الرئيسية » حضاريات » العولمة و الدين – جنات مرقس
markus3.jpg

العولمة و الدين – جنات مرقس

يتناول الباحث جنات – سرغي مرقس ، المستشار الثقافي لرئيس مجلس المفتين الروس ، بعض القواسم الإنسانية و السماوية المشتركة التي تجمع المسلمين و المسيحيين و أهل الكتاب عموما ، و ذلك  من خلال عيون الآخر للآخر . حيث يقوم المؤلف  بتأويل مقاربة الفيلسوف الروسي فلاديمير سولوفيوف للبعد الفلسفي لوحدة الوجود في القرآن الكريم و يسعرض بالتحليل و النقد مفهوم أصل العالم عند المفكر المعروف  هانس كيونغ .يرى الباحث بأن الذي يجمع بين المؤمنين من أهل الكتاب أكثر ما يفرق . و المنفتح على أسئلة الحياة و الوجود هو الذي يحرص دائما للتفتيش عن القواسم المشتركة…..

القرآن، «فلسفة وحدة الوجود» فلاديمير سولوفيوف
و  «أصل العالم» هانس كيونغ

ننشر في هذا الإصدار الجزأ الأول من البحث (تنويه من أسرة تحرير السايت).

تجذب العولمة إلى مدارها ليس فقط الاقتصاد والعلم. السياسة والثقافة، وإنما الدين أيضاً. حيث تنقسم كل العقائد الدينية داخل ذاتها إلى معسكرين. أحدهما يرى في العولمة تهديداً فقط (لثوابتها، للنظام المعتاد وللبشرية بشكل عام) أما الآخرون، على العكس يسعون للسيطرة على هذه العملية من الداخل، لكي يعطوها المعنى الذي يريدون وإظهار القوى الكامنة في العمق، والتي لم تكن ظاهرة قبل العولمة. لن نتحدث الآن عن المعسكر الأول عن الخائفين – الأهم أن نتأمل ملياً في أفكار أولئك، الذين لا يخافون، وإنما يعملون مع الظواهر الجديدة. أكثر من ذلك، من يثيرون اهتمامنا هم أولئك الذين لا يحاولون إخضاع الظاهرة الجديدة لإرادتهم فحسب. وإنما من تنبؤوا بظهورها، وحتى – تاقوا إليها.

في الثقافة الأوروبية والروسية، أنه لا شك، الفيلسوف الديني الروسي فلاديمير سولوفيوف مع «فلسفته، وحدة الوجود» والباحث في الأديان، الألماني – السويسري هانس كيونغ بمشروعه «أصل العالم» كلاهما فيلسوفان مسيحيان وفيان للكنيسة. ولكنهما مع ذلك – منشقان روحياً، الأول بالنسبة للأرثوذكسية الأم، والثاني – بالنسبة للكاثوليكية الأصيلة. كلاهما مع ذلك لم يعتبرا «كافرين»، ويظلان في مجال عقيدتهما المسموح به – يقلقان من يشاركهما المعتقد، يدفعانهم أحياناً نحو التغير. إذاً، فتأثير سولوفيوف غير القابل للجدل ليس فقط على الفلسفة الدينية الروسية في القرن العشرين «بيرديايف، بولغاكوف، كارسافين، الأخوة تروبتسكي، فلورينسكي، فرانك وغيرهم)، بل وأبعد – خارج إطار الأرثوذكسية – على تيار دوشاردان. ماسينيون، كيونغ، وعبرهم – على قرار معهد الفاتيكان الثاني. وكيونغ كان شخصياً مشاركاً في ذلك المعهد وواضع نص نظرياته، إلا أنه لم يبق في إطار التطرف الكاثوليكي ويعمل حالياً بصفته «لاهوتياً كاثوليكياً حراً».

تعالوا لنقارن كل ما قيل عن سولوفيوف وكيونغ بوصفهما فيلسوفا البحث الروحي والانفتاح، بالرسالة (الدين) الذي جاء بها النبي محمد، مؤسس الإسلام. لنسأل أنفسنا: كيف تتناسب «فلسفة وحدة الوجود» مع مشروع «أصل العالم» وتساعد في القرن التاسع عشر من جديد في إقامة علاقات متبادلة بين المسيحية والإسلام؟ ماذا تعطينا أبحاث ثلاثة رجال متباينين في الزمن واللغة لفهم الحياة في عصر العولمة؟ (القرن السابع واللغة العربية، القرن التاسع عشر واللغة الروسية، القرنين العشرين والحادي والعشرين واللغة الألمانية).

لنقارن المشاريع العالمية الثلاثة – محمد، سولوفيوف وكيونغ. ولنبدأ من روسيا القريبة منا.

عن رؤية سولوفيوف، وحدة الوجود بصفتها في الوقت نفسه عملية نشوئية (أنطولوجية)، معرفية، لاهوتية، عن تطور وجهات نظره الفلسفية – التاريخية. فيما يتعلق بمصير الأرثوذكسية والكاثوليكية، عن الجمال والأخلاق – قيل الكثير لن نعود لوصف أبحاث سولولفيوف. المهم الآن أن نلاحظ أن فلسفته التاريخية تبدلت على الأقل في ثلاث مراحل: في سبعينيات القرن التاسع عشر (عندما رأى في روسيا وسيطاً بين الغرب والشرق)، في ثمانينيات القرن ذاته (غاية وحدة الوجود على الأرض – السلطة الدينية (التيوقراطية) العالمية تمتلك آليات تجسيد محددة في القيصر الروسي والكهنوت الكاثوليكي)، في تسعينيات القرن ذاته (الملحمية المسيحية التقليدية مع نقد كل آليات تجسيد وحدة الوجود المطلوبة). بالنسبة لموضوعنا كل المراحل الثلاث مهمة. وكل منها قيمة بشكل خاص. إلا أنه لم ير في أي منها مكاناً للإسلام. على الرغم أنه ذاته أول من قدم في الفلسفة الروسية «التقريظ للإسلام». لنبدأ من هذا التناقض.

فلاديمير سولوفيوف – الإسلام في سياق التطور الروحي للعالم

مئة عام ونيف انقضت من تلك اللحظة، عندما في عام 1896 فتح القارئ الروسي جزءاً جديداً، ما زالت رائحة طلاء المطبعة تفوح منه، من أكثر الكتب رواجاً في ذلك الزمن «حياة مشاهير البشر». كانت تلك «مكتبة ف. بافلينكوف لسير الأفذاذ». الناشر من بيتربورغ، الذي اختطف فكرته لاحقاً، في الزمن السوفييتي، مكسيم غوركي، الذي أصدر سلسلته الخاصة (مختصر حياة الأفذاذ). من في روسيا الآن لا يعرف هذه العلامة؟ ومن لا يقتنيها في بيته؟ ولكن طبيعياً ألا يعاد إصدارها في العهد السوفييتي – ومدهشاً ألا يعاد الآن إصدار كتاب الفيلسوف الديني الروسي العظيم فلاديمير سولوفيوف (18591900) عن مؤسس الإسلام عنوانه «محمد، حياته ورسالته الدينية».

يقر الجميع الآن، أن هذه السيرة – أحد أنجع وألمع الكتب، التي أخرجتها «سلسلة بافلينكوف». سولوفيوف لكونه ليس مستغرباً استحق تقديراً رفيعاً من المستشرق المعروف، الأكاديمي ف. بارتولد، الذي اعتبر مؤلف سولوفيوف «أفضل سيرة لمحمد كتبت باللغة الروسية». ثم تقدير المستشرق المعاصر، الأكاديمي، مدير متحف إرميتاج الحكومي م. ب. بيوتروفسكي، الذي وصف هذا الكتاب بـ «اللامع»: أن سولوفيوف «تمكن، كما يخيل لي أن ينفذ أعمق من الكثيرين إلى عالم محمد الداخلي» (نيوتروفسكي م. ب. نصوص قرآنية. موسكو: ناوكا، 1971 صفحة 170).

لقد عرف بافلينكوف ممن يطلب أن يكتب عن نبي الإسلام: كان سولوفيوف معروفاً باهتمامه الشديد بهذا الدين، وأنه قطع شوطاً من التطور في التأمل العميق بذلك الدين. حتى الباحث المعاصر الكسي جورافسكي يكتب «تطور وجهات نظر سولوفيوف في هذه الإشكالية بما يشبه علم وراثة الفلسفة، يصف تطور التصورات المسيحية عن الإسلام» وهو يلاحظ أيضاً، أن «بصفته فيلسوفاً دينياً أقلقه بشكل عميق سؤالان اثنان – هما اللذان طرحهما الفكر المسيحي منذ اللحظة التي اصطدم فيها بظاهرة الإسلام: لماذا ظهرت الديانة الإسلامية (ما المغزى التاريخي منها)؛ ومن محمد «ما مكانته الدينية»؟.

بجعله البداية من مواقع سلافية قبلية، اكتشف سولوفيوف رؤية للإسلام جديدة تماماً بالنسبة لمتبع التقاليد الأرثوذكسية. وطبيعي أنه تجاوز بذلك حدود الأرثوذكسية الكنسية، التي منذ عصر الإمبراطورية الرومانية (المسماة لاحقاً خطأً بالبيزنطية) عرفت الإسلام كـ «هرطقة محمدية». ومنذ ذلك الحين حتى أيامنا هذه لم يتغير هذا التوصيف.

ما الذي شكل وقوداً لحركة فكر سولوفيوف؟ أعتقد أنه لم يستطع أن يبقى دون أن يشارك بتلك المعارف عن الإسلام، التي نماها علم التاريخ الأوروبي أمام عينيه (والتي لم تكن في روسيا حينئذٍ) – كانت النصوص الأساسية للإسلام تترجم إلى اللغات الأوروبية، كما كانت تكتب بانورامات تاريخية واسعة، وتدرس التفاصيل: في المحصلة كان إنسان نهاية القرن التاسع عشر أكثر قدرة، بما لا يقاس على أن يعرف عن الإسلام عما كان منذ مئة عام. مجمل القول، لكي يكتب (محاكاة للقرآن) احتاج بوشكين، قبل كل شيء، للحدس القوي (كان بإمكانه أن يقرأ فقط ترجمة إنكليزية للقرآن من تنفيذ فيريوفكين). أما سولوفيوف فقد تسنى له معالجة معلومات ضخمة جاهزة، جمعها مؤرخون وعلماء لسانيات محترفون.

في المحصلة عالج سولوفيوف أفضل ما توافر من الآداب التي تتحدث عن الإسلام آنئذٍ: مؤلفات كوسين دي بيرسيفال، ا. شبرينغر، ر. سميت، ي. ويلهاوزن، ا. موللر. غ. غريممه. قرأ القرآن ليس باللغة الأصلية، بل بمختلف الترجمات الأوروبية. «عندما كتب لأجل مكتبة بافلينكوف للتراجم والسير سيرة حياة وتعاليم محمد (بالمناسبة نقول، تلك إحدى أفضل الدراسات في الموضوع المذكور). لقد دقق باهتمام كل كلمة بمساعدة دراسة نقدية معتبرة للأكاديمي، البارون  ف. ر. روزينوالآخون (رتبة دينية اجتماعية) المدني المحلي، الشيخ الجليل بايازيتوف، الذي أصبح صديقاً له حتى مماته» – كتب ف. ل. فيليتشكو. كاتب سيرة سولوفيوف.

في إطار كتابة السيرة، بوصفه فيلسوفاً دينياً قدم سولوفيوف «تقريظاً مميزاً مسيحياً للإسلام» مطوراً التوجه المضمر منذ أيام بيتنرتشادايف. رداً على سؤال جوهر رسالة محمد النبوية أجاب: «إذا أقررنا أن في التاريخ مغزى متضمناً وغائية، عندئذٍ لا شك أن قضية عالمية. كظهور الإسلام وتأسيس الثقافة الإسلامية، يجب أن يكون لها معنى قدرته العناية الإلهية، ولا يمكن انتزاع رسالة محمد منها».. وكذلك: «لا شك أن لدى محمد كانت عبقرية دينية خاصة».

المعنى المقدر، أي الذي قضى به الخالق ذاته – ليس فرضية أو تأليف فيلسوف. وإنما هو استنتاج من قراءة الكتاب المقدس. معترف به من اليهود والنصارى على حد سواء. يجري الحديث عن الرسالة الخاصة لأبناء إسماعيل. بتحليله الكتاب المقدس يتوصل سولوفيوف «للإثبات» التاريخي واللاهوتي للإسلام: قضية إنسانية بهذا العظم في التاريخ البشري، كنشوء الإسلام، الذي أصبح عقيدة شعوب كثيرة، وظهور الثقافة الإسلامية، يجب أن يكون لها معنى مقدراً، فإن الله وعد إبراهيم بمباركة إسماعيل، أبي العرب: «وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيراً جِدّاً. اثْنَيْ عَشَرَ رَئِيساً يَلِدُ وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً». (سفر التكوين، 17: 20).

لدى تحليل المنابع التاريخية والروحية للإسلام، أدرك سولوفيوف، أن محمداً أكد وحدة معتقد كل الأنبياء، واعتبر رسالته الخاصة كتجديد لعقيدة إبراهيم البدئية. وموسى وعيسى: «..لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ..» (2 سورة البقرة: الآية 136)، فإن «لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» (6 سورة الأنعام: الآية 67).

إذ تلمس سولوفيوف في أحاديث محمد «العصب المفيد» أحس بصلة القربى بين «فلسفة وحدة الوجود» التي وضعها هو ومثل اللاهوت الكوني وسلم عصا متابعة هذا الفكر لفلاسفة ولاهوتيي القرن العشرين، من المدارس الروحية المختلفة (كما يمكن أن يبدو لأول وهلة). عن ذلك في زمننا يكتب المفكر الإسلامي الشيخ فريد أسدولين بحق «ترويج فكرة الوحدة الضمنية والتوافق البنيوي بين رسالات أنبياء الدين الإبراهيمي الثلاث فائق الأهمية أيضاً. كتب عن ذلك مفكرو العصر الحديث الرواد، كالفيلسوف اليهودي مارتين بوبر (18781965) واللاهوتي الكاثوليكي هانس كيونغ (ولد 1923). والمفكر التتاري الشهير موسى بيغييف (18731949) في نظريته اللاهوتية «عمومية الرحمة الإلهية» عرض مبادئ احترام الإسلام لمعتنقي بقية العقائد الدينية (ht – الدين 21/12/2005)، أكد أسدولين أكثر من مرة القرابة الروحية بين سولوفيوف بـ «فلسفة الوحدة» وبيغييف بـ «عمومية الرحمة الإلهية»، في العقيدة التي فحصها بإبداع موروث العلماء المسلمين من القرون الوسطى أبو يزيد البسطامي، الجنيد البغدادي وذي النون المصري.

أعتقد أن ما قيل «مغزى الإسلام التاريخي – في المهمة المقدرة له، أما عبقرية محمد الدينية – مكانته الدينية) – هو جوهر فهم سولوفيوف لمحمد. ما يتعلق ببعض المسائل الخلافية في التأويل، أو عدم الدقة الذي لا بد منه بالنسبة للقرن التاسع عشر، فلن نتحدث عنها الآن، لأنها تفاصيل. ولا ننسى، أنه تعين على سولوفيوف ذاته أن يتجاوز الأفكار الثابتة المتكرسة قروناً في أوروبا عن «هرطقة محمد» ولذلك أولى عناية خاصة لبعض الموضوعات، لكي يزيل العدائية من محدثين محددين بينهم _القراء الروس في ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين.

فمثلاً، نقض التصور المتكون في الثقافة الروسية والأوروبية عن «التزمت الديني ورفض الآخر» للمسلمين ذوي الصلة بفكرة الجهاد «هدف الحرب المقدسة ليس إجبار الناس على اعتناق الإسلام، وإنما طاعتهم له فحسب. يكتب سولوفيوف بهذه الطريقة، التناقض هنا ظاهري فحسب. وفي عقيدة محمد ينطبق قبول العقائد الأخرى تماماً مع فكرة الحرب المقدسة».

فيما يخص انتقادات العلماء الأوروبيين في كون ثواب الجنة يوصف في القرآن على هيئة ملذات حسية، أشار سولوفيوف أن ذلك طريقة لتمثيل الحياة الأخرى أكثر من كونه مفهوماً عنها. «مبدأ تلك الحياة بالنسبة لمحمد هو التواصل المباشر مع الله – يقول سولوفيوف – مثال المسلم – الشخص الشبيه بمحمد، يمكن أن يقول عن نفسه: وهبت قلبي لله، والذي يجد في التواصل مع الله اللذة الوحيدة الحقة، ويصرح في القرآن أن المؤمنين يفعلون الخير دون غرض، لله وحده».

إن الحجج الواردة، التي أتاحت فهم محمد بشكل أفضل، إلا أنها لم تجعل سولوفيوف نفسه مسلماً. هذا مهم أن نأخذه بالحسبان بالضبط لكي نفهم مقدرة المسيحي على تكوين نظرة جديدة غير عدائية تجاه الإسلام، وليس آلية اعتناق الشخص المفكر للإسلام فحسب (نحن لا نتكلم في هذه المقالة عن ذلك عموماً. لأن هذا موضوع مختلف تماماً) الحوار ممكن فقط عندما يعمل شخصان – أنه مختلف عن التبشير الذي يسعى أن يحول الجميع بشكل شامل «إلى عقيدته» وبالتالي يحرم العالم من تعدد الذوات، ظاهرة انفتاح سولوفيوف مهمة بالذات، لأنها تظهر القدرة على «الفهم المتفهم» لمن يحمل ذاتاً مغايرة، عقيدة مغايرة.

أين يشتعل الضوء الأحمر بالنسبة لسولوفيوف «قف»! في التعمق في شخصية وعقيدة النبي محمد؟ لقد رأى المفكر الروسي «عيب الإسلام» أنه برأيه، لا يتطلب السعي اللامنتهِ إلى الكمال من الإنسان، وإنما يتطلب الإقرار بالعبودية غير المشروطة لله فحسب. عن ذلك، كما في الموسيقا، يرن استنتاجه في نهاية الكتاب: «المحدودية الأساسية في نظرة محمد إلى العالم وفي الدين الذي أسسه – هو غياب مثال الكمال الإنساني أو الاتحاد التام للإنسان مع الله – مثال الألوهية الإنسانية الحقة. يتطلب الإسلام من المؤمن الإقرار بالعبودية غير المشروطة فقط، وليس السعي إلى الكمال اللانهائي».

بكلمات أخرى، بالنسبة لسولوفيوف «الإقرار بالعبودية غير المشروطة» لسبب ما يقف على التضاد مع «مثال الكمال الإنساني». لن نجادله ولكن نثبت أن في هذه النقطة بالذات – كان الفيزيائيون ليسمونها نقطة العلام، حيث تبدأ نوعية مختلفة – تتجلى مسيحية سولوفيوف. فلو أن هذا الإقرار وذلك المثال كانا متكاملين – لكان المفكر مسلماً.

بملاحظة هذه السمة النوعية الفاصلة – الاعتقاد بالألوهية الإنسانية، بالتجسد الإلهي – رأى المسيحيون قبل سولوفيوف في الإسلام «هرطقة» فحسب، لا تحتوي أي شيء إيجابي. أما سولوفيوف فقد رأى فيه جذور الكتاب المقدس المشتركة، والقيم الأخلاقية المشتركة – في العموم لقد اعترف بأهمية معينة وخاصة من نوعها للإسلام في تطور الإنسانية الروحي ورأى الفقه التاريخي، إذ أعتبر أن «حليب القرآن الروحي ما زال ضرورياً للإنسانية». وبالتالي فالحوار بين النظرتين إلى الكون ممكن، وبعد ذلك – نتابع منطق فكر سولوفيوف – يمكن التعاون العملي.

فلاديمير سولوفيوف – حالم أم متنبئ بالمستقبل؟

كما نعلم، أطلق بعض معاصري سولوفيوف من ذوي النفوذ تسمية ليس مجرد «حالم»، بل أطلقوا تعابير أقوى: الإمبراطور الروسي الكسندر الثالث اعتبره «مريضاً نفسيا محضاً»، مندهشاً، من أين لأبيه «البالغ اللطف»، المؤرخ ذائع الصيت سيرغي ميخايلوفيتشسولوفيوف مثل هذا الابن؟ الذي دعاه المراقب الأعلى في الجمع المقدس ك. ب. بوبيدونوسوف بتسمية ألطف بقليل – «مجنوناً»…

كان سولوفيوف في معظم الأحيان يفكر ويكتب ويعمل دون أن يتلفت حوله إلى الأفكار النمطية الثابتة، وإنما بحثاً عن الحقيقة. بتأملاته عن حتمية الوحدة الإنسانية الشاملة، عن الحكم الديني الأرضي، عالج مشكلات كثيرة.

برنامج الحد الأدنى للتعاون العملي بين الشعوب والأديان والدول – إنه استنباط منجز من «صيغ اللاحرب»، ولو بالصيغة المعاشية المعروفة «سلام رديء خير من حرب طيبة» لكن برنامج الحد الأقصى يجب أن يحدد الأفق التاريخي بأقصى امتداد، بالنسبة لاتباع ملة إبراهيم يجب أن يكون ذلك حتى – أفق نهاية العالم الحتمية. كان سولوفيوف حساساً تجاه الاعتقاد بنهاية حتمية للعالم.

لكنه قام لأول مرة بمحاولة معرفة مكان الإسلام في التطور التاريخي الشامل، أثناء وجوده داخل المعسكر السلافي القبلي. في مقالة مبكرة «القوى الثلاث» (1877). حينذاك قام بتفصيل الثالوث الجدلي المعروف في تطبيقه على تاريخ الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، إذ اعتبر أن في أساس الأول توجد بدايات التعدد، وفي أساس الثاني – الوحدة.

ولكن باعتبار أنه لا بد لتلك الأطروحات المتطرفة، القضايا المتضادة، من تركيب فيجب أن تكون بالضرورة الأطروحة الثالثة – القوة الموحدة، التي يمكن أن تعطي معنى إيجابياً للبدايتين كليهما.. إنها تخلصهما من أحادية الجانب، توفق «وحدة البداية العليا مع التعدد الحر للأشكال والعناصر الخاصة». وقد كان سولوفيوف راسخ الاقتناع. بأن دور تلك القوة الثالثة يعود لروسيا الأرثوذكسية.

أحدثت هذه القناعة تأثيراً ضخماً في كامل فريق فلاسفة الدين في روسيا ما قبل الثورة، الذين نجا جزء منهم بنفسه من البلاشفة بالهجرة. أكثر من ذلك، على الرغم من الملاحقة الإلحادية على مدى 70 سنة من السلطة السوفييتية، فقد اكتسبت تعاليم سولوفيوف أتباعاً في أجيال جديدة تماماً، ترعرعت في ظروف مغايرة (دانييل أندريف بـ «وردة سلامه» الخيالية الحالمة، الكاهن اللاهوتي الأرثوذكسي الكسندر مين وتلاميذه، ميتروبوليت (أسقف) لينينغرادونوفغورود، نيكوديم (روتوف) وتلاميذه).

لنلاحظ أن أفكار سولوفيوف لم تقبل بها الكنيسة الأرثوذكسية الرسمية قبل عام 1917 كما لم تقبل بها بعده – عندما «أنشئت» بأمر من ستالين عام 1943 الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لبطريركية موسكو. كانت الكنيستان السرية والكارلوفاكية (نسبة إلى مدينة كرواتيّة) مجمعتين على الرفض التام لأفكار سولوفيوف بوصفها تحديثية «هرطوقية» و «مؤيدة للكاثوليكية». ظاهرتا روتوف ومين – فريدتان وظهرتا بمثابة فكر حر داخل الكنيسة الأرثوذكسية. التي لم يدخلا في جدل مفتوح معها. على كل حال الحياة اللاهوتية تنبض حية، والجدال في الزمن السوفييتي كان مستحيلاً ببساطة.

بعد البيريسترويكا، منذ بداية الإصلاحات الديمقراطية وإعلان حرية الضمير، تشكلت وجهة النظر بخصوص لاهوتية الكنيسة الروسية من منطلق المحافظة عليها وحمايتها فحسب. أتباع سولوفيوف الباقون في كنفها، يقدرون يدرسون ويطورون قضيته بشكل شخصي بحت. يمكن التأكيد، أن أفكاره أثناء المئة عام الماضية لم تلق في الكنيسة الأرثوذكسية استجابة ولا تجسيداً، كما أنها لم تتلق دحضاً مباشراً بصيغة قرارات لجان لاهوتية أو المعبد المحلي. «فلسفة وحدة الوجود» كما كانت سابقاً تشكل مجالاً لفلسفة المفكرين الأحرار خارج المؤسسات الكنسية – حسب مكانتها الاجتماعية هي فكرة مسيحية خارج المؤسسات الكنسية في الأرثوذكسية.

