالية للغرب. ولكن كان على قدر من الأهمية أيضا، كما هو واضح، حادث أسر جنود سعوديين عندما قررت المملكة العربية السعودية في أواخر عام 2009 إرسال وحداتها العسكرية إلى منطقة النزاع في صعدة للمشاركة في القضاء على الحوثيين. وقد انتهى هذا الحادث بتحرير الأسرى السعوديين في مقابل هدنة وقِّعت في فبراير 2010.
إن تحليل أحداث يونيو 2014 في عمران ليدل على أنها كانت مرتبطة باستمرار الصراع بين الحوثيين والجماعات المسلحة السلفية الموالية لحزب الإصلاح الذي كان بدأ في صعدة في عام 2011، ولم تكن لها علاقة لا بصفة الرئيس الشرعي هادي الرسمية، ولا باستمرار تطبيق خطة العملية السياسية السلمية في اليمن تحت إشراف الأمم المتحدة. وعلاوة على ذلك، التقى الرئيس هادي الحوثيين الذين دخلوا صنعاء سلميا في 21 سبتمبر 2014، ووقع معهم في نفس اليوم "معاهدة سلام وشراكة وطنية"، أقرها مجلس الأمن الدولي (1). ولم يفر من صنعاء إلى المملكة العربية السعودية سوى قيادات الجناح المتطرف في حزب "التجمع اليمني للاصلاح" المتمثلة في الشيخ عبد المجيد الزنداني والشيخ حميد الأحمر واللواء علي محسن. وظلت جميع القيادات العليا للجناح المعتدل في "التجمع اليمني للإصلاح" في صنعاء وشاركت في التوقيع على اتفاق إطار جديد. وبقي في صنعاء أيضا القائد الأعلى لاتحاد قبائل حاشد الشيخ صادق الأحمر، الذي مُنح حصانة طبقا للعادات القديمة المحلية.
وثبِّت في الوثيقة الموقعة الإبقاء على نهج التنفيذ الكامل لخطة التسوية على أساس القرارات الختامية لـ"الحوار الوطني" الذي سبق أن أنجز في يناير كانون الثاني من العام نفسه. وقد دبجت الوثيقة وتم توقيعها في وجود الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في اليمن جمال بن عمر. هذا الحدث من الصعب أن يعتبر انقلابا من جانب الحوثيين على الرئيس منصور هادي، وهو الذي اعتبر في وقت لاحق ذريعة للتدخل العسكري الخارجي. فالرئيس الانتقالي منصور هادي، بحكم التعريف، لا يمكنه ببساطة أن يكون محل صراع على السلطة في اليمن، لأن رحيله من منصبه كان، أولاً، محدداً سلفا في شروط خطة السلام الدولية وكان رحيله هذا مقررا في موعد أقصاه نهاية عام 2015 (على الرغم من أن فترة ولايته بعد التمديد كانت قد انتهت رسميا حتى قبل ذلك – في فبراير 2015)، وثانيا، كان من شأن أي محاولة انقلاب أن تكسر كامل آلية تنفيذ خطة التسوية التي تنص على إجراء انتخابات لهيئات سلطة جديدة في الجمهورية اليمنية. فليس هناك إذاً مجال لأن تكون ثمة مصلحة في هذا للحوثيين الذين هم في ذروة شعبيتهم (كما اتضح من خلال التأييد الشعبي الشامل لمطالبهم الاقتصادية حيال السلطات بعد دخولهم صنعاء).
كانت معنية بإفشال الخطة وتصوير وجود عملية انقلاب فقط تلك القوى التي خرجت من قائمة المتنافسين الرئيسيين للفوز في الانتخابات بنتيجة القتال أو أولئك الذين يأملون في الانتقام بواسطة القوة.
لقد نظر الخبراء، ومن بينهم الغربيون، بحذر إلى التفسير السعودي لجوهر الصراع في اليمن، وحاولوا التأثير على سياسات حكوماتهم حيال خطط التدخل العسكري. واحتج كبار المستشرقين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على التدخل واصفين إياه بـ"غير الشرعي من وجهة نظر القانون الدولي"، حيث لم تكن هناك دولة في التحالف في موقع الدفاع عن النفس (2). وقد راحت الحرب في اليمن، المحفوفة بالمخاطر في حد ذاتها، والموضوعة على أسس خاطئة تماما من قبل المملكة العربية السعودية في مصاف معركة الوجود السعودي من أجل مصالح العرب ضد عدوان وهمي مفترض من قبل إيران، تتحول إلى "قنبلة" حقيقية قد تفجر المنطقة بأسرها. (يتبع)
 
المراجع:
 1SC/11578, 23 September. 2014.
 2Tharoor I. Top Yemen scholars in the West condemn Saudi Arabia’s war // Washington Post. April 18. 2015 
 3U.S. Senator John McCain believes the Houthis to be more dangerous than al-Qaeda in Yemen // Yemen Post. June 08. 2013.
 4S/RES/2216 (2015.
 5Аль-Барламан: рисалат ли умум аль-британий би ихсаийят дахайя аль-удван, аль-Мисак 06.11.2016 // http://www.almethaq.net/news/news-47812.htm,
 6Zeid urges accountability for violations in Yemen // OHCHR. Geneva. August 25. 2016.
 7Saudi-led Yemen coalition removed from U.N. child rights blacklist pending review // Reuters. Jun 7. 2016.
 8Michael M. Spokesman says Saudi-led force will commit to Yemen truce // Associated Press. April 8. 2016.
 9Henderson S. How to End Saudi Arabia’s War of Paranoia // Foreign Policy. October 20. 2016.
10Ibid.
 
بقلم سيرجي سِرِبروف – باحث أول في معهد الدراسات الشرقية، دكتوراه في الاقتصاد
ترجمة: