الرئيسية » الاقتصاد الإسلامي: بين الواجب والواقع – ماجد منيمنة
mjd_mnymn.jpg

الاقتصاد الإسلامي: بين الواجب والواقع – ماجد منيمنة

الإسلام منهج شامل لكافة جوانب الحياة، عقيدة وشريعة، عبادات ومعاملات، دين ودولة يمزج بين المادية والروحانية في إطار متوازن، وهو صالح للتطبيق في كل زمان ومكان، لا يحدّه عصر ولا قِطر لأنّه دين الفطرة السماوية.

كما إنّ الشريعة الإسلامية تجمع بين الثبات والمرونة، ثبات القواعد الدينية، ومرونة الفروع والتفاصيل والوسائل والإجراءات، وهذا ينطبق تماماً على الاقتصاد الإسلامي، حيث يقوم على مجموعة من القواعد والضوابط الشرعية التي تمثّل الثوابت، كما يتّسم بالمرونة من حيث أساليب ووسائل وأدوات وإجراءات التطبيق ليتواءم مع ظروف كل زمان ومكان.

لقد مرّت تطبيقات الاقتصاد الإسلامي بحالات مختلفة منذ تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنوّرة وحتى اليوم، كما إنّ هناك محاولات معاصرة في بعض الدول الإسلامية لتطبيقه وقد ظهرت بعض النماذج العملية لذلك منها على سبيل المثال: المصارف الإسلامية، وشركات الاستثمار الإسلامي، وشركات ومؤسّسات التأمين والتكافل الإسلامي، ومؤسّسات الزكاة والصناديق الاستثمارية الإسلامية ومؤسّسات الوقف ونحو ذلك، كما قامت بعض الكيانات الاقتصادية والمالية التقليدية بمحاولة تطبيق بعض الصيغ والمنتجات الاقتصادية والمصرفية الإسلامية. وعلى المستوى القومي، حاولت بعض الدول تطبيق الاقتصاد الإسلامي نسبياً مثل: السودان، ماليزيا، إندونيسيا، باكستان وإيران وغير ذلك، ولقد حقّق بعضها نجاحاً في بعض الجوانب وأخفق في بعضها، وما زالت الجهود متواصلة في أقطار الأمة العربية والإسلامية، لذلك فإنّه من المهم تناول تقييم محاولات التطبيق المعاصر لمفاهيم وأسس ومعايير ونماذج الاقتصاد الإسلامي مع التركيز على المقومات والمحددات والمعوّقات والنماذج والآفاق.

إنّ الاقتصاد الإسلامي موجود منذ صدر الدولة الإسلامية، والذي أرسى أسسه وقواعده رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ومَنْ ساروا على هديه ونهجه، فعلى سبيل المثال وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسُس المعاملات الاقتصادية والمالية القائمة على القيم الإيمانية والأخلاقية ومنها: الخشية من الله واستشعار مراقبته والإيمان بالمحاسبة في الآخرة، والصدق والأمانة والتسامح والقناعة والأخوة والحب، وتحريم الربا والغش والاحتكار والاكتناز والاستغلال والجشع والمقامرة والمنابذة وكل ما يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، فتروي كتب السيرة بعد أنْ فرغ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلّم من بناء المسجد في المدينة كيف أنّه آخى بين المهاجرين والأنصار وأسَّسَ السوق لتكون أساساً للمعاملات الاقتصادية الإسلامية.

ويُعتبر فقه المعاملات هو الدستور الاقتصادي الإسلامي، وهو شامل للقواعد الكلية الاقتصادية، ولقد سار المسلمون على هذا الدستور في معاملاتهم، التي انتشرت في جميع بقاع العالم وطبّقها كذلك غير المسلمين، وظل الحال على ذلك حتى جاء أعداء الإسلام إلى ديار المسلمين وأحلّوا النظم الاقتصادية الوضعية محل النظام الاقتصادي الإسلامي، فعلى سبيل المثال ألغوا نظام الاستثمار الإسلامي وحلّوا محله النظام الربوي، وألغوا نظام زكاة المال وحلّوا محله نظام الضرائب، وألغوا نظام التكافل الاجتماعي وحلّوا محله نظام التأمين وهكذا. ولقد تُوّج ذلك بإلغاء الخلافة الإسلامية وتطبيق العلمانية التي تنادي بالفصل بين الدين والدولة وتثبيت الربا والضرائب والتأمين وغير ذلك من النظم الاقتصادية الوضعية.

لذلك يتطلّب تطبيق الاقتصاد الإسلامي وجود المجتمع الذي يفهم أفراده الإسلام كعقيدة وشريعة، ولديه الحافز والدافع والباعث والتضحية لتطبيق شريعته بصفة عامة وحسب ضوابط القرآن الكريم المتسامحة، وضوابط وقواعد الاقتصاد الإسلامي بصفة خاصة، فالمجتمع الذي يوقن أفراده أنّ في تطبيق الاقتصاد الإسلامي منافع اجتماعية واقتصادية وسياسية، وقبل ذلك هو جزء من تطبيق الشريعة وهو عبادة ربانية يستطيع أنْ يكون الرائد في بناء مجتمع اقتصادي متكامل.

ويجب أنْ تتوافر في أفراد هذا المجتمع مجموعة من القيم والأخلاق والثقافة الاقتصادية الإسلامية ما تهيئه على هذا التطبيق، وهذا ما يُطلق عليه «الحس والسلوك الاقتصادي الإسلامي» ولن يتحقّق ذلك إلاّ من خلال التربية والثقافة والتدريب والممارسة الصحيحة، فإذا وُجد الفرد الاقتصادي الإسلامي ووُجِدَ البيت الاقتصادي الإسلامي، وُجِدَ المجتمع الاقتصادي الإسلامي ومنه تَخْرُج قيادات الاقتصاد الإسلامي المسؤولة عن التطبيق الطيب للمفاهيم والقيم الاسلامية المتوازنة، وبهذا نعمل بقول الله في خطبة حجّة الوداع «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا».

كان هذا هو منهج رسول الله صلى الله عليه وسلّم قبل إنشاء السوق الإسلامية في المدينة حيث اهتم ببناء المجتمع عقائدياً وأخلاقياً، ثم بعد ذلك بنى للمسلمين سوقاً يتعاملون فيها وفق فقه المعاملات، وقام صلى الله عليه وسلّم بنفسه بالإشراف على الأسواق ليطمئن على سلامة التطبيق، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون من بعده، حيث أنشئ النظام الذي كان من بين مسؤولياته الإشراف على الأسواق للاطمئنان على الالتزام بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.

لكن اليوم تعاني المجتمعات العربية والإسلامية من العديد من المشاكل التي قد تقف حجر عثرة في مجال تطبيق الاقتصاد الإسلامي منها على سبيل المثال ما يلي :

جهل معظم الشعوب بالشريعة الإسلامية وبالاقتصاد الإسلامي الكلي.

الانبهار بالفكر الاقتصادي الوضعي سواء كان ليبرالياً أو شيوعياً أو اشتراكياً أو متذبذباً بين هذا أو ذاك وتبنّي تلك الأنظمة من قِبل معظم الشعوب العربية والإسلامية من دون منازع.

تقصير علماء الاقتصاد الإسلامي ودعاته في التوعية عن الاقتصاد الإسلامي من خلال وسائل الإعلام المعاصر، والتي هي متاحة.

انحراف بعض الجماعات والحركات الإسلامية عن الفكر الإسلامي السليم وتشويه صورة الإسلام أمام الناس على اختلاف فئاتهم، وهذا أدّى إلى صدود الناس عن قبول كل ما هو إسلامي، وبالتالي رفض المشروع الاقتصادي الإسلامي برمته.

يلعب الإعلام الغربي على تشويه صورة الإسلام الحقيقي فكان هذا الإعلام موجه ضد الإسلام والمسلمين من قِبل أعداء الدين، وهذا أدّى إلى معوقات لدعوة المجتمع نحو الاقتصاد الإسلامي ومفاهيمه.

وفي هذا المقام يجب على العلماء والدعاة وأساتذة الاقتصاد الإسلامي بذل الجهود من حيث تنمية الوعي الاقتصاد الإسلامي في المجتمع وذلك من خلال السبل والوسائل المختلفة ومنها ما يلي:

تطوير المناهج التعليمية بما يخدم قضية تطبيق الاقتصاد الإسلامي وبمنظور فقهي متطوّر وبسيط.

تطبيق منهج التدرج والتيسير الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «يسّروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا…».

تطوير مناهج تنمية وعي المجتمع نحو قبول فكرة تطبيق الاقتصاد الإسلامي في ضوء الأساليب المعاصرة من البرمجيات والممكننة المتطوّرة وحداثة التقنيات.

تجنّب المسائل الفرعية موضع الخلاف، والبدء في تنمية وعي المجتمع في المسائل الكلية الأساسية والبنيوية.

فإذا تدبّرنا تطوّر ونمو الاقتصاد الإسلامي سواء في مجال الفكر أو التطبيق لتوصلنا إلى نتيجة حتمية بأنّ المستقبل سوف يكون واعد من أمامه، وأنّه سوف يكون هو الحل لما يعانيه العالم من مشاكل الربا والبطالة والاحتكار والغش والرشوة والتكتّل والتضخّم والإنفاق الترفي واستغلال الدول الغنية على حساب الدول الفقيرة.

ولقد تحقّقت هذه النبوءة بعد فشل النظام الاقتصاد الاشتراكي والأخطاء الجسيمة الواضحة في النظام الرأسمالي، بل نجد أنّ علماء الاقتصاد الرأسمالي يبحثون عن نظام اقتصادي بديل، وبعضهم يقول بكل أمانة بأنّ البديل هو الاقتصاد الإسلامي، وإنّ النظام الاقتصادي الرأسمالي مهدّد بالانهيار حيث فيه العديد من الثغرات والمشاكل الخطيرة الكفيلة بهدمه ومنها: المعاملات الورقية والمضاربات الورقية في الأسواق العالمية وتضخم المديونيات على حساب الدول الفقيرة وتفاقم الفساد الأخلاقي في المعاملات التجارية وارتفاع أسعار الضرائب ونحو ذلك، وحتى يمكن إصلاح هذا النظام وإنقاذه من الانهيار يجب تصحيح كل تلك المفاهيم والإضاءة على المفاهيم الإسلامية السامية التي تنادي بالوسطية الاعتدال وقوامها قبول الآخر وأسسها مبنية على الإنسانية في التعامل بين البشر!