يكمن التناقض في أن مصير فكرة سولوفيوف مختلف تماماً في الكاثوليكية. تعالوا نستعرض باقتضاب كيف أثرت في اللاهوت الكاثوليكي – في البداية على مؤلفيها المنفردين، ومن ثم حتى على النظريات المهمة تاريخياً في المؤسسة الرئيسة للكنيسة الكاثوليكية – على وثائق تعليم المعتقد لمجمع الفاتيكان الثاني بين عامي 19611965. ورسائل باباوات روما اللاحقة.

الإسلاميات في الفاتيكان على نهج المجمع الفاتيكاني الثاني، والملهم لوي ماسينيون

لم يجد الكاثوليكيون صيغة جديدة بخصوص الإسلام بسرعة، وقد جرى بحثها لأكثر من عقد من الزمن. وقد كرست لهذا الموضوع مؤلفات علامة الحوار الكاثوليكي – الإسلامي الرائد في روسيا، اليكسي جورافسكي، ولاسيما مؤلفه «لوي ماسينيون والدراسة الكاثوليكية المعاصرة للإسلام».

إنه يكتب: «في بداية القرن العشرين في دراسة الإسلام الكاثوليكية تتراءى تغيرات ملموسة، متصلة بالتراجع عن تأويل الإسلام التقليدي من مواقع الحصرية الكنسية والأبوية المعنوية – الدينية. قام بالخطوة الحاسمة بهذا الاتجاه المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون (18831962).. حسب رأي الباحثين أن ما أبدع ومؤلفه العملي. وموقعه الروحي ونشاط هذا العالم السياسي كل ذلك هيأ لتغير جذري في توجه الكاثوليكية بعلاقاتها بالإسلام… بخلاف موقع معظم دارسي الإسلام الغربيين الوصائي. نظرة ماسينيون إلى الإسلام استندت إلى فكرة «التواصل» الديني بين المسيحيين والمسلمين. في هذا التواصل بالذات تنفتح أمام ممثلي الديانتين آفاق الفهم المتبادل. مختصر القول، بحث ماسينيون عن توفيق مصالح الغربيين والمسلمين في مجال الاتصالات الدينية».

لنلاحظ أن ماسينيون لم يكن ملزماً حسب مكانته أن يمثل نظرية الكاثوليكية الرسمية، يمكن تحديد موقعه، بمثابة موقع كاثوليكي غيور ذي فكر حر. له وجهة نظره الخاصة بمسائل كثيرة، إلا أن جزءاً من أحكامه، التي صعقت معاصريه انسكبت مع الزمن في منظومة الإرشاد الكنسية بالذات. ولكن جزءاً من أفكاره حتى اليوم يبقى في مكانة (التفكير الحر) غير المتعصب، ولكن المسموح به في العلم الديني.

ها كم كيف أجمل جورافسكي «قناعاته» بالعمل المسيحي الإسلامي المشترك: «كان لوي ماسينيون على قناعة بأن مستقبل المسلمين يرتبط بوفائهم «لملة إبراهيم». بمقدرتهم على إعادة هيكلة عالمهم الروحي الحق وثقافتهم الأصيلة. الأوروبيون الذين يتحملون المسؤولية عن تخريب هذا العالم وهذه الثقافة، يجب أن يصبحوا على تماس بالإسلام وأن يسهموا في نهضته.

إننا نتوجه بعلاقاتنا مع شعوب الشرق إلى علم التشارك بالألم هذا، إلى ذلك «الإسهام» في بناء حتى لغتهم، حتى بناهم الفكرية. يجب علينا أن نساهم في هذا البناء لأنه يؤكد تلك القيم التي تعود في الوقت نفسه لنا أيضاً، وتلك التي فقدناها ويجب علينا أن نستردها من جديد لأنفسنا. وأخيراً لأن كل ما هو موجود في جوهره العميق نعمة بشكل من الأشكال، وهذه الشعوب المستعمرة موجودة ليس فقط من أجل منفعتنا، بل موجودة بذاتها أيضاً» يعني، يتابع جورافسكي. «الإسلام بالنسبة لماسينيون أكثر من إحدى الهرطقات المسيحية: إنه يشكل وحدة مستقلة، حظيت بالمباركة الإلهية، وتنحدر منابعها من «دعاء إبراهيم الثاني في بئر سبع لبكره إسماعيل وشعبه – العرب» (انظر: التكوين 17: 1217، 21: 921؛ القرآن 57: 2527). حسب التقاليد القرآنية والإنجيلية، انحدر العرب من نسل إسماعيل – بن إبراهيم وهاجر جارية سارة. كما يكتب ماسينيون و «تاريخ العرق العربي يبدأ من دموع هاجر – الدموع الأولى في الكتب المقدسة».

أكثر من ذلك، «وفق رأي ماسينيون. أصبح الإسلام ما يشبه أن يكون ضمير اليهودية والمسيحية. ظهوره في العالم – «تحذير إلهي» يذكر اليهود بأن المسيح الذي لم يعترفوا به قد ولد، ويذكر المسيحيين بواجبهم في «تنوير الخلق كله، الذي يتعين عليهم القيام به بصفتهم مختارين».. انطلاقاً من هذه القناعات، اعتبر ماسينيون ممكناً وواجباً بالنسبة للمسيحيين الاعتراف «بالمرجعية الشرطية» للقرآن، والاعتراف الجزئي لمحمد بمكانة النبي».

ما الذي دفع ماسينيون الكاثوليكي إلى مثل هذه النظرة الراديكالية الجديدة بالنسبة للكاثوليكية والمسيحية عموماً إلى الإسلام؟ مختصر القول، الشعور الشخصي العميق بصوفية الحلاج، الذي كرس له إحدى أفضل الدراسات في العالم، والذي اعتبر أن مذهبه «إكمالًٌ» ضروريٌ لعقيدة النبي محمد في الإيمان بالله الواحد الأحد.

