الرئيسية » حضاريات » العولمة وتعاوُن الأديان – تحدّياتٌ وآفاق / جورج ماكلين
jwrj_mklyn.jpg

العولمة وتعاوُن الأديان – تحدّياتٌ وآفاق / جورج ماكلين

 

أ) ظهورُ وعي الفردية الثقافية والدينية، واشتدادُه.

ب) تقاطُعها في سياق العالم الجديد ذي القطب الأوحد؛ ممّا سيتحوّل إلى عاصفة.

ج) في هذا العالم تُسيطر مادّية "هوبز" التي تقول إنّ العدالة هي القوةُ الرئيسةُ التي تستعبد كلّ البشر، وكلّ شيء.

على أنه لا بُدّ من تجاوز حدود الذات كي نحترم الآخرين وحُرّيتهم الثقافية، والدينية على السواء، وكرامتهم، وتلك على الدوام كانت الفكرة الأساسية للدين التي تتجسّد باستمرارٍ في الحياة. علينا أنْ نضمن أن تسمح الأديان للعمل العالمي المُشترك للثقافات بأنْ يتطوّر على قاعدة التعاون والاحترام المتبادل، وإذا أصبح تعاون الأديان هو المهمة المركزية، فكيف ستستجيب لذلك؟

هنا في "رودُس"، يبدو من المهم بشكلٍ خاص إبراز دور الحضارة اليونانية، وفلاسفة اليونان في الحضارة العالمية؛ ففي سياق البحث عن توجُّهٍ نحو الحياة، بدأ أفلاطون بعد أنْ أُعدم سقراط بسبب أثينا، يبحث عن أفكارٍ أو صِيغٍ يمكنها أن تكون نقاطاً ثابتة في الوطن، وفي عصر التنوير رُفع شأنُ هذه الفكرة إلى المُطلق، وكلُّ ما سواها وُضع موضع الشكّ أو الرفض، وفي العام 1900 اكتمل هذا العمل من حيث الجوهر، على الأقل في مجال الفيزياء، برأي "ألفريد نورث وايتهيد".

لكنْ بقي مجالٌ آخر لم يحظَ بالاهتمام، هو عالم إدراك الذات الداخلي، وإذا ما أردنا البحث بالتفصيل في تاريخ ظهوره، يمكننا القول إنه في بداية القرن العشرين أرسل البروتستانتي "يان ماساريك"، مُؤسّسُ تشيكوسلوفاكيا العالِمَ اليهوديَّ الشاب "إدموند هوسرل" إلى فيينا مُحمِّلاً إياه هديّتين: الهدية الأولى كانت عبارة عن عُدّة صغيرة للكتابة، والثانية هدية ضخمة كان عليه أن يُسلّمها يداً بيدٍ إلى البروفيسور الكاثوليكي "فرانس برينتانو" عند تعرُّفه إليه، وكان البروفيسور "برينتانو" يُعِدُّ دراسةً كلاسيكية عن الحياة الداخلية للروح، من مفهوم "النية" الذي أدخله أرسطو إلى ولادة الكنيسة، قارن فيها بين الأفكار والتعاليم الإسلامية، وبين تلك المسيحية، وذلك في القرون الوسطى، وأضاف إليها الأبحاث الروحية لابن عربي ولـ "تيريزا الأويلية"، وأفكار اللاهوت الأرثوذكسي حول الحياة الصوفية، وقد أتاح هذا التقليد الديني لِـ "برينتانو" و "هوسرل" دراسة متابعة الوعي الروحي للذات، أي وعي الإنسان لذاته.

وفي هذا الصدد، ينبغي أن يكون منّا على بالٍ أنّ القضية ليست تكمن في أنّ البشر يُعَدُّون كائناتٍ محدّدة بوصفهم موضوعاتٍ أو حتى ذوات؛ فالمهم بالنسبة إلى الوعي الإنساني ليس الإنسان ذاته بوصفه مخلوقاً، ولا الإله باعتباره خالقاً، وإنما المُهم هو الوجود بوصفِه نتيجةً لازمةً عن خلق الإله، وصياغة الإنسان لمختلف الثقافات في مجال التضامن الإنساني. لقد أصبح ذلك في الحدّ الفاصل بين الألفيتين هو الفكرة الأساسية للوعي الإنساني، ويتضمن ذلك ما يأتي:

أولاً: الثقافات، وبالتالي تعدُّد الثقافات.

ثانياً: الدين، والعمل المشترك لمختلف العقائد الدينية.

أولاً، الثقافة

1– إنّ ظهور الحياة والوعي الإنساني يحتاج إلى الفكر، والإرادة والتصوُّر؛ لذلك لا بدّ من حُرّية الإنسان، بمعنى تحديد الذات، وتحديد المسؤولية الذاتية، كما لا بدّ من تكوين الذات؛ ذلك أنّ من الضروري أنْ نُنظّم معيشتنا في أثناء عملية تقبُّلنا لها.

2– إنّ التكييف الخلاّق لحياتنا يعني تحديد الأولويات، أي القيم بوصفها نمطَ الحياة الذي ينبغي السعي إلى تحقيقه، وبينما يضع بعض البشر، كما في الشرق مثلاً، الانسجام في المقام الأول، ويُنظّمون حياتهم بما يتفق مع ذلك، فإنّ المنافسة هي التي تحتلّ المقام الأول في الغرب، وبالتالي فإنّهم في الغرب يُنظّمون حياتهم بشكلٍ مُغاير، وهذا ما يُؤدّي إلى أنْ تتطور في كُلٍّ منهما صفاتٌ مُميّزة مختلفة، وذلك من أجل تجسيد هذه القيم، وهكذا فإنّ اقتران قِيم الأمّة بمواصفاتها هو الذي يُحدّد بشكلٍ مُسبقٍ الملامحَ المُميّزة لحياة هذا الشعب، وبهذه الصورة تُشكّل ثقافةُ الشعب طريقة تربية النفوس فيه. إنه نمطُ الحياة الذي يعيش البشر وَفقه في المجتمع، ووَفقه يُربّون أطفالهم بحيث يُصبحون أعضاءً ذوي جدارةٍ في هذا المجتمع.

3– بما أنّ هذه القيم والمواصفات تُميّز البشر المُقيمين على مساحةٍ واسعة، والذين واجهوا عبر القرون تحدّياتهم التاريخية، فقد ظهرت أنماطُ حياةٍ مُشتركةٌ، ومشاعرُ بالخصوصية مُشتركةٌ، إنها حضاراتٌ شتّى ترتبط فيما بينها بأواصر الدم، والأرض المشتركة، والتاريخ المشترك، والثقافة المشتركة، وهذا ما سمّاه هانتنغتون بالـ "نحن الكبرى".

إننا اليوم محكومون بالتعايش مع هذا الإدراك، أو محكومون بوعي واقع ثقافاتنا، لا بوصفها أمراً فرضه علينا أحدٌ ما، أو مكاناً ما وُجِدنا فيه صُدفةً، وإنما بحسبانها أمراً صنعناه على مدى قُرونٍ، ونتحمّل نحن مسؤوليته بوصفِنا شعوباً، والثقافةُ بهذا المعنى هي الحُرّيةُ الكُلّية للبشر، والتحقيقُ لذاتهم الذي يُميّزهم إلى أقصى حدّ، وبالعكس فإنّ العِبء المشترك للمسؤولية عن تجسيد حياتنا وتشكيلها يقع على وعينا نحن، لا على وعي الأجيال السالفة الذي يُسمّيه "ميلان كونديرا": "سهولة عيشٍ لا تُطاق"، ولا شكّ في أنّ هذا العبء يُشكّل تحدّياً جديداً في حياتنا في عالمٍ مُتعدّد الثقافات.

ثانياً: الدين

إذا كانت الثقافة هي وعي نعمة الحياة التي منّ الله بها علينا؛ فإنّ من الواجب الطبيعي علينا أن نحمد الله على هذه النعمة، وأن نبحث عن عونه لتحمُّل هذا العبء، وأن نحيا على أمل أن تقودنا حياةُ التقوى إلى تحقيق حُبّه. بما أنّ هذا هو جوهر الدين، فإنّ إدراك ذلك يؤدّي إلى تعزيز الوعي الديني الذاتي، وفي هذا الصدد يُشير "بول تيليتش" بتعبيرٍ ظواهري، إلى الله بحسبانِه "مصلحةً عُليا للإنسان".

وبإمكاننا أن نخلُص ممّا تقدّم إلى نتيجةٍ مُؤدّاها أنّ الاهتمام بذاتية الإنسان يستدعي زيادة وعي خصوصيتنا الثقافية والدينية.

وهنالك مُكوّن ثالث للهجمة المثالية التي نلحظُها في أيامنا، يُمثـّل تحدّياً لتعزيز العمل المشترك الجديد، والمتجدّد بين ثقافات كثيرة وأديان كثيرة. فقد قيل الكثير عن المستوى الجديد للتوحيد الاقتصادي في أثناء عملية الانتقال من عالمٍ ثُنائي القُطبية، ومتعدّد النظم الاقتصادية إلى عالمٍ آحادي القُطبية، إذ ليست العدوى وحدها هي التي تنتشر بسهولة في العالم، وإنما الإنجازات، والإخفاقات الاقتصادية كذلك.

غير أنّ ذلك يبقى على المستوى الظاهر أو الموضوعي، أماّ بالنسبة إلى تقرير المصير الخارجي والعمل المشترك، فإنّ الأعمال على مستوى التواصل الداخلي الذاتي بواسطة وسائل الإعلام الجماهيرية أهم بكثير. فقد تظهر أشكال واحدة في وقت واحد في كل أنحاء الكرة الأرضية، وقد يكون مضمونها واحداً أو مختلفاً، كما أنها قد تُلهم وقد تخرب، لكنْ كيف تتحقق هذه الوحدة الاقتصادية والسياسية؟.

إن المكونات المذكورة أعلاه قد تكون إيجابية وعملية، إلا أنّ علينا أن نبحث المُكوّن الثالث الذي يفوق المُكوِّنَين الآخرَين في العاصفة التي تُغطي العالم بتسارُع مُتزايد منذ بداية الألفية الجديدة. فجمهورية هوبز هذه هي جمهورية الرجال، والنساء الأنانيّين الذين تضمن القوة الغاشمة لهم حقّهم، وفي هذا السياق، يتعين علينا من جديد أن نعود إلى اليونان القديمة لنقتنع بأن في جمهورية أفلاطون لا يتراءى فعلُ الخير وحده (سقراط)، وإنما فكرة "فراسيماخوس" حول المدينة ذات التنظيم الذاتي كذلك، حيث إنه لا يدعو إلى الحرية والمسؤولية، بل إلى النظام المفروض بالقوة؛ فالعدالة "ليست إلاّ مُجرّد أفضلية القوي"، بمعنى أنّ العدالة هي ما تُمليه السلطة ولا شيء سوى ذلك، والواقع بحسب "كلود ليفي ستروس" أنّ هذا هو موقف أفلاطون الخفي لكن الحقيقي، فتلامذتُه الذين تولَّوا مقاليد السلطة السياسية، والعسكرية في الألفية الجديدة يتبعون وجهة النظر هذه؛ ذلك أنهم قد خطّطوا لإقامة نظامٍ عالمي جديد، تقف على رأسه سلطةٌ عليا، تُخضِع بل على الأرجح تستبعد جميع من حولها.

من ثَمّ، فليس من قبيل المصادفة أن ينظر البشر الآخرون، ولهم كلُّ الحق في ذلك، إلى هذه الأفكار بحسبانها اعتداءً لا على حُرّيتهم فحسب، بل أيضاً، كما سبق أنْ أقررنا آنفاً، على خصوصيتهم الثقافية التي تُمثـّل اقتران معنى الحياة بكرامتها. فضلاً عن ذلك، وبما أنّ الدين يُشكّل قاعدة الثقافة، فمن الممكن أن نتوقّع انجذاب الدين إلى هذه الدوّامة؛ إذ إنه آخِذٌ في نشر أفكار الحملات الصليبية والجهاد.

إذا كان الأمر كذلك، فإنّ مهمة البشرية عندئذ تكون محاولة حذف العامل الثالث، ولكن كيف يمكن بلوغُ ذلك؟ ليس ذلك مفهوماً بصورة كافية، لا بسبب أيديولوجيا المُحافظين الجُدد التي سبق أنْ أشرنا إليها فحسب، بل أيضاً، وبدرجةٍ أكبر، بسبب الآثار الطويلة الأمد والشاملة للّيبرالية، والليبرالية الجديدة.

تنطلق النظرية الليبرالية، الديمقراطية من الاسمية الإنكليزية للعصور الوسطى؛ إذ إنّ كلّ شيء يتكوّن وَفْق هذه النظرية من ذرّاتٍ وحقائقَ واقعة، وإذا كانت متّحدة؛ فإنّ هذا الاتّحاد ليس ظاهريّاً فحسب. وتتميز هذه النظرية بالأفق التجريبي، والمادّي بالتالي لمُفكّري الحداثة الأوائل، من مِثل هوبز الذي يرى أنّ الإنسان بفطرته "حادٌّ، وفظٌّ، وخسيس"، ويطمح بطبيعته إلى الحرب مع كُلّ ما حوله ومَنْ حوله من أجل موارد ليست كبيرة.

وقد وَضعتْ نظرية "جون رولز" "الليبرالية الجديدة" جُملةً من المبادئ لعمل هذا النظام الناجح، المتطلّب الرئيس الأول فيها هو إيجادُ مجال نشاطٍ مجهول للعمل السياسي المشترك؛ إذ برأي "جون رولز" لا بد لذلك من إدخال العقيدة الكونية الموحّدة تحت قناعٍ من الجهل لتمهيد سبيل تنافس الأفكار في السوق الحرّة، ومن تلك المبادئ التي وضعها "رولز":

أولاً: أنّ النظام الاقتصادي يضع الإنسان في مرتبةٍ أدنى من المال.

ثانياً: لمّا كان الدين هو تنسيق الأفكار والقيم من أجل أن تكون النقاشات السياسية مفتوحة؛ فلا بد من إبعاد الدين عن المجال الاجتماعي، ووضعه تحت قناعٍ الجهل. والواقع أنّ "الديمقراطية الليبرالية" كثيراً ما تصفُ نفسها بأنها "ديمقراطية علمانية"، حتى أصبح هذان المصطلحان قابلَين لأنْ يحُلّ أحدُهما مكان الآخر. بالفعل، فإن نشاط الدين في القطاع الخاص يُشجّع، ولكنْ عندما يُصدر القضاة أحكاماً في مسائل التعليم، والأسرة، والعلاقات الشخصية، فآنئذٍ يجب إبعادُ الجانب الديني للثقافة بصورة حازمة، وهكذا تغدو حياتُنا مُلحدةً أكثر فأكثر.

ومنذ عام 1960 عقّدت الليبرالية الجديدة هذه المسألة، إذ أصبح الاهتمام الأساسي يُولى لقوى السوق الحُرّة العمياء، وليس للحُرية الشخصية، وبإمكاننا هنا أن نعتبر أنّ هذه القوى المادّية تتمتّع بحقٍّ إلهي حصري؛ ذلك لأنها لا تُوضع موضع الشكّ، ولا أحد يُجازف بالتدخُّل في مجراها، ولئن كانت فعاليّتُها قد تبدو قاسيةً في بعض الأحيان، فإنها هي بالذات ما يُتيح بلوغ الرفاه الاقتصادي بالنسبة إلى عددٍ كبير من البشر.

وهكذا، فإنّ ما يحصل هو أنّ الحُرّية موجودةٌ لا من أجل البشر، ولا حتى من أجل الأمم، وإنما من أجل أنْ يسير عملُ السوق من دون عوائق فحسب، ولا يسعُنا في هذا الصدد إلاّ أن نُردّد كلمات النبي القديم: "إلهي، خُذ قلبي الحجري، وأعطني قلباً من لحم ودم!".

هنا بالذات يُصبح معنى الدين واضحاً من جديد، أما إذا وَضع، كما رأينا، العاملُ الثالث الفائدةَ المُتوخّاة من مُكوِّنَي الهجمة المثالية الأول والثاني موضع الشك، وبالذات أيديولوجيات الليبرالية الجديدة، والمحافظة الجديدة، فأيُّ قُوةٍ يمكن أن تُعوِّض هذا الضرر؟!.

إنّ الخطر يكمن، كما سبق أنْ أثبتنا، في كون الليبرالية تفترض سلطةً تُطلَق لكلّ شخصيةٍ مُفردةٍ تُرسلها الليبرالية الجديدة والمحافظة الجديدة لتولّي السلطة والحصول على الأرباح، ولا شكّ في أنّ التخلّي عن هذه الأفكار يحتاج إلى آفاقٍ جديدة بإمكانها أن تمنح الإنسان القدرة على التحكُّم بهذه الطموحات وتغييرها. على أنّ مثل هذه الأفكار تتجاوز حدود واقعنا المادّي، وتقع في السياق الرفيع، والواسع للخير، والغايات الإنسانية والاجتماعية، وهذا السياق الديني بالذات هو ما يجعل وجود حُرّية الإنسان مُمكناً، وبهذه الطريقة يُتيح للبشر إمكان التأثير في ثقافتهم. إلاّ أنّ لهذه القاعدة الدينية مُواصفاتٍ مُهمة عدّة من أجل عالم اليوم:

أولاً: كُلّ ثقافةٍ فريدةٌ من نوعها، وهي بالتالي تختلف عن سائر الثقافات؛ فلمّا كانت الثقافة تتكوّن بإرادة الشعب الحُرّة، فإنها فريدةٌ بالنسبة إلى هذا الشعب، وهذا الشعب بالذات لا غيره، هو الذي يحمل عبء المسؤولية عنها، شأنُها في ذلك شأنُ كلّ عملٍ يُعبّر عن الإرادة الحُرّة، فكل ثقافةٍ هي نمطُ حياةٍ مُتميّزٌ للبشر، يتلاءم مع القرارات والظروف التي تُكوّنه، ويتحمّل الشعب مسؤوليته.

فالثقافات إذاً فريدةٌ؛ لأنّ الشعب يُجسّد فيها حياته أو معيشته، لا بوصفها أمثلةً متشابهةً لنموذجٍ واحد محدّد، وإنما كلٌّ منها على نحوٍ خاص. كما تتشكّل الثقافات على مدى القرون لا بواسطة ظُروفٍ مُحدّدة فحسب، وإنما بواسطة الحُرّية في اتخاذ القرارات والالتزامات كذلك، ومن بالغ الأهمّية أنْ تتحقّق حُرّية الإنسان، وذلك حتى لا تتعرّض الثقافة الفريدة لكل شعب للخطر، بل لتكون في أكمل أشكالها؛ فلا يجوز التخلّي عن الإمكانية الإبداعية للإنسان، كما لا يجوز أن نحاول التأثير في الناس في محاولتهم اكتسابَ قاسمٍ مشترك، أو على قدرٍ أدنى من العمومية؛ ذلك أنّ المسألة التي يمكن اعتبارُها مُعقّدةً بالفعل، هي قدرتُنا على تحقيق فرادتِنا وفرديّـتنا المُميّزة بأكمل صورةٍ مُمكنةٍ في السياق العالمي الجديد.

ثانياً: التشابُه في الاختلافات بين الثقافات، وهو ينحصر في محاولة كلّ شعبٍ أن يعيش بما يتلاءم مع ثقافته، ومع نمط حياته. لقد تحدّث الفلاسفة من قبلُ عن الطبيعة المجرّدة الشاملة ذات النموذج الوحيد (مثلاً: الحيوان العاقل)، أما اليوم، فيمكن الحديث عن أنّ الطبيعة الموجودة الآن ليست حُرّيةً عامة، وإنما هي حُرّية حقيقيةٌ مُجملة، تُشكّل ثقافتنا بوصفِه نموذجاً، فنتقبّل العالم على نحو ما يتلاءم معه، ونُطلق أحكامنا ونعمل أيضاً على نحو ما يتناسب معه، وإذا ما أردنا أن نُعبّر عن ذلك بمفاهيمَ وُجوديةٍ، فإنّ التشابُه يتمثـّل لا في تقليل ما يُميّز فرديّـتنا وثقافتنا، بل في تحقيقها على أكمل وجه.

ثالثاً: تكامل الثقافات، على أنّ اشتراك الثقافات المختلفة في هذا الجانب هو ما يُشكّل التكامُل فيما بينها؛ حيث إنه لمّا كانت كلُّ ثقافةٍ تعيش بالتوافق مع طبيعتها، فإنّ ذلك يعني أنّ لها تصوُّراً عن الإله اللامحدود، واللامتناهي، وبالتالي الفريد، بحسب مفاهيم أفلاطون. إلاّ أنّ كلّ هذه التصوُّرات لا تملك أي تأثير في الإله، ولا تُشاركه في صُورته، ولكنها مع ذلك إحدى تجلّياته؛ ولذلك يجب أن يُكمّل بعضُها بعضاً.

رابعاً: تقارُب الثقافات، فمِثلُ هذا التناسب يجب أن يكون تقارباً؛ إذ إنّ الحياة ليست نظريةً، بل هي لاهوت، وعلى الرغم من أنّنا جميعاً مخلوقاتُ الإله، كما سبق أنْ ذكرنا، فإنّنا نقع في البحث عن الكمال: فكُلّ ثقافةٍ في بحثها عن كمالها الفريد والمحدود تبلُغ كلُّها معاً الكمال الواحد اللانهائي، والثقافات جميعُها تتشابه في سعي كُلٍّ منها على نحوٍ فريد إلى الكمال الإلهي الواحد، وهذا البحث الفعّال عن الكمال هو نفسُه ما أتاح لمحمد إقبال أن يجعل العمل النظري المُحايد وغير العاطفي في مقابل الفلسفة والدين الذي يُعتبر مُوحّداً، وفعالاً، وجذّاباً.

إنّ طموح الدين أعلى من طُموح الفلسفة؛ فالفلسفةُ نظرةٌ فكرية إلى الأشياء، وبالتالي لا تخرُج عن حدود المفهوم الذي قد يُعيد كُلّ غِنى التجربة إلى النظام، وبينما ينظر المفهوم إلى الواقع عن بُعدٍ، فإنّ الدين يُحاول أن يكون على تَماسٍّ أقربَ مع الواقع، فالفلسفةُ نظريةٌ، على حين أنّ الدين تجربةٌ حيّةٌ، وصِلةٌ، وقُرب، وبُغية الوصول إلى هذا القُرب على الفكر أن يتسامى عن ذاته، ويجد التعبير عنه بالعقل الذي يصفه الدينُ بأنه "صلاة". تلك الكلمات من أواخر ما قاله نبيُّ الإسلام.

لقد استُبدلت الماورائيةُ (الميتافيزيقا) بالسيكولوجيا، كما أنّ الحياة الدينية تبدو طُموحاً إلى الدخول في تماسٍّ أشدَّ التصاقاً مع الواقع. في هذه الحالة بالذات، يُصبح الدين عبارةً عن تَماهي الحياة والسلطة بالنسبة إلى كلّ شخص، وهذا الأخير يصل إلى الحرية الشخصية، لا بتخليص نفسه من قُيود القانون فحسب، بل أيضاً باكتشاف عِلّة القانون الأُولى داخل الوعي الشخصي.

فالإقرار بأنّ الثقافة تُمثـّل مُجمل حُرية الإنسان يعني أنّه من أجل أنْ نعيش معاً يجب أن تمتنع كُلّ البنى عن السيطرة أو قمع الحُرّية، وألاّ تُحاول أيٌّ منها أنْ تُعيد بناء الأخرى بما يتّفق مع تصوُّراتها؛ ذلك أنّ الجميع يُشكّلون شخصياتٍ حُرّةً ومُبدِعة.. إنّنا حُجّاجٌ على طريق السلام والعدل.. إنه سعيٌ إلى الحقيقة والخير والجمال …إلخ، لكنْ هُنا لا بُدّ من توخّي الحذر تجاه:

السخاء الكاذب المُرتكز على فكرةِ أنّ ما بناهُ شعبٌ يجب أن يُستخدم في الشعوب الأخرى.

الاستقرار الكاذب الذي يُعَدُّ نتيجةً للقُوّة القاهرة، المُستعملة دُونما تفكير.

السلام الكاذب الذي يُعدُّ نتيجةً للضغط الذي كثيراً ما يُمارَس فيما يُسمّى "السياسة الواقعية".

فعلى العكس، من أجل التعايُش لا بُدّ من الإقرار بأنّ:

1– الجميع مُتساوون، وبالتالي أحرارٌ، وأنّ السلام غايةٌ مشتركة لتحقيق الإنسان لذاته.

2– الإنسان عقلانيّ في جوهره، وبالتالي فإنّ مُستقبلنا مُترابطٌ، ويحتاج إلى الاعتراف المتبادل، والاحترام، والتعاون.

3– لا يُمكن تحقيقُ السلام إلاّ بواسطة البحث عن الانسجام، وبالتالي في عصر العولمة "طُوبى للوُدعاء؛ لأنهم سيرِثُون الأرض".

من ثَمّ، يمكن أن نستخلص النتائج التالية إذا ما أردنا العيش في عالمٍ متعدد الثقافات والأديان:

أوّلاً: يجب أن يُبعِد الفهمُ، وحُسنُ الاستجابة، والتعاونُ مع بقية الثقافات العُدوانَ الأيديولوجي.

ثانياً: الضمانةُ الوحيدة هي عدمُ الدوران حول الحماية الذاتية، ومُقاربةُ الحاجات الوجودية للآخرين والثقافات التي قد يُكوّنونها بقلبٍ مفتوح.

ثالثاً: السياسة الواقعية الحالية كما يتصوّرها عيسى هي أنّ كلّ الشعوب حُجّاجٌ يجب أن يلتقوا على الجبل المقدّس، حيث يُحقّق اللهُ بالجميع كُلّ شيء.

ومن كلّ ذلك نخلُص إلى أنّ أمل القرن الجديد ومهمّته تتمثـّلان في العمل على الدُنُوّ من المركز الإلهي؛ إذ بذلك يقترب أحدُنا من الآخر، وبهذه الطريقة يمكننا أن نُقوّم الثقافة والدين لسائر الشعوب، وأن نَعزف بانسجامٍ "سيمفونية" الشكر والسلام.