الرئيسية » سياسة واقتصاد » العقل العربي: استبداد العُصاب ومحنة الهوية
lql_lrby_stbdd_lusb_wmhn_lhwy.jpg

العقل العربي: استبداد العُصاب ومحنة الهوية

 

وحتى الكتابة الفلسفية وجدت نفسها أمام الوثوق الهوياتي خارج آلية الاستعمال؛ لأنّ الهوية ظلت قرينة بالعقيدة والعُصاب، وأنّ الفلسفة تعني الضّدّ؛ حيث التجرؤ على استخدام العقل. وهذا مايجعلنا أمام ثنائية صادمة ومفارقة؛ حيث إنّ تغوّل حديث الهويات، يقابله تصدّع بالحديث عن العقلانية، مثلما الخضوع للتقليد والنمط يعني، بالمقابل، تعطيلًا لإرادة المعرفة.

السؤال الأكثر إثارة؛ يكمن في الكيفية التي يتم بها تحرير العقل من هيمنة العُصاب الهوياتي؟ وكيف للفلسفة أنْ تُعيد قراءة (الأنا) بوصفها جوهر الحرية، ومنظورًا للتفكير؟

هذا السؤال المُركّب: هو جوهر التحدي، وهو المدخل لمعرفة الوجود، ولإدراك نهج ما هو أنثربولوجي وسياسي واجتماعي. وللتحقق عبرها في نسقٍ تتبدى فيه وعبره الخصوصيات الثقافية المتنوعة والمتعددة، ليس تعبيرًا عن هويات متقاتلة؛ بل تمثلًا لمعطيات عقلانية، لها مشروع تحديثي، ولها أفق يتسع للاختلاف، وللقبول بالآخر.

هذا الأفق هو المدخل للتحرر من الفكر الواحدي، ولتخليص الهوية (القاتلة) من أن تكون مصدرًا رهابيًّا في السيطرة والرقابة؛ إذ تتحول الهوية إلى سلطة، وإلى مركز انتفاعي، وإلى (هيكل) جمعي للإفتاء ولشرعنة القوة، مقابل ما تدفع به من نوازع عنفية، تقوم على التحقق بمواجهة عقدة (النقص)، أو للتسليم بالخضوع للغالب، والتي قد تصطنع لها نقائض داخلية، أو وسائل وحوافز تتمثلها العديد من الطقوس، والتي هي، في جوهرها، مجال تعويضي لـ (القوة المضادة)، تلك التي من شأنها تكريس صورة رمزية استيهامية للهوية، عبر السلطة الرمزية للأقنعة والطواطم، والمقدس.

إن أكثر ضرورات التعرّف على الهوية يكمن في الحاجة إلى الاختلاف، بوصف أنْ لا وجود لـ (هوية نقية)، وأنّ كل ما يتعلق بالهوية يرتبط بالتاريخ، بوصفه المسرح التخيّلي والوقائعي للأحداث دائمًا، وأنّ أية فاعلية بغيابه ستكون خاضعة للازدراء، وبعيدة عن التصديق؛ لذلك فإن الحديث عن الاختلاف الثقافي سيصطدم بالهوية، وبالجماعة، مما يجعل النزوع إلى التأويل والاجتهاد، هو المجال الذي يُفضي إلى ما هو مغاير، وإلى توسيع دائرة الجدل، ويتيح فرصًا للقبول بالآخر والحوار معه، بعيدًا عن السياق الثابت والمتعالي الذي حاولت أن تفرضه الهوية القاتلة، بوصفها هوية الفرقة الناجية، والجماعة المرجعية..

التكيّف مع وجود الآخر؛ يعني القبول بفاعلية هذا الحوار، وبأهمية أنْ يكون التواصل حوارًا في التاريخ، وأن تكون له الأهلية والمرونة لمعاينة إشكالية المختلف، وإشكالية الهوية أيضًا، ليس بوصفها تعبيرًا عن السمات المشتركة والضاغطة؛ بل بوصفها نوعًا من إرادة القوة التي يمتلكها الإنسان والجماعة، وأن تداولها لا يدخل في سياق استبداد العصاب؛ بل لإنضاج الفعل الجمعي وأنسنته، ولتفريغها من تعصبها، وأوهام غلوها، وتورطها في صناعة التابوات والإكراهات.

الهوية ليست عقدة إزاء العقل، لكنها قد تكون فخًّا عندما تتحول إلى نسق وإلى وهم طوطمي متعالٍ، ومناصرتها والانحياز إليها؛ يعني الانخراط في ما يشبه السلطة، وليكون تداولها رهانًا على وجود وعي ذاتوي، له خصوصية فهم (الحقيقة)، وله فاعليتها التمثيلة التي تشرعن تداول هذا الفهم، عبر فرض إرادة القوة والمعرفة، وضمن سياقات قابلة للتأويل، والتدليل، ولتفكيك الكثير من العقد الأصولية التي تدخل (الهوية) في نسقياتها المضمرة. ومن هنا، نجد أنّ الأسئلة التي يمكن إثارتها حول المعنى والأصل والسلطة، تحيلنا إلى أفقٍ يتسع للاختلاف والمغايرة، ولوضع أنفسنا موضع الآخر، كما يقول غادمير[1].

النظر إلى الهوية من منطلق فكرة الهيمنة، قد يترك أثرًا من الصعب تجاوز عقده؛ لأن الهوية ستكون، في هذا السياق، كتلة ضاغطة، وستنظر إليها الجماعة بوصفها قوة صيانية وحمائية مغلقة للذات القومية أو الطائفية، كما أنّ تأثيرها على تداول الأفكار والمفاهيم سيكون حذرًا، ومسكونًا بوهمِ الآخر، وتحققه يستدعي الاعتراف، وربما سيكون دافعًا لإنتاج المزيد من الأزمات والصراعات. كما أن العلاقة بين مفهوم الهوية ووجودها واستعمالاتها يتطلب توصيفًا سببيًّا، له مزايا ومقاييس، وله أيضًا، مخياله واجتهاده، فضلًا عن أنّ شرعيته ستكون عبر حججه وتجاربه الثقافية واللغوية، وهذا ما يجعل فكرة الهوية مثارًا دائمًا للجدل والاختلاف، وهو ما أشار إليه إدوارد سعيد في حديثه عن العلاقة بين الهويات المتخيلة والشرق: (لقد بدأتُ مع الإدّعاء أنّ الشرق ليس حقيقة أو طبيعة جامدة، إنه ليس مجرد هناك، مثلما يكون الغرب ليس مجرد هناك أيضًا، علينا أن نتعامل بجدية معه، ملاحظة فيكو العظيمة أن الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، وأن ما يمكن أن يعرفوه هو ما صنعوه، ويمتد ذلك إلى الجغرافيا، كون كل من الهويات الجغرافية والثقافية، ناهيك عن الهويات التاريخية؛ كالمواقع، والمناطق، والمقاطعات الجغرافية، على أنها شرق وغرب من صنع الإنسان)[2].

الهوية وتخيلها: هي أكثر الموضوعات إثارة للجدل، ليس لأنها تبعث على التجريد وعلى التأويل أيضًا؛ بل لأنها تكون أكثر خطورة حين يتعدى القمع فكرة التعالي، وهو ما يحوّلها إلى قوة غير عاقلة، تتمثلها وظيفة المطلق، والمعنى القابل للنفاذ والخرق، والذي يقود، في ظرف آخر، إلى النبذ والكراهية والتكفير، كما عند الجماعات الأصولية، تلك التي تستبعد العقل والحوار والقبول، وتنتصر إلى مخيالها الجامح، حيث (تنتصر الذات المستعلية للعنف المضمر بالتكفير القولي، الذي قد يتخذه البعض الآخر للعنف الفعلي، وقد يؤدي إلى قتل الآخر حقيقة أو مجازًا)[3].

محنة الهوية، لا تعني محنة الخصوصية عند جماعة معينة، ولا حتى طائفة معينة، بقدر ما تعني نكوصًا للجماعة والطائفة نحو ما يشبه الاغتراب أو الغلو؛ إذ تخضع إلى مجموعة من التمثلات، التي من شأنها تدوير ثقافة معينة، وتكريسها بوصفها قوة ظاهرة تُعبّر عن نوع من الاكتفاء الثقافي، والسياسي، والعقائدي، وحتى النفسي، والذي كثيرًا ما نجد مظاهره في الطقوس والمراسم وفي الاحتفالات الطوطمية وغيرها.

