الرئيسية » اكتشف روسيا! » «الأنف» لشوستاكوفيتش: غرابة غوغول على خشبة الأوبرا – ابراهيم العريس
لشوستاكوفيتش:

«الأنف» لشوستاكوفيتش: غرابة غوغول على خشبة الأوبرا – ابراهيم العريس

. وذلك لأن العمل المذكور كان أوبرا مقتبسة من رائعة غوغول «الأنف» كتب نصها الأوبرالي زامياتين مع الموسيقي نفسه وبالتعاون مع يورغي يونين وألكسندر بريس. وكلها كانت أسماء أمنت لشوستاكوفيتش رفقة طيبة.

ولنضف الى هذا ان الروس انفسهم كانوا في ذلك الحين، وبعد أعوام من الثورة والحرب الأهلية وشيء من الجمود الثقافي المزروع بانتحار كتاب وشعراء واضطهاد آخرين، قد باتوا يحنون الى ماض أدبي مجيد لا شك في ان غوغول كان يمثله. أما بالنسبة الى السلطات فمرحباً بتلك الأوبرا تحتوي نقداً ساخراً وحاداً إزاء طبقة يورجوازية صغيرة كانت لا تتوقف عن إبداء العداء تجاه البناء السوفياتي «المجيد». فنحن نعرف ان تلك هي الرسالة التي كان نيقولاي غوغول قد أراد نشرها حين كتب «الأنف»، تلك القصة التي لا يشغل بال بطلها فيها سوى أنفه والنفور الاجتماعي الذي يثيره ذلك الأنف الغريب، ما يعتبر، في رأيه، مسؤولاً عن مشاكله وأزماته الخاصة فتدور المعركة بينه وبين الأنف. ولعل من المفيد أن نذكر هنا أن شوستاكوفيتش قد أضاف الى النص الأصلي للأوبرا، كما وضعه زامياتين، ملامح متنوعة من نصوص أخرى لغوغول نفسه، حيث أن متفرج الأوبرا لن يفوته أن يطالع بين الحين والآخر في بعض ثناياها جملاً أو مواقف استُقيت من نتف من هنا وأخرى من هناك، تعود الى «الأرواح الميتة» و»تاراس بولبا» وحتى الى «ليلة مايو». والحقيقة أن هذه الأنتولوجيا الغوغولية في عمل أوبرالي لشاب في نهاية عشرينياته كان أمراً لافتاً ومحبَّذاً بالنسبة الى الجمهور. غير أن الإداء الموسيقي لأوبرا «الأنف» لم يأت أدنى من الأداء الأدبي، ما يجعل من هذه الأوبرا واحدة من أهم الأعمال الفنية التي قدمت في الاتحاد السوفياتي في ذلك الحين، على رغم الانتقادات التي وُجّهت إليها من بعض الأصوات «الرسمية» ولا سيما «الجمعية الروسية للموسيقيين البروليتاريين» التي اتهمتها بـ «الشكلانية»، لكنه اتهام لم يعبأ به كثر، ولن يكون شيئاً أمام هجومات أخرى سيتعرض لها شوستاكوفيتش لاحقاً. مهما يكن كان من الممكن لـ «الأنف»، ان تبقى في الذاكرة طويلاً لولا أن شوستاكوفيتش نفسه أبدع لاحقاً ما بدا أكثر غنى منها، في المجالين الموسيقي والفني العام، كما سنرى بعد سطور. أما هنا فنبقى عند «الأنف».

قدّمت الأوبرا للمرة الأولى في مسرح «مالي» بلينينغراد في آخر ربيع العام 1930 لتعتبر من فورها عملاً تجديدياً كبيراً بل عملاً ربط الموسيقي بالتيار «المستقبلي» التجديدي. وكان أكثر ما لفت النظر ذلك الفاصل بين اللوحتين الثانية والثالثة في الفصل الأول حيث وضع الموسيقي قطعة بديعة من الأداء من طريق آلات إيقاعية وحدها كانت الأولى من نوعها في الموسيقى الروسية ومن الأوائل في أوروبا. ولقد سحرت تلك القطعة الجمهور بحيث أن كثراً سيقولون أنهم شاهدوا الأوبرا مرات عديدة من أجلها. هذا بالنسبة الى الجمهور، أما النقاد فإنهم لم يبدوا متحمسين أول الأمر لكنهم بالتدريج افتتنوا بها. ما فتح الطريق أمام مستقبل زاهر للفنان الشاب.

وبالتالي اعتبر ديمتري شوستاكوفيتش واحداً من كبار الموسيقيين الذين عرفهم الاتحاد السوفياتي في زمنه. ومع هذا سيكون عمل هذا الفنان المبدع مليئاً بالتناقضات، في شكل يسير ربما بالتوازي مع تناقضات الحياة السياسية في روسيا السوفياتية بين العام 1906، الذي ولد فيه، والعام 1975 الذي شهد نهاية حياته. ولئن كان شوستاكوفيتش قد بدا مكللاً بهالات المجد حين موته، واعتبر، الى جانب رخمانينوف وخاتشادوريان وبروكوفييف، اكبر موسيقي معاصرعرفته روسيا، فاإنه هو نفسه الذي كان قد تعرض اواسط سنوات الثلاثين لأكبر حملة تشهير فنية قامت بها صحيفتا «لابرافدا» و»الإزفستيا» وقيل يومها ان الحملة شنت، مباشرة، تحت تأثير عدم اعجاب ستالين بعملين اساسيين له قدما في ذلك الحين: الأوبرا المقتبسة من رواية «ليدي ماكبث من منسك» (وقدمت للمرة الأولى في لينينغراد اوائل 1934)، والباليه الممجدة للحياة والعمل في الكولخوز «الساقية الشفافة». هذان العملان، حين قدما للمرة الأولى نالا نجاحاً طيباً وقوبلا بحماسة شديدة، ولكن بعد أيام قليلة بدأ «نقاد» الموسيقى والمسرح في الصحف الرئيسية بمهاجمتهما ومهاجمة ملحنهما بحجة انه «يريد ان يقدم اعمالاً حداثية»، مهما كلفه الأمر، وهو «يخشى ان يغوص في حياة الشعب وموسيقاه». وكانت مثل هذه الانتقادات تعني الكثير في تلك الأيام، بخاصة أن السلطات السوفياتية استقبلت بدهشة ما تم تناقله من ان النازيين اعجبوا كثيراً بالسيمفونية الأولى لشوستاكوفيتش، حين قدمها برونو والتر في برلين في 1933. وكان شوستاكوفيتش قد كتب سيمفونيته تلك في 1926 وكان في العشرين من عمره، وأراد بها ان تكون تمجيداً للثورة الروسية.

مهما يكن فإن تلك السيمفونية الأولى احاطت اسم وعمل شوستاكوفيتش بقدر كبير من الشهرة، وأتت لتعزز اعماله التالية لا سيما السيمفونية الثالثة، ثم بخاصة أوبرا «الأنف» التي تبقى من أجمل أعماله وربما أقلها تعرّضاً للقمع السلطوي! يومها ظل اسم شوستاكوفيتش يلمع ويكرم رسمياً وشعبياً ونقدياً خلال السنوات التالية، حتى كانت حملة الهجوم عليه، تلك الحملة التي أدت الى سحب اوبرا «ليدي ماكبث» من التداول. بعد ذلك حين تعرضت سيمفونيته التالية (الرابعة) لنفس النقد العنيف، أدرك شوستاكوفيتش ما الذي يتعين عليه عمله، فكتب، على عجل، سيمفونية خامسة جعل عنوانها «رد فنان سوفياتي على انتقادات معيبة»… وكان العنوان وحده كافياً لدفع السلطات الى إعادة الاعتبار إليه، وما لبث ان منح جائزة ستالين في 1940 مكافأة له على «الخماسية للبيانو» وبدأ يعتبر من المدللين من النظام. ولقد رسخ من مكانته بعد ذلك، اشتغاله خلال حصار النازيين للينينغراد على كتابه «السيمفونية السابعة» التي تحمل اسم «لينينغراد» (1942) وتعتبر من اقوى اعماله الأوركسترالية وأجملها. لقد كتب شوستاكوفيتش تلك السيمفونية القوية وسط القلق والرعب فأتت عملاً صادقاً لا يزال الروس يفاخرون به حتى اليوم.

ولكن، لئن اطمأن شوستاكوفيتش الى مكانته بعد «لينينغراد» واعتقد بأنه أصبح من الذين لا يّمسّون، فإن عمليه التاليين جاءا ليثبتا له العكس، حيث عادت المصاعب تواجهه من جديد بسبب «السيمفونية الثامنة ستالينغراد» و»السيمفونية التاسعة» والمرجّح ان سبب الصعوبات يكمن في ان ستالين شعر بأن السيمفونية التي كرست للمدينة التي تحمل اسمه اتت اضعف من تلك السابقة المكرسة للمدينة التي تحمل اسم سلفه لينين، فانهالت على الموسيقار الانتقادات التي وسمت عمله بـ «الشكلانية» و»الخلو من العفوية» وما الى ذلك، حتى اضطر ان يكتب مقطوعته «نداء الغابات» تمجيداً للخطة الرسمية الآيلة الى اعادة تشجير المناطق الجرداء، وهي خطة كان ستالين يعول عليها كثيراً، من اجل استبعاد أقوام كثيرة من مناطق سكناها ونفيها الى مناطق اخرى. ووصلت «رسالة» شوستاكوفيتش الاعتذارية الجديدة الى «من يهمه الأمر» وكانت «جائزة ستالين» ثانية.

منذ ذلك الحين عاش شوستاكوفيتش مطمئناً لا سيما انطلاقاً من 1953 العام الذي مات فيه ستالين، فانزاح كابوس سياسي ثقيل عن كاهل الموسيقي، والعام الذي مات فيه بروكوفييف، فتخلص شوستاكوفيتش من منافس قوي كان يحرمه، في كثير من الأحيان، من لقب «اعظم موسيقي سوفياتي حي» الذي كان يعتقد على الدوام بأنه هو أحق به من أي شخص آخر، وأن ليس ثمة سوى بروكوفييف ينافسه عليه. غير ان العقدين الأخيرين من حياة شوستاكوفيتش لم يشهدا الكثير من اعماله الكبيرة، إذ إن عمله الجيد كله كان قد أضحى وراءه. كل ما في الأمر انه ذات مرة في العام 1962 سحب أوبرا «ليدي ماكبث» من بين أوراقه وأعاد الاشتغال عليها مطلقاً عليها اسم «كاثرين اسماعيلونا»، فقدمت ونالت نجاحاً كبيراً، ظل محيطاً به حتى رحيله في 1975.

 

 

\المصدر – الحياة