في المحصلة، يكتب جورافسكي «الحلاج برأي ماسينيون على قاعدة معتقد الإسلام ذاته اقترب أكثر من الجميع من وحدة مطلق الوجود ومطلق الحلول. عبر عن هذه الفكرة في قوله الشهير «أنا الحق». وهكذا، نقطتان أساسيتان نسبة الإسلام إلى ملة إبراهيم وتعويض الحلاج عن الإشكالية التيولوجية (الدينية – الفكرية) يجددان فهم ماسينيون لدين المسلمين.

إلا أن المدهش حقاً، أن أبحاث المستشرق لم تبق «اكتشافه الشخصي» فحسب، بل كان وما يزال لها تأثيرات بعيدة. في النظرية والتطبيق معاً. «موقف العالم الفرنسي العملي بشأن مستقبل الحوار الإسلامي – المسيحي يتلخص فيما يلي: التفاهم ممكن بين المسيحيين والمسلمين في اشتراكهم بعبادة الله الواحد لذلك يمكن ويجب على الكنيسة أن تعترف بالإسلام بصفته ديناً توحيدياً مستقلاً. بهذا الشأن تقدم ماسينيون مرات عديدة بمبادرات لكي تعيد الكنيسة الكاثوليكية في روما النظر في موقفها حيال الإسلام. بعض باحثي أعمال ماسينيون العلمية يعتبرون أن مراسلاته الواسعة مع رجال الاكليروس الكاثوليكي، ولاسيما صداقته الشخصية مع ج. مونتين (الذي أصبح البابا بولص السادس) بدرجة معينة هيأت الأرضية لمناقشة مشكلات العلاقات المتبادلة بين الكنيسة والمسلمين في مجمع الفاتيكان الثاني (جورافسكي).

في عام 1962 ذهب ماسينيون إلى العالم الآخر – وكانت جلسات مجمع الفاتيكان الثاني قد بدأت بالانعقاد. وقد ترك للكنيسة كأنصار مباشرين «الآباء ي. مبارك. ش ليدي، ج. بازيتي – ساني، م. هاييكا). وكمتعالمين مقربين منه ممن يحددون (الاتجاه العام للعلم) الديني (ل. غاردي، الكاردينال جورني، الآباء ج. م. عبد الجليل، ر كاسبار، ج. جوميه. ج. أنافاني ج. جيلو وآخرين).

المجمع الفاتيكاني الثاني – نظرة جديدة إلى الإسلام

المجمع العالمي الذي يشغل المركز الثاني، والذي دخل التاريخ تحت اسم مجمع الفاتيكان الثاني (تأسس المجمع الأول في الفاتيكان عام 1870). وقد كان الحدث الأضخم في القرن العشرين ليس فقط بالنسبة للكاثوليك، بل للعالم كله لأن فيه صيغت «ومن ثم أصبحت سارية المفعول» المبادئ الأساسية لنظرة المؤمنين إلى مسائل الحداثة الكثيرة – من تاريخ الدين حتى ابتكارات التكنولوجيا والمستجدات في السياسية. على مدى ثلاث سنوات عمل نحو ألفين وخمسمئة من كبار زعماء الكنيسة – كاردينالات، قساوسة، رؤساء مختلف دوائر الإدارة البابوية، جمعيات الرهبان، المنظمات العلمانية الكاثوليكية وعلماء – كاثوليك ونشطاء مرموقون من 140 بلداً. يمكن أن تسمح لنفسها بتنظيم مثل هذا فقط مثل هذه المنظمة الجبارة المتسقة، كالكنيسة الكاثوليكية «كافوليكون» باليونانية تعني بالضبط «العالمية، الشاملة».

في تشريعين وعظيين واثنين كهنوتيين، وتسعة قرارات وثلاثة بيانات صاغ المجمع المقاربات الكنسية الجديدة لكل نواحي حياتها الروحية والعلمانية. لا تمكن الإحاطة الآن بكل نواحي العمل المنجز – وبالنسبة للموضوع الذي اخترناه الوثائق المهمة هي فقط التي يبدو فيها تأثير «فلسفة الوجود» وتنعكس فيها النظرة الجديدة إلى الإسلام. بين مستجدات الفاتيكان الثاني الكثيرة كان بالذات: استمرار مباشر لأفكار سولوفيوف الكونية، وقبل كل شيء مساعيه لتوحيد المسيحية التي انقسمت في عام 1054 إلى غربية وشرقية، كاثوليكية وأرثوذكسية. ولكن تبين أن أعمال سولوفيوف تتضمن ليس فقط هذا – الإرهاص الداخلي الأول للحوار والعالمية، بل والإرهاص الثاني كذلك – الهادف إلى تفهم التجربة الدينية خارج المسيحية. أطلق الكاثوليك على هذه الحركة اسم «من الحوار الداخلي إلى الحوار الخارجي». ووسط الأديان الأخرى وتوصلا منطقياً إلى الحوار مع الإسلام.

أحد مستشاري المجمع، اللاهوتي الألماني – السويسري هانس كيونغ، أثناء عمله على هذه المشكلات، اقترح نظرية دينية جديدة، سماها «الدين العالمي الحرج». في كتابه «عظماء المفكرين المسيحيين». وعرفها بالشكل التالي «الدين غير الكنسي، وإنما العالمي: دين يرى في أي منظومة لاهوتية شريكاً وليس خصماً ويسعى إلى التفاهم وليس إلى التقاسم. وفي اتجاهين – في الإطار البيني الكنسي داخل الجماعة المسيحية، وخارج نطاق الكنيسة، خارج العالم المسيحي في مختلف مناطقه، بطوائفه المتعددة، وإيديولوجياته وعلومه. عالمية من هذا النوع تستجيب لمتطلبات جوانب تحليل الثوابت العابرة للثقافات أو الشمولية في الدين وفي مواد الدراسة الأخرى».

