الرئيسية » حضاريات » “أحلام ماكلوهان” للشاعر المغربي حسن الوزاني: مفارقة المطابقة والانفلات من أسر اللامع والمكرس – محمد بودويك
hlm-mklwhn.jpg

“أحلام ماكلوهان” للشاعر المغربي حسن الوزاني: مفارقة المطابقة والانفلات من أسر اللامع والمكرس – محمد بودويك

في أكثر مفاصلها وأرساغها من نظام البلاغة القديم، وأنساق الخطابية المقعرة.

الشغف بالمفارقة ـ إذًا ـ يسكن لاَ وَعْي كتابة الوزاني الشعرية، منذ «هدنة ما» بمثل ما يسكن الكتابة الحداثية «الرشيدة» بإجمال، تلك الحداثة التي شرعت ـ منذ عقد ـ في الأقل، تجترح شكلا ومحتوى، ولغة تصييغ وَبَوْح، قوامها فلسفة الموقف الوجودي بما هو وضوح وإلغاز، ملموسية وميتافيزيقا، خواء وملاء، من دون غوص متعالم يطوح بلحظة التصافي مع المتلقي، ومن دون تعال منفوخ، يستوجب رصيدا وحمولة معرفية ليست في طوق الكثيرين لأسباب سوسيو ـ تاريخية، وسوسيو ـ ثقافية، لا مجال للكلام عنها هنا ولو إشاريا، فمقامها في مكان آخر، ويستدعيه مجال مختلف ومغاير.

يحضر في لاَ وَعْيِ، وعلى عتبة الباب الموارب، والمحكي، الشعري بمفهوم تادي TADIE الشك والتوجس والخوف من الفناء المباغت، والتلاشي المفاجئ، والزمن الشخصي الذاتي الذي يمشي بخطو واثق نحو التغضن، واليباس، والدثور:

على

كتفي

الهواء الذي لم يملأ صدر ليلى، والمساء الذي لم يرسم ظل ليلى

والمطر

الذي لم يبلل ظل ليلي

على كتفي

الخواء.

على شرفتي

الهباء.

لكن الفرحة هنا تُتِلْعُ رأسها، وتطفو بكل البهاء كزهرة لوتس على صفحة ماء رقراق مخضل بالكلوروفيل، وبأنفاس الملائكة، فرحة في هيئة طفلة شقية لاهية لعوب، ملتذة بشقاوتها، وبقايا طين وعجين عالق بثوبها، وشعرها المشعت الجميل، ومحيا الشاعر الذي انعجن بها، وانصهر في بوتقة اللغة وهي تقدم حياته مشكلنة ومجسدنة بالميتا ـ لغة، والشعر، وتقاليب وجود ناس كيانيا وحضوريا بين الأمل والألم، والفَرَج واليأس، والحضور والغياب، واليقظة والغفلة، والنجاح العابر، والخسران القائم المبين.

علوق بالحياة هو البؤرة الدالة في الكتاب الشعري «أحلام ماكلوهان» وما يقتضيه العلوق إياه من سعي محموم إلى امتصاص ما بقي من نسغ في جذورها، ومن إكسير، في ضرعها الظاهر/ الباطن، هو الذي لم ينتبه للحياة، وهي تنحسر شبرا في إثر شبر مثلما تنحسر الظلال وقت القيظ في غفلة من الشاعر، وفي لحظة إغماضة دعت إليها وعثاء الحياة، والطواحين المختلفة التي ليست، بالضرورة دونكيشوتية، والتي ما انفك يصارعها ويقارع أشباحها الروَاغة، دافعا عنه أشكال الحروب، وأضرب الأقنعة، و»أفاعي الفردوس»: «ثم إني لم أنتبه كثيرا للحياة/ لم أجالس طويلا الصبي الذي كُنْتُ/ قرأتُ كتاب الرمل/ ونَسِيتُ أن أقرأ خطوط الموت على كفي/ زرت عدن، الأطلسَ، الصحراءَ، مغاراتِ الأرض/ ونسيت أن أزورَ نَفْسي».

ثم يقول: «لن تغفر لي نفسي/ أنني لم أنتبه للعمر يمضي وحيدا/ نحو شيخوخته/ أني آخيت الموتى/ وأعلنت حروبا على أعداء/ لم يوجدوا أبدا».