التوهّم بالاكتفاء الثقافي تكشف عن نكوص، وعن خلل في مواجهة الآخر، وفي تمثلات الصراع الثقافي والمجتمعي، وبقدر ما تحمل الثقافات المتعالية عديد شفراتها، وطقوسها؛ فإنها تنأى بنفسها عن أي تصوّر آخر يضعها في سياق المغايرة والاختلاف، حيث تكون هذه الثقافة قابلة للمجاورة، وللتجاوز أيضًا، ولحيازة القدرة على مواجهة التاريخ، بما فيه تاريخ الصراعات الهوياتية التي عاشتها الذات العربية/الإسلاموية منذ القرن الثامن، وصولًا إلى الصراعات التي عاشتها مع الاستعمار، وعبر تمثلات ما سُمّي بـ (الدول الوطنية)، تلك التي أفقدت (الهوية) نمطيتها، وعلاماتها الفارقة؛ إذ تمَّ إخضاعها لسطوة النظام السياسي، أو الفرضية السياسية الحاكمة، وتحت شعارات (الدولة الوطنية)، أو (الدولة القومية)، أو (الأمة)، وغيرها.

1- تشوهات الهوية: 

الغلو بالاكتفاء الهوياتي؛ يعني الانخراط في لعبة التشويه، والانغلاق على ما هو (وهمي) ومتضخم، وما هو تعبيري عن النزعات التي تتجسد فيها قيمومة السطوة، تلك التي قد تمثلها الدولة الريعية، أو الجماعة الأصولية، أو الطائفة. ومن منطلق صياني، بالنظر إلى طبائع الصراع والاستبداد الذي تتبدى أخطاره في ظل تحوّلات وصراعات عالمية عاصفة، وحتى الدين، بوصفه الإنقاذي والتطهيري، يتحول إلى خطاب في التدين، وفي الإيديولوجيا، وفي التماهي مع ظاهر النص، بوصفه جوهر التكليف من جانب، أو بوصفه المستوى القرابي الذي يحفظ (العُصاب)، ويعزز وعي قوة مواجهة العولمة والحداثة.

العلاقة ما بين الهوية والحداثة ملتبسة دائمًا؛ لأنها غير مُتّسقة أوّلًا، ولأنها ارتبطت بسلسلة من الانهيارات الكبرى ثانيًا، فضلًا عن كونها تعاني بطء تمثلها الأفكار والفلسفات والعلوم التي انطلقت منها الحداثة أصلًا ثالثًا.

وأظنّ أنّ مراجعة التاريخ القريب لطبائع هذه العلاقة، سيضعنا في سياق التعرّف على الكثير من إشكالاتها، فتشوه ما سُمّي بــ (النهضة)، وانغمارها بـ (التقليد)، يُعدّ أوّل مظاهر هذا الالتباس، مثلما أنّ غلّو الاتجاهات الأصولية فرض خطابه الظاهري على الجماعات، وعلى قراءة وتفسير الظاهرة الدينية، وهو ما انعكس على العلاقة ما بين الهوية بوصفها وجودًا، والتشريع الذي يتعاطى مع قيم مركزية تتجوهر حول الحاكمية، وحول النظر الديني للهوية؛ أي إنّ الحكم هو الأصل، وعلاقة الأفراد والجماعات تخضع إلى شمولية الحكم، من منطلق أنّ الإسلام (دين ودولة)، كما يقول عبد القادر عودة، والذي ينبري تحت هذا الفهم (للرد على من يصفهم بأنهم تلاميذ المبشرين، وأذناب الاستعمار، والذين يدّعون أنْ ليس للإسلام علاقة بالحكم، وأنه لم ترد فيه أي نصوص عن الحكم، مُعتبِرًا أنّ هذا جهل مطبق؛ لأن الإسلام، برأيه، يوجب على الناس اتّباع ما أنزل الله، وأنّ يتحاكموا إلى ما جاء من عنده سبحانه، ويحكموا به وحده)[4].