سوف نتحدث عن كيونغ ذاته، وعلاقته بسولوفيوف، بالإسلام والفاتيكان في الفصول الأخيرة من هذه المقالة. المهم الآن أن نميز شعاع التطور من سولوفيوف إلى كيونغ. ولكن باعتبار أن هذا وذاك لم يصبحا ممثلين رسميين لنظرية الكنيسة الرسمية. لنركز الانتباه على الآثار التي بقيت من «فلسفة وحدة الوجود» ومن «الدين العالمي الحرج» في الوثائق التي اعتبر الفاتيكان أنها وعظية. فإن فكر العباقرة الأفذاذ ليس نادراً ما يسبق الزمن، ويدخل في فراغ مع المألوف، ويبدأ التأثير بشدة في الواقع، باكتسابه دور النظرية التوجيهية.

وهكذا، في مجمع الفاتيكان الثاني صاغت الكاثوليكية – لأول مرة في تاريخ المسيحية – علاقاتها بالدينين الإبراهيميين اليهودية والإسلام على نظريات حوارية في الجوهر وليس إدانة سلبية. نؤكد: فقط في القرن العشرين من بين كل المسيحيين. انتقل الكاثوليك فقط بوجهات نظرهم حيال الإسلام، من «لغة العداوة» من القرون الوسطى إلى «لغة الحوار» لم تفعل ذلك أي من الكنائس المسيحية أو الجماعات!

الوثيقة الرئيسة التي ثبتت هذا التغيير، هو الإعلان عن العلاقات بالأديان غير المسيحية «nostra aetate» (na) يعرض في فصله الثالث نظرة الكاثوليكية الجديدة إلى الإسلام – هكذا وضعت بداية الحوار بين الدينين العالميين – لأول مرة منذ 1400 سنة بعد ظهور الإسلام. أدان الفاتيكان ممارسات «الحملات الصليبية». أعطى توصيفاً إيجابياً للعقيدة الإسلامية ودعا إلى البحث عن الأسس المشتركة في موروث إبراهيم، ودعا كذلك إلى المشاريع الاجتماعية المشتركة.

اليكسي جورافسكي لا يبالغ، عندما يكتب أن «لأول مرة أثناء 14 قرناً من وجود الدينين تصرح الكنيسة رسمياً بشكل إيجابي عن المسلمين. إذا اعترفت بمكانتهم الدينية الخاصة. شبهت الصحف الكاثوليكية تغيير موقف الكنيسة حيال الإسلام «بانعطاف كوبرنيكوس». لن تبدو هذه المقارنة مبالغاً فيها إذا أخذنا بالحسبان أنه حتى في خمسينيات القرن العشرين قومت رسالة البابا الوعظين الثانية عشرة إلى العالم و «fideidonum» (1957) انتشار الإسلام في أفريقيا بمثابة «تهديد للكنيسة» والكتاب ذو المجلدات الأربعة "تاريخ البعثات التبشيرية الكاثوليكية" قوم نشاطه المتزايد بمثابة كارثة. تقارن بالشيوعية».

إذاً، نص نظرية المجمع الجديد هو: «الكنيسة تنظر بعين الاحترام إلى المسلمين أيضاً، الذين يعبدون الله الواحد الحي والموجود، الرحيم والقدير على كل شيء، خالق السماوات والأرض، الذي قال للناس: إنهم بكل وجودهم يسعون لتنفيذ مشيئة الله الخفية، كما خضع لله إبراهيم، الذي تنسب العقيدة الإسلامية نفسها إليه راغبة. فهم وإن لم يقروا بأن المسيح إله، يجلونه كنبي، وهم يجلون أمه مريم العذراء، أحياناً يدعونها ضارعين، فوق ذلك هم يؤمنون بيوم الحساب، حيث يجزي الله كل الناس الذين بعثوا بما عملوا. لذلك هم يقدرون عالياً الحياة الأخلاقية ويمجدون الله، ولاسيما بالصلاة والزكاة والصيام.

على الرغم من حصول الخلافات والعداوة على مدى القرون غير مرة بين المسيحيين والمسلمين، فإن المجمع المقدس يدعو الجميع لنسيان الماضي وللسعي الصادق للتفاهم. ولتحقيق وحماية العدالة الاجتماعية، والقيم المعنوية، والسلام والحرية لخير البشرية جمعاء.

يشير المؤرخون المعاصرون واللاهوتيون إلى الصيغ الكثيرة، التي ما زالت حتى اليوم تخضع للمناقشة، في هذا الإعلان – فالفكر الكاثوليكي لم يتجمد في عام 1965 مع نهاية المجمع. وقد كان جورافسكي محقاً بكلامه عن الانعطاف النوعي للحوار المسيحي – الإسلامي. «حسب نظرية الحوار الكاثوليكية، التي نميز فيه صيغتين أساسيتين – النظرية والعملية (التعاون في المجال الاجتماعي). يحوي الفصل الثالث معنيين:

1– التوصيف الإيجابي للنظرية الدينية الإسلامية

2– الإرشاد والتوجيه للعمل الاجتماعي المشترك.

نميز في المعنى الأول أنه يربط الدينين بدرجة أو بأخرى. بذلك يضع المجمع الخطوط الأساسية لمجال الحوار الديني (التوحيد، الملة الإبراهيمية، المسيح، مريم العذراء، يوم القيامة، التعاليم الأخلاقية، العبادات). يبدو نص الإعلان لأول وهلة، فائق العمومية وشحيحاً، إلا أنه يمس أهم جوانب العلاقات المسيحية – الإسلامية على المستوى النظري. ويشهد على ذلك التجاوب الذي أثاره الإعلان في العالم الإسلامي. الإيمان بالله الواحد، التوحيد – ركن الإسلام، الشهادة الإعلامية الأولى (لا إله إلا الله) برأي اللاهوتيين، يجب أن تصبح مركز الحوار الإسلامي – المسيحي الأساسي. يدل بشكل أكثر تحديداً على هذه القاعدة المشتركة دستور لومين جينتيوم «يعبدون الله معنا»، إذ تتجاوب مع الآية القرآنية «..وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (29 سورة العنكبوت: الآية 46).

عند التدقيق في «أسماء الله الحسنى»، التي يستجيب كل منها للتصورات المسيحية للإله، وفي الوقت ذاته لها ما يكافئها في القرآن، حتى تصحيح الكتابة اللاتينية التقليدية «musulmanus» إلى «muslimus» (muslini)، الأقرب إلى الشكل العربي «مسلم» (الجمع «مسلمون») يأخذ بالحسبان قبل كل شيء الأثر السيكولوجي العميق في الوسط الإسلامي.

وقد كان الأثر هائلاً في طرفي الحوار. حتى في مدة وجود المجمع في كانون الثاني 1964 ألقى بابا روما بولص السادس خطباً في عمان والقدس، وتوجه بتحية «أخوية إلى المسلمين»، و «برسالة مودة» بتاريخ 6 كانون الأول عام 1964أكد احترام الكنيسة الخاص لمن «يعتنق دين التوحيد ويعبد معنا الله الواحد الحق». في أيار من العام ذاته أعلن بولص السادس عن إنشاء أمانة للقضايا التي خارج الكنيسة، أصبحت مهمتها الأساسية إقامة «حوار ودي مع أولئك الذين يؤمنون بالله ويعبدونه». أخيراً، في آب نشر بولص السادس رسالة موجهة إلى جميع المؤمنين، أشار فيها بالتحديد إلى ضرورة التقارب والحوار مع المسلمين.

على أثر نهاية المجمع في عام 1965 تلا أول اللقاءات اللاهوتية الإسلامية الكاثوليكية، التي انصبت في عمل لجان دائمة من الجانبين، الحد التاريخي الفاصل الثاني أصبحت إشارة شخصية (بعد بولص السادس) واحدة من «الكاثوليكي الأول»: في عام 2001 زار بابا روما يوحنا بولص الثاني لأول مرة مسجداً – كان ذلك هو المسجد الأموي الشهير في دمشق. ثم التقى بالجماهير المسلمة على ملعب دمشق حيث أدى الكاثوليك والمسلمون كل على حدة صلاة من أجل السلام في الشرق الأوسط. أثناء السنوات الأربعين التي مضت على الحوار الإسلامي – الكاثوليكي أصبح هذا الحوار ظاهرة مؤثرة في كثير من دول العالم توجد اليوم في العالم أكثر من عشرة مراكز علمية – لاهوتية وبرامج كنيسية مشتركة، تعالج مختلف جوانب العمل المشترك الإسلامي – الكاثوليكي. تتطور بنجاح الاتصالات بين الأكاديمية الإسلامية (السلفية): الأزهر في القاهرة، والمراكز الدينية الإيرانية (الشيعية) والفاتيكان. آخر المستجدات في هذا المجال أعلن في القاهرة في آذار عام 2008 عن إنشاء المنتدى الكاثوليكي الإسلامي» الدائم، الذي سوف يجتمع لأول مرة في روما في 2008/6/4.

حتى في روسيا أصبح الحوار بين المسلمين والكاثوليك ظاهرة ملحوظة أثناء 1015 سنة الأخيرة، في 2005/11/24 عقد أول مؤتمر مشترك كرس للذكرى الأربعين لإعلان «العلاقات مع غير المسيحيين. كان على أعلى المستويات: تقدم كل من رئيس كاثوليك روسيا الميترو بوليتتادبوشكوندوسيفيتش، ورئيس مجلس الإفتاء في روسيا رافيل عين الدين بتحية وتقدير لما مضى. في النتيجة أصدر كتاب «الإسلام والمسيحية: على طريق الحوار» وفي الصحيفة الكاثوليكية «سفيت ايفانجيليا» (أنوار الإنجيل) نشر ملحق «باسم الله الواحد»!

ولكن لا يجوز أن ننسى أن مجمع الفاتيكان الثاني أنتج دفعة واحدة عدة اتجاهات للعمل المشترك بين الأديان، ليس فقط مع المسلمين. وبالحديث عن الحوار الإسلامي – الكاثوليكي. لا بد من الأخذ بالحسبان في سياق الحوارات الكنسية المشتركة مع بقية الأديان. ويبدو أن حوار الكاثوليك مع اليهودية حتى الآن هو أكثرها فعالية وأقواها نتيجة.

في نهاية استعراض نتائج نظرة الكاثوليكية الجديدة إلى الإسلام، من الضروري ملاحظة: أن ما يخص الإسلام العالمي. ليس فيه كما هو معلوم مؤسسة موحدة تجمع، كما في الكاثوليكية المعلومات، وتصدر تعليمات العمل لمئات اللاهوتيين وآلاف الكهنة ومئات ألوف التابعين، وإنما توجد مراكز منفصلة، حيث يصدر علماء ذوي مرجعية فتاوى بهذه المسائل أو تلك في المجتمع المعاصر. أكثر الوثائق إجماعاً من حيث مراكز التأثير التي تشملها، هي الوثيقة التي أصدرتها الأمة العالمية اليوم – الرد على مشكلات المذهبية، التي صدرت في «إعلان عمان» (عام 2005، عمان، الأردن). إلا أن مثل هذا الرد الذي وقع عليه معظم المراكز الفكرية الإسلامية، حول قضايا العلاقة بالمسيحية عموماً وبكل من تياراتها المعاصرة على وجه الخصوص، لا يوجد حتى الآن. بكلمات أخرى لا يوجد مثيل للفصل الثالث من إعلان «العلاقة مع غير المسيحيين» من طرف المسلمين.

من المرجح أن وثيقة كهذه ستكون مهمة عملياً، ولاسيما في ظروف العولمة وضرورة إجراء الحوار. قد يوجد من يعترض: حيث إن القرآن ينص بوضوح بشأن «أهل الكتاب».. إلا أن النزاعات التي تظهر باستمرار وحتى الحروب بين المسلمين والمسيحيين وكأنها تأكيد لسيناريو هانتيغتون ونظريته عن «حتمية صدام الحضارات» كل ذلك يدل على أن رسائل ووصايا القرآن تحتاج إلى شروحات تفصيلية، كما يقول المعماريون «لربط المخطط بالأرض».

لنترك السؤال مفتوحاً للمسلمين ذوي الفكر والضمير – ولننتقل إلى شخصية وأفكار «من أزعج السكينة الكاثوليكية». اللاهوتي الذي ساعد في صياغة نظرية الفاتيكان الثاني العالمية الجديدة، ولكن لم يرض عن تجسيدها في الواقع – لنستشرف الآفاق، التي يفتحها أمام البشرية هانس كيونغ.

كلمات مفتاحية: جنات – مرقس، باحث، أديان، أعلام فكر، قواسم مشتركة ، محبة، تسامح، سلام.