الرئيسية » حضاريات » الأصول الفلسفيّة للتعدّديّة الدينيّة مشير باسيل عون* / الجزء الثالث
mrkzyw_lhy_wlwhb_lmjwnyw_llwjwd.jpg

الأصول الفلسفيّة للتعدّديّة الدينيّة مشير باسيل عون* / الجزء الثالث

 

3. مركزيّة الحياة والوهب المجّانيّ للوجود

 

            ومن الأصول التي تقوم عليها التعدّديّة الكونيّة أنّ الحياة المتدفّقة من ذاتها هي ينبوع الوجود ومصدره الأوحد. والحياة قوّةٌ كامنةٌ في الأشياء والموجودات والأكوان لا تني تتفوّر وتتدفّق في انسياب غزير لا حدّ له[19]. ومن خصائص الحياة أنّ أصل انبعاثها كامنٌ في صلب كينونتها[20]. فالحياة لا تُعوزها قدرةٌ متعاليةٌ عليها أو خارجة عنها لتبعث فيها الحركة والنموّ والتطوّر. سرّ الحياة أنّ أصلها في ذاتها[21]. ولذلك امتنع فيها الحديث عن خلق يصيبها من عل. فهي في ذاتها حاملةٌ لأسباب نشأتها وانسيابها. وفيها وحدها تصحّ مقولةُ الديمومة المطّردة في الأزل وفي الأبد. ومعنى ذلك أنْ ما من شيء آخر يعلو الحياة أو يجانبها أو يزاحمها. فهي تختزن كلَّ ما اعتمل ويعتمل وسيعتمل من انبساط في الوجود وانسلال في الكينونة وانتشار في الأكوان[22].

            فالحياة إذًا قديمةٌ. غير أنّ قِدَم الحياة لا ينفي رحابتها اللامتناهية. فهي الكلّ في الكلّ. ومهما تناءت بها الأسماء والصفات في الأنظومات الفكريّة والدينيّة التي تفترضها أصلاً للوجود، فإنّ الثابت أنّها تنطوي على جميع الطاقات والقدرات والإمكانات والقابليّات. وقد يكون من أعسر المهامّ الفكريّة أن يُمسك العقلُ الإنسانيّ عن النظر في ما يتقدّم على الحياة وفي ما يعقبها[23]. فالمقولتان اللتان يحمّلهما العقلُ معاني الماقبل والمابعد تستغرقهما ديمومةُ الحياة في جميع أطوارها حتّى إنّهما يفقدان جدارتهما المعرفيّة. ومع أنّ المستوعب الزمنيّ للحياة قد تُعيّن له حدودَه العلومُ الفيزيائيّة المعاصرة، غير أنّ نصب مثل هذه الحدود لا يعني على الإطلاق أنّ ثمّة ما هو خارج هذه الحدود.

            ومن ثمّ، يجوز القول بأنّ الحياة، في رحابة مداها، هي التعبير المشترك الذي قد يتواضع عليه أصحابُ الأنظومات الفكريّة والدينيّة حين يعتمدون مقولة الله كأصل للوجود وغاية له. فالله هو الحياة وقد انبعثت في الوجود. والله هو الكلّ في الكلّ حين يعبّر الكلّ عن فيض الحياة في الكائنات[24]. ولمّا كانت الأنظومات الدينيّة تُصرّ على اعتماد مقولة الله، كان لزامًا عليها أن تراعي بضعة من الاعتبارات التي لا يستقيم النظرُ في الوجود إلاّ بها. ومن هذه الاعتبارات تصوّرُ الله منغلاًّ في تضاعيف الحياة، حاملاً لطاقات النموّ فيها، ضامنًا لديمومة الانتشار لها. ومعنى ذلك أنّ الله ينزل من الحياة منزلة العمق السحيق المنحجب. فالله هو الحياة وقد انبعثت وانبسطت وسرَت في الكائنات. والحياة هي الله وقد تجلّى وتحقّق وتجسّد في الكائنات. وبما أنّ الحياة لا يهيمن عليها أيُّ ضرب من ضروب الانبساط لها في الكائنات، فإنّها لا تني تسمو على كلّ ما يتحقّق منها في الكائنات. وبحسب هذا المعنى، يمكن تصوّر الله في هيئة تسامي الحياة على ضروب تحقّقها في الكائنات[25]. فالحياة هي الله حين تتسامى على كلّ ما ينبثق منها من تجلّيات. بيد أنّ هذا التسامي لا يعني على الإطلاق القطيعة الحادّة بين الحياة في قدرتها الوثّابة على الانبعاث والحياة في تحقّق تجلّياتها في الكائنات.

            ومن هذه الاعتبارات أيضًا أنّ الحياة هي فعلُ وهب جبّار يمنح الكائنات كلَّها القدرة على الانبساط والتحرّك. والوهب هذا وهبٌ مجّانيٌّ لا تسوّغه سوى علّة انفطار الحياة على الجود. فالحياة من صلبها جوّادةٌ. جودُها العظيم إنّما تنال منه الكائناتُ نصيبَها بحسب أصنافها وقرائن وجودها. ولذلك تتنوّع تجلّيات الحياة في الكائنات وتتغيّر نسَبُها بحسب مراتب الكائنات وطبائعها ورغائبها. فالتوق إلى الحياة والرغبة في استدامتها والسعي إلى صونها أمرٌ لصيق بالوجود[26]. فلا عجب، من ثمّ، في أن تقوم الحياة مقام الأساس من كلّ شيء، إذ فيها تتكثّف كلُّ معاني الوجود حتّى إنّها تغدو المستودع الأثمن للمثل الرفيعة والقيَم السامية.

            ويتّضح من هذا كلّه أنّ الحياة هي الوجه الآخر لله يبصر الإنسانُ في امتداداتها أعماقَ الكون السحيقة وأبعادَه اللامتناهية. ولذلك كانت الحضارات الإنسانيّة، على اختلاف اختباراتها الدينيّة، تروم أن تبلغ إلى ملء الحياة واكتمالها. فإذا بها تجتهد في صون الحياة وإعتاقها من سلاسل الإكراه وتعزيز طاقاتها على التفوّر الحرّ الخلاّق. ولا بدّ، في هذا السياق، من القول بأنّ جميع المثُل والقيَم إنّما تُقاس بمقياس هذا الجهاد الأكبر في سبيل الحياة. وقد يلتبس على بعض الأنظومات الدينيّة التعبيرُ عن أعظميّة الحياة، فتؤثِر عليها ما تظنُّ فيه رفعةً تفوق رفعة الحياة. والحقيقة أنْ ما من شيء أسمى من الحياة. وقد يكون السعي الدينيّ إلى ما فيه ادّعاء التفوّق على الحياة تعبيرًا ناقصًا ملتويًا عن الرغبة العميقة في الفوز بأعظم قسط من هبة الحياة عينها. وعليه، كان الاختلاف بين الأنظومات الدينيّة اختلافًا في التعبير الأنسب عن مطلقيّة الحياة. والواضح أنّ الأديان تتحدّث عن الله وفي عمق مقاصدها اختبارٌ للحياة في أبهى تجلّياتها. أمّا الفصل بين الحياة وكيفيّات تحقّقها في التاريخ، فليس فيه أيّةُ ضرورة منطقيّة. ذلك أنّ الحياة، وقد عاينت فيها الأديان الله، لا يمكنها أن تتقدّم على الحياة، وقد اختبرها الناس طاقةً من الوهب الذاتيّ لا حدّ لها. ومن ثمّ، فإنّ الأنظومات العَلمانيّة التي لا تفصل بين هذين الوجهين من الحياة إنّما تتجنّب هذا الإحراج المنطقيّ الذي يحلو للأديان أن تضطلع به في استثارة مربكة للعقل الإنسانيّ وتجاوز جريء لمحدوديّة الوضعيّة التاريخيّة.

  *أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية



[1]      أنظر :

E. Balibar, Lieux et noms de la vérité, Éditions de l’aube, 1994.

[2]      للاطّلاع على التطوّرات التي طرأت على مفهوم الحقيقة راجع :

A. et P.-H. Castel, « La vérité », dans D. Kambouchner (éd.), Notions de philosophie, Paris, Gallimard, t. II, 1995.

[3]      يمكن البحث في أعمال الفيلسوف النمساويّ كارل بوبّر الذي أنشأ نظريّة جديدةً في امتحان قابليّة التصوّرات العلميّة للدحض سبيلاً إلى إثبات جدارتها. راجع الفصل العاشر من كتابه (المعرفة الموضوعيّة)، وفيه يتناول أسباب الضعف في بناء النظريّة القديمة التي تعتبر الحقيقة تصويرًا مطابقًا لواقع الأشياء :

K. Popper, La connaissance objective, Paris, Flammarion, 1998.

[4]      ترفض علوم المنطق والألسنيّات المعاصرة أن تكون الحقيقة مجرّد تطابق بين الأشياء والعبارات :

R. F. Strawson, « Truth », dans R. F. Strawson, Logico-linguistic Papers, Londres 1971.

[5]      يُصرّ كانط على التمييز بين الأشياء في ذاتها والأشياء في انكشافها وانسلاكها في حيّز المكان والزمان. راجع :

Kant, Critique de la raison pure, trad. Tremesaygues et Pacaud, Paris, PUF, 1980, pp. 73-74.

[6]      أنظر :

I. Schüssler, La question de la vérité. Thomas d’Aquin, Nietzsche, Kant, Heidegger, Payot, Lausanne, 2001.

[7]      هانس غيورغ غادامر (1900-2002) من أشدّ علماء الفِسارة المعاصرة إصرارًا على ربط الحقيقة باختبارات الإنسان الوجوديّة وبنى المجتمع الثقافيّة وطرائق الفهم المعتمدة. أنظر :

H. G. Gadamer, « Qu’est-ce que la vérité ? », dans H. G. Gadamer, L’art de comprendre, Écrits II, Paris, Aubier, 1991.

[8]      يعتبر هايدغر أنّ الكينونة تتجلّى في ظهورها المتنوّع وفي انحجابها المتواتر. أمّا الحقيقة، فهي مراعاة ظهور الكينونة الحرّ في الكائنات وانحجابها العمديّ عنها : "إنّ ما يهيمن في انبساطه هو فعل الظهور. (…) إنّ الكينونة، وهي فعل الظهور، تُخرج من الانحجاب. وبما أنّ الكائن، بما هو كائنٌ، يكون، فإنّه يقع في موقع اللاانحجاب (alètheia) ويقوم فيه. (…) الحقيقة تنتمي إلى ذات الكينونة المنبسطة. وحين يكون الكائنُ، فإنّ في ذلك أنّه الاستعداد للظهور، والإقبال إلى الوجود في الظهور، واستعراض ذاته، وإنجازُ أمر من الأمور" (هايدغر، ، مدخل إلى الميتافيزياء، الأعمال الكاملة، الجزء 40، فرانكفورت، فيتّوريو كلوسترمان، 1983، ص 110-11).

« Das aufgehende Walten ist Erscheinen. […] Das Sein, Erscheinen, läßt aus der Verborgenheit heraustreten. Indem Seiendes als ein solches ist, stellt es sich in die und steht es in der Unverborgenheit (alètheia).[…] Die Wahrheit gehört zum Wesen des Seins. Seiendes sein – darin liegt : zum Vorschein kommen, erscheinend-auftreten, sich hin-stellen, etwas her-stellen. » (Heidegger, Einführung in die Metaphysik, Frankfurt am Main, Vittorio Klostermann, Gesamtausgabe 40, 1983, pp. 109-110).

 

[9]      أنظر :

L. Wittgenstein, De la certitude, Paris, Gallimard, 1990.

[10]     يبيّن الفيلسوف التجريبيّ المعاصر كوين أنْ ما من قضيّة يمكن أن تصحّ في المطلق أو تسقط في المطلق بمعزل عن اقترانها بمثيلاتها من القضايا.  وما المعاني التي تستتليها الأشياء سوى التعبير عمّا ينسبه الناسُ إليها في زمن من الأزمان ووضع من الأوضاع :

W. Van Orman Quine, La poursuite de la vérité, Paris, Seuil, 1993.

[11]     يجتهد جان لوك ماريون في استنطاق ديكارت عن تسويغه للربط الذي يُحكمه بين الحقيقة والاستيقان الذاتيّ :

J.-L. Marion, Sur l’ontologie grise de Descartes, Paris, Vrin, 1993, pp. 34-37.

[12]     أنظر :

M. Blanchot, « La parole plurielle », dans M. Blanchot, L’entretien infini, Paris, Gallimard, 1969.

[13]     أنظر البحث الذي أنشأه ريمي براغ في تصوّر أرسطو للحقيقة كاستحضار للأشياء في صميم قوامها الذاتيّ :

R. Brague, Aristote et la question du monde, Paris, PUF, 1988, pp. 82-89.

[14]     يعتقد ريتشارد رورتي أنّ مقولة الموضوعيّة تنشأ من تواضع الناس الملتئمين في أنظومة ثقافيّة متجانسة على اعتماد تصوّر يعاينون فيه أفضل تطابق مع الواقع الموصوف :

R. Rorty, Objectivisme, relativisme et vérité, Paris, PUF, 1994, pp. 37-38.

[15]     تتصوّر الوجوديّة التاريخيّة أنّ الإنسان صنيعة ذاته، على حدّ قول جان بول سارتر : "ليس الإنسانُ بشيء غير ما يصنعه هو في ذاته".

« L’homme n’est rien d’autre que ce qu’il se fait. » (J.-P. Sartre, L’existentialisme est un humanisme, Pairs, Éditions Nagel, 1970, p. 22).

[16]     ينتقد الفكر التاريخيّ المعاصر ادّعاء بعض المذاهب القدرةَ على الإمساك إمساكًا موضوعيًّا بحركة التاريخ الإنسانيّ :

R. Aron, Introduction à la philosophie de l’histoire. Essai sur les limites de l’objectivité historique, nouvelle édition revue et annotée par Sylvie Mesure, 1986.

[17]     لكلّ تصوّر للوجود خلفيّتُه المنهجيّة وطرائقُ معرفيّة تُتيح له أن يتحرّى عن الأشياء. ولكنّه لا يملك أن يتحرّى عن الأشياء إلاّ من بعد أن تطبعه هذه الخلفيّة وهذه الطرائق بطابعها الخاصّ وتوجّهه بحسب مقتضياتها. ولذلك كانت المعرفة نسبيّة، أي منتسبة إلى طبيعة الخلفيّة الضابطة والطرائق المعتمدة :

M. Weber, Esais sur la théorie de la science, Plon, Agora, 1992, pp. 207-208.

[18]     صونًا لمقام العلوم الإنسانيّة المعرفيّ ودفاعًا عن جدارتها في الفوز بإدراك صائب لمعاني الوجود، يجتهد ديلتاي في استنباط منهجيّة معرفيّة غير المنهجيّة المعتمدة في العلوم الوضعيّة تراعي سمات التاريخيّة التي تسم الحياة الإنسانيّة :

Dilthey, Critique de la raison historique, trad. par S. Mesure, Paris, Cerf, 1992 ; S. Mesure, Dilthey et la fondation des sciences historiques, Paris, PUF, 1990 ; J. Grondin, « La solution de Dilthey au problème du relativisme historique », Revue Internationale de Philosophie, Paris, PUF, 2003, n° 4, pp. 467-476.

[19]     تختزن الحياةُ، بحسب برغسون، طاقةً جبّارةً على الانبعاث والانتشار والابتكار والتجدّد :

H. Bergson, L’énergie spirituelle, Paris, PUF, 1959, pp. 833-855.

[20]     أنظر :

Fr. Jacob, La logique du vivant, Paris, Gallimard, 1970, pp. 146-147.

[21]     للاطّلاع على تطوّر مفهوم الحياة، ولاسيّما في بُعدها البيولوجيّ :

A. Pichot, Histoire de la notion de vie, Paris, Gallimard, 1993 ; G. Canguilhem, Histoire des sciences et politique du vivant, Paris, PUF, 2007 ; G. Canguilhem, Le normal et le pathologique, Paris, PUF, 1966 ; Id., « La connaissance de la vie », art., Encyclopedia Universalis, 1972.

[22]     "علّمتنا نظريّةُ النسبيّة أنّ المادّة كنايةٌ عن خزّانات ضخمة من الطاقة وأنّ الطاقة تتمثّل فيها المادّةُ."

A. Einstein et L. Infeld, L’évolution des idées en physique, Paris, Flammarion, coll. « Champs », 1983, p. 229.

[23]     يعتقد الفيلسوف الفرنسيّ ميشال هنري أنّ الحياة هي أعسرُ الأمور تناولاً في الفكر :

M. Henry, L’essence de la manifestation, Paris, PUF, 1963, p. 55.

[24]     يجتهد بعض اللاهوتيّين المسيحيّين المعاصرين في تصوّر الله منغلاًّ في الحياة من غير أن يتماهى هو وصورة العالم المتغيّر. وبذلك يتّصف التسامي الإلهيّ بصفة التمايز الناشط بين الحياة في أصل انبعاثها والحياة في مجرى تحقّقها التاريخيّ. فالله يقوم في مقام الأصل، والحياة تقوم في مقام المجرى :

E. Jüngel, Dieu mystère du monde, col. « Cogitatio Fidei », 116-117, Paris, Cerf, 1983.

[25]     يعلن أوغسطينُس (354-430) في كتاب الاعترافات (الباب العاشر) أنّ الحياة تفوق قدرة الإنسان على تصوّرها : "ما الحياة إذًا ؟ إذا لم يسألني عنها أحدٌ، كان لي علمٌ بهذا الأمر. أمّا إذا سألني عنها أحدٌ وعزمت على شرحها، فإنّي أعود لا أعلم شيئًا".

[26]     كان العالم الفيزيولوجيّ الفرنسيّ ماري فرانسوا كزافيه بيشا (1771-1802) يعتقد أنّ الحياة هي "مجموعة الوظائف التي تقاوم الموت". أنظر :

Marie François Xavier Bichat, Recherches physiologiques sur la vie et la mort, édition numérisée, Université d’Oxford, 2006, 347 p ; J.-M. Thiébaud, Vie et œuvre de Marie François Xavier Bichat (thèse de doctorat en médecine, Faculté de Médecine et Pharmacie de Besançon, 1974).