الرئيسية » اكتشف روسيا! » العقلية الرّوسيّة: معالمها النظرية والحياتية – سهيل فرح: رئيس التحرير (3)
lqly_lrwwsyw_2.jpg

العقلية الرّوسيّة: معالمها النظرية والحياتية – سهيل فرح: رئيس التحرير (3)

الجزء الثالث

السلوكية النفسية عند الروس

من المعروف أن المكونات النفسية والثقافية العامة للعقلية الرّوسيّة هي نتاج للموروث التاريخي الذي صنعته الأجيال الرّوسيّة منذ أعماق التاريخ هذا من جهة، وللتأثيرات الثقافية والحضارية الوافدة إلى روسيا من الخارج من جهة أخرى.

  سنستند إلى بعض المعطيات الواقعية التي قام بها اختصاصيون روس أكفّاء في هذا السياق، وذلك من أجل أن نركّب على أساسها بعض التحليلات. ويمكن الاعتماد على تجربة واحدة من أعمق الدراسات النفسية، التي قامت بها عالمة النفس الرّوسيّة كسينيا كاسيانوفا،فهي تشير إلى عدد من السمات النفسية التي تكونت لدى القبائل السلافية، التي استقرت على الأراضي الأوراسية، والتي تحولت مع الزمن لتطبع السمات النفسية العامة للروس قبيل اعتناقها المسيحية. واستمرت بعدها مع أخذ السمات الروحانية للمسيحية الشرقية وبعض السمات الاخرى الآتية من الثقافتين الغربية والشرقية. ولنتوقف عند السمات السلافية القديمة الأصلية وهي:

–                      المستوى العالي من التركيز على الذات الشخصيَّة والمحلية.

–                      التوق الدائم للحرية.

–                      الانفلات العاطفي.

–                      العناد.

–                      عدم التسرع واللامبالاة.

–                      الميل للنكوص النفسي والاكتئاب.

–                      تطور الشعور بالشرف والكرامة.

 

 وهذه السمات النفسية وغيرها ترى فيها الباحثة كاسيانوفا إرثاً تناقلته الأجيال في فترات طويلة من الزمن، إلى أن دخلت في الطبقات العميقة للنفس الرّوسيّة. وهذا الذي جعل حراك الإنسان الرّوسي في المدى الجغرافي الأوراسي يترافق دائماً بحركة جسمانية بطيئة، وبتصورات ذهنية فيها خليط واسع من العقلانية واللاعقلانية. كما أن التمركز إلى درجة الانطواء على الذات، دفع بالشخصيَّة الرّوسيّة إلى أن تكون متوجسة إلى درجة الريبة والاستنفار الدائم من كل نماذج سلوكية خارجية.

 بيد أن العناد كان له دور ملحوظ في إصرار الشخص الرّوسي إلى أن يصل لتحقيق الهدف الحياتي الذي يضعه أمام عينيه. والسمة الأخرى المرتبطة بعدم التسرع واللااكتراث إلى درجة اللامبالاة عادة ما ترافق سلوكية الروس فترة طويلة من الزمن. مما يبدو للوهلة الأولى وكأن هذا الإنسان لا تعنيه شؤون وشجون الدنيا.

 بيد أن تراكم الضغوطات على النفس من الداخل الرّوسي وخارجه، سرعان ما يولد الانفعال والتمرد الى درجة الانفجار الذي قد يؤدي إلى إنتاج طاقة تدمرية. وفي هذه الحالة تطلع من البركان الهامد كل الحمم البركانية من المشاعر ومن الانفعالات في شقيها المبكي والمفرح.

 بعد هدوء الانفجارات البركانية النفسية، تهدأ النفس وتأخذ فترة أخرى من الزمن لتتكدس طاقة نفسية أخرى محلها. وهذه التوليفة لديها القدرة على التحمل، وطول الأناة، وعلى إظهار معالم الوداعة والتواضع في لحظات السكينة، في حين أن مخزون الانفعالات والانفجارات النفسية هو من القوة والعنف بمكان، بحيث يجعل رصد وفهم السلوكية النفسية للروس ليس بالأمر السهل.

ويلاحظ الباحثون التوق للحرية في سلوك الروس، بيد أن التوق القوي إلى الحرية لا يترافق دائماً مع قدرة عقلية ونفسية قوية لتوظيف هذه الحرية، من أجل هدف محدد وبّناء.

 علماً بأن مفكرين روس يشددون على الطابع الحر للروس، الذي لا يقيده حد، ولا عقل بارد أو صارم لأن الحرية تنطلق، كما يعتقدون، من دفء القلب الرّوسي الطامح للتواصل والتماهي مع المدى الطبيعي الواسع الآفاق الذي يحيط به.

 فالمفكر إيفان إيلين يشير بهذا الصدد: "إلى أن السكينة القاطنة في قاع النفس الرّوسيّة، التي تتمثل بحركات وسلوكيات طبيعية وخفيفة وطيبة، مصدرها وجود الرّوسي في هذا المجال الجغرافي الواسع الآفاق والقليل السكان… فقلة الكثافة السكانية تحرر النفس الإنسانية من التوتر والقيود… الرّوسي في الحياة هادئٌ وفي حالة استرخاء… وفي الحصيلة العامة فإن في النفس الرّوسيّة تسكن الحرية الداخلية، التي لا تعرف الممنوعات المصطنعة . هو يعيش بلا جهود إضافية… في داخله تنبض الحياة» (6)

المتفائلون الطامحون لإعطاء صورة وردية للروس، عادةً ما يركزون، لا بل يضخمون، من الجوانب المضيئة في الشخصيَّة الرّوسيّة، ولا يتوقفون بالنقد عند الجوانب الواهنة فيها، في حين أن المتشائمين الذين يمارسون سياسة جلد ذات مستمرة للروس لا يرون في السلوكية الرّوسيّة إلا الجوانب الخاملة، الكئيبة، المكفهرة، القاهرة .

 فإيلين الذي ُيعّدُ واحداً من أبرز الممجدين للشخصية الرّوسيّة يعتبر أن "الروس في طبيعتهم عمليين وشغوفين. في داخل النفس الرّوسيّة حقل واسع من نقاط التوتر، قوة التمسك بالحياة، القلب الولهان المليء بالمشاعر، التوق للحرية والاستقلال. من هنا يلمس المرء عند الرّوسي رغبته الجامحة للاستقلالية في الرأي وفي اتخاذ الخيار الحر الذي يحدده هو بالذات …» (7)

 ويدعم إيلين رأيه فيسوق الأمثلة من التاريخ وبمجموعة من الاستشهادات التي أخذها من رحالة عرب كابن فضلان والبكري وغيرهما ؛ ممن زاروا الديار السلافية وإمارة روسيا الكيفية بين القرن التاسع والقرن الحادي عشر. ففي مذكرات هؤلاء كانوا كثيراً ما يتوقفون عند توصيف حالة التوق للحرية عند الشعب الرّوسي؛ والكراهية المطلقة للاستعباد. فهم يؤكدون بأن الروس لا يتصالحون مع أي نوع من الخضوع للآخر، حتى بين بعضهم بعضاً لا يقبلون منطق السيد والعبد… هم شعب طيب القلب، يتميزون بحسن الضيافة وبالثقة. يتعاملون مع العبيد والأسرى برفق، لكنهم ميالون إلى اتخاذ الآراء القاطعة. يتكاتفون أثناء العمل. والاتفاق معهم ليس بالأمر السهل …(8)

 ويتابع إيلين واصفاً السلوكية الرّوسيّة بأنها في حياتها الدنيا عادة ما يتم التركيز فيها على البعد الروحاني الحر … فيقول :«نحن نولد وفي داخلنا تولد الحرية، نتنشق نسيمها، نحن بطبيعتنا شعب روحاني والروحانية عندنا لا وجود لها بدون الحرية… بيد أنه لا ثقافة روحانية, من دون نظام. لذا فأن النظام هو العنصر العظيم في بناء شخصيتنا» (9)

  في حين نرى المفكرة كاسيانوفا التي تطمح لأن تكون موضوعية في دراستها للسلوكية النفسية الرّوسيّة، إلا أنها عادة ما تتوقف عند نقاط الضعف فيها. فهي تقول : إن الإنسان عندنا عادة ما تظهر في سلوكيته «المشاعر غير المنضبطة». الأمرُ الذي يجعل تلك المشاعر تتحكم به، دون أن يستطيع ضبطها وإيقاف شطحاتها عند الوقت المطلوب. ففي لحظات الانفعال الزائد يبدو صاحبها بأنه يكون خارج دائرة العقل …» (10)

الهوامش

1-        Dictionnaire de la sociologie. Ed. Larousse. Paris, p. 144.

2-        Vocabulaire des sciences sociales. P.U.F. Paris, 1978, p. 215.

3-        Les mentalités. P.U.F. Paris, 1971, p. 30.

4-        راجع بهذا الصدد كتابات إيغور شافاريفتش: "المعادون للروس"، موسكو 1994؛ "كيف تموت الشعوب"، موسكو 1996؛ "الروس في زمن الشيوعية"، موسكو 1999؛ "أفكار خاصة حول تاريخ اليهودية"، موسكو 2003؛ "الشعب الرّوسي والدولة"، موسكو 2004؛ "مستقبل روسيا"، موسكو 2005؛ "لماذا يتحمل الروس"، موسكو 2005 وغيرها.

5-        راجع بهذا الصدد بعض أعمال كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، سانت بطرسبورغ، 1984؛ "يمكن أن نشكل نحن الروس، أمة ؟"، سانت بطرسبورغ، 1994؛ "بعض السمات الإتنية للروس"، سانت بطرسبورغ، 1993. "روسيا في الزمن المعاصر…" سانت بطرسبورغ، 1993 وغيرها (*).

6-        إيفان إيلين. جوهر وخصوصية الثقافة الرّوسيّة. تأملات ثلاثة (1941-1944)، موسكو، 1998.

7-        المرجع السابق.

8-        المرجع نفسه.

9-        إيفان إيلين : حول الرّوسيا، برلين 1934 (بالرّوسيّة).

10-      كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، مصدر سبق ذكره.

11-      المصدر نفسه.

12-      إيفان سيكورسكي. سمات من سيكولوجية السلاف. موسكو، 1895.

13-      سرغي كاراميرزا. التحكم بالوعي. موسكو، 2000.

14-      ألكسندر بوشكين. "حول تاريخ روسيا في القرن الثامن عشر". موسكو 1822.

15-      Inkeles, Smith, 1985; Inkeles, 1978, Inkeles, Diamond, 1980.

16-      Hofstede, 1980; Goskov, 1988; Salk, 2000; Sobshik, 1997; Haymov, 1996; Laura, 2000; Merige, 2000; Murphy, 1999; Veiga, 2000.

17-      بيفافوروفا وفورسوفا، السلطة الاقتصادية في روسيا، موسكو 1999، ص 188-189.

18-      المرجع السابق، ص 182.

19-      كلوتشكوفسكي ف. التاريخ الرّوسي، موسكو 1956، ص 314.

20-      راجع مجلة "العلوم الاجتماعية والعصر"، عدد 1، موسكو 2003، ص 43.

21-      المرجع السابق، ص 44.

22-      المرجع السابق، ص 45.