أحكام هذه المركزية تخضع الهوية للاتّباع، ولجوهرانية العقيدة؛ إذ تكون هذه العقيدة مصدر القيم والأنظمة والشرائع، وشمول توصيفها بهذا العموم يجعلها في سياق تصوّر واحدي، هو (التصوّر الإسلامي) الذي يرجع إليه الجمع في الحكم، والطقوس، والشريعة، والحقوق، والقوامة، وهو ما يعني نفي وجود الهوية لصالح مدلول الحاكمية العامة، والذي تُثبّته الشريعة.

2- الهوية والذاتوية: 

يعرّف المفكر الفرنسي إليكس ميكشللي الهوية بأنها: (منظومة متكاملة من المعطيات؛ المادية، والنفسية، والمعنوية، والاجتماعية، تنطوي على نسق من عمليات التكامل المعرفي، وتتميز بوحدتها التي تتجسد في الروح الداخلية، والتي تنطوي على خاصية الإحساس بالهوية والشعور بها. فالهوية: هي وحدة من المشاعر الداخلية، التي تتمثل بالشعور بالاستمرارية، والتمايز، والديمومة، والجهد المركزي. وهذا يعني؛ أن الهوية هي وحدة من العناصر المادية والنفسية المتكاملة، التي تجعل الشخص يتمايز عما سواه، ويشعر بوحدته الذاتية)[5].

هذا التعريف، لا يعني تأطيرًا محددًا للهوية؛ فهي ليست الهوية الدينية، وليست (الهوية التاريخية)، ولا ألجنسوية؛ بل هي الهوية التي تُحفّز على الرجوع إلى الذات، ومواجهة الاغتراب، والنبذ من جانب. وعلى مواجهة الكثير من المهيمنات/السرديات المركزية، التي يفرضها الدين/المقدس، والعُصاب القومي، والطائفي، والجماعاتي، وتحريرها من عقدة التعالي والغلو، وإعادة النظر بمفاهيم الأنسنة، والتعايش، والاندماج. وكذلك مفاهيم الصراع والتغالب؛ إذ تتبدى الهوية المشخصنة في الصراع، وكأنها قوة تبحث عن ذاتٍ تناسبها، وعن تحققٍ يجعلها أكثر قدرة على التعبير عن وجودها، وعن كينونتها، وعن تحولاتها، في ظل ظروف اجتماعية وتاريخية وسياسية مفارقة؛ فالهوية ستكون استلابًا وخضوعًا في (الحياة الخارجية)، كما يرى ألان تورين، لكنها في (الحياة الداخلية) ستخضع إلى تأثيرات متناقضة؛ فالذوات ستكون بمواجهة تغيّرات قيمية في المجتمع؛ أي إنها ستكون أمام سرديات متشظية، يمثلها جيل (تجاوز دروس الأسد والثعلب، والذي هو جيل الأبطال الإلكترونيين، وسلاحف النينجا، ومدرسة المشاغبين. وهذا الجيل أحسنُ تعليمًا وأوسع أفقًا، ولكنه فقد الثقة في الدولة، القومية المبنية على فكرة الأمة ذات الخصائص المشتركة؛ ولذلك فهو يوظف تعليمه في إذكاء النعرات القبلية والطائفية، تلك هي الجماعات التي يشعر في كنفها بالأمانة بعلاقاتها الوشائجية؛ حيث إن الوشيجة: هي الصلة الرحم العميقة الجذور في اللاوعي الجمعي)[6].


[1] هانز غادمير، الحقيقة والمنهج، ترجمة حسن ناظم علي حاكم صالح، ليبيا، دار أويا 2007م، ص 402

[2] من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، اختيار وترجمة: سهيل نجم، آفاق جديدة، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، بغداد 2007م، ص 201

[3] د. مصطفى الكيلاني، العلمانية الممكنة والعلمانية المستحيلة، دار بيرم للنشر والتوزيع، تونس 2015م، ص 54

[4] الدولة والشريعة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، برّاق زكريا، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت 2013م، ص 235

[5] أليكس ميكشللي، الهوية، ترجمة: علي وطفة، دار معد، دمشق 1993م، ص 15

[6] خلدون حسن النقيب، المشكل التربوي والثورة الصامتة، الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية، العدد 19، يوليو/حزيران، 1993م، ص 13

 

 

علي حسن فواز

مؤمنون بلا حدود: ١٩-١-٢٠١٧