إيقاع العمل الشعري قلق، رجراج، ميلودرامي، والوزاني يلاقي ماكلوهان في المتاه الذي أصبح علبة، في الكون الذي أصبح قرية في حجم الكف بفعل وسحر التكنولوجيا فائقة الدقة والبطش. أصبح علبة لكنها علبة «بندورا»، وليس علبة ماكلوهان، ما أن تفتحها حتى تتناهشك الأفاعي، ويسومك سمها الداء الوبيل، والعذاب الذي لا سبيل إلى تطفيفه:

أنا سليل برج الدلو

أقيم ككائن أليف بقرية الكون

حيث الأشياء صديقة لأضدادها

أستند

إلى جبل العدم

كي أطل على أحلامي

وهي تخفت كغيمة شاردة.

لقد انعلن الوزاني شاعرا قادما بعُدَّة الدرويش والجوال، والمزمار في فمه، وقبضته الشعرية مشرعة على الوطيس الإبداعي فيما هي تطلب «هدنة ما»، ريثما تستجمع أنفاسها، وتستعيد كامل وهجها وبهائها لتعصف بالنعومة المزيفة كلها، وتقول حضورها البدئي الحازم عبر لغة سَاوَتْ ومازت ـ في الآن ذاته ـ بين المبني والمقوض، أي بين الناجز الشاخص الناتئ، وبين المحفور، الكامن، المضمر والمحدث.

يضع العمل الشعري الجميل الجديد للوزاني المعنى المحبوك والدلالة المشروكة الموطوءة في محنة، إنه يُضَيَّق عليها من أجل أن يفسح لمقول أناه الشخصي، وثري تحولاته وانعطافاته، سانحةَ التجاذب والتنابذ بين الجسد والروح. الجسد بما هو موطن العذاب واللذة، وانْوِشَام الزمن الآبق المتصرم، وبما هو تمظهر لغوي مادي صلصالي. والروح من حيث هي ماهية وجوهر، وعلة معلولة، وبما هي عقل الجسد المساير، والساعي إلى إرباك العلاقة إياها بسطوة وحرير التخييل، ونقض الانسجام والتوافق، والتواؤم المرآوي /المرآتي الانعكاسي. وحالما تتحقق المطابقة المفَارَقَة، والمفَارِقة المنجذبة جهة المطابقة، تَنْسَرِد السيرة المسطورة و»المعطاة»، ويتشكل الشعر الخالص بوصفه نياحة سوداء، وفرحا أبيض، ونشيدا ملتاعا لَوْذعيا، إنّيًّا، وأنويا، متبجسا وقادما من جرة تعاقب الأيام والشهور، والسنين.

وبوصفه أيضا تشييدا وبناء لسردية لغوية مخصوصة منقوعة في استشكال الذاكرة والمعيش والراهن الشخصي، والجمعي، سردية ذات رُوَاء وجمال وشفوف، وكيفية بَوحْية معينة. وبوصفه ـ أخيرا ـ ترجمان شوق وتوق واستشراف، واستعادة، ونوستالجيا عطشى، وأنطولوجيا، وموجودية مجروحة، وكينونة مشتعلة تسعى إلى تسطير شرطها في أن تكون، وفي أن تضفي على هذه الكيننة المنعوتة والمجروحة في أُسّ موجوديتها، حضورا ذا معنى، وحياة مستحقة، ومعيشا أعطى ولم يأخذ ما تمناه  وتغياه. فكل التصاوير، وجميع الأقاويل الشعرية «الوزانية»، تُرَدُّ إلى المفارقة، والغرابة التلقائية والمتعمدة والمتوخاة. وتُرَدُّ إلى شسوع المتخيل، وإلباس الأسانيد قوانين الوضعانية اللغوية، وخطية السرد وزوبعته، وعنصر الإدهاش في البدء والختام، كمحصلة جمالية نشأت وتشكلت من العناصر والأسمدة، والمكونات والصبغيات المذكورة، مضفورة، منشبكة، منسجمة، متسقة، وضاحكة من تزاحم الأضداد على حد تعبير شاعرنا العظيم أبي العلاء المعري.

في «أحلام ماكلوهان» يجتمع وجودان: وجود شاعر يرتقي سلما ضوئيا محاولا لمس أهداب الشمس عبثا، ووجود صائغ ماهر، وحائك حَاذق، ونَسَّاج بارع، وإن يكن الصائغ والحائك والنساج واحدا، أي صفة ملازمة، ونعتا لصيقا، وكَيْنَنَة حَالَّة في الشاعر. إذ ما قيمته، ما تسميته لولاها. شاعر يحرص مثابرا على التجويد والإجادة، واقتراف المفارق، واجتراح المدهش، والمبهج اللغوي، والتفريد التصويري.

إيقاع الزمن المنسرب اللاهث، إيقاع اللغة المدماة، والصور المدلاة كثريا الذهب، قلقة، مع ذلك، كأنما بِهَا مَسٌّ، كأنما يُطَيِّرُ صوابَها وجأشها، لهب حاف، وأحلام تشظت، حر وقر، وقرار ولا استقرار، يحوط النصوص ويغشاها، ّزلزال يقتات من أصابعّ الوزاني، ارتجاج على سلم ريشتر، يعلن ـ بلا مواربة ـ مسؤولية الشاعر عما اقترفته يداه، وما لم تقترفه يداه (لنتذكر مسؤولية المثقف عند سارتر، مسؤوليته اتجاه نفسه واتجاه الآخرين على رغم أن الآخر جحيم فيما قال).

يعلن بشفافية عن ذلك التمزق الحياتي الرهيب الذي يعيشه، ويعانيه، والقلق الوجودي العاتي الذي يسكن رؤيته، فكره، شعوره، موقفه، علاقاته، شعره، ومن ثَمَّ، لغته بما هي أُسُّ أناه، ومدماكُ وجوده، وسر حضوره في الكون: منحتُ/ بعضا من اسمي/ للوزن كي أبتل بالموسيقى/ بعضه/ لنهر الوزاني/ كي أتدفق منتشيا/ من جبل الشيخ إلى بحيرة طبريا/ بَعْضَهُ/ لإميلي كِينْ/ السيدة التي أطفأت  وَهْجَها/ وسط مريدي الطريقة/ كي أبحث عن ظلالها/ في كتاب : My life story/ بعضَهُ/ لصغيرتي رِيمْ/ كي تطرق أبواب الفرح/ بشدة/ كما لم أفعل/ وكي تعلو سماوات السكينة/ كما لم أفعل/ بَعْضَهُ للجموح. بَعْضَهُ للريح التي تتعثر بخطاي بَعْضَه لجنوني/ بعضه لانكساراتي.

إنه يريد أن يقبض على الحلم ـ الأحلام، لو يتحقق، لو يصبح طوع اليد والواقع، والعمر المتسارع كغيوم الشتاء نحو النزول والذبول والانهمار، والسقوط في مهاوي العدم.

نصوص الكتاب تفيض بألم زاخر، ورغبة عارمة في أن تطوى الحروب الصغيرة، الحروب الكبيرة، الحروب الصديقة، الحروب البينية: بين الروح والجسد، وتتحقق، مِنْ ثَمَّ، «أحلام ماكلوهان»، الذي هو، بقليل من التأول المتعسف، والمكر «المعرفي»، الوزاني الجالس على قارعة نهر النسيان يقلب جنبات الكون، ويحصي أنفاس القرية التي في حجم الكف. يرمي الحصوات تلو الحصوات ليشذخ رأس الزمن، وليؤجل شيخوخة مرتعشة باردة قادمة منذرة باليباس، تضحك في وجهه بفم أدرد مفتوح على الهباء، وانفراط سبحات العمر، كقبر محمول يتأرجح بين حبال الغيم، بين اللحظات، والفَيْنَات المتعاقبة المتلاحقة اللاهثة، والمتبخرة قطعا، في سلسال الهزائم والخسارات المتواصلة.

فهل يكون الوزاني، «عبأ مصيره في كيس ورماه في شاحنة ما»، ثم اعتراه ندم بعد حين؟ وما يكون المصير؟ ما طبيعة الكيس؟ وتلك الشاحنة؟ أم تراه يحلم بِعَطَلٍ قد يصيبها في المنعطف، وعَطَبٍ يضع حدا لحياة العجلات المجنونة الواهنة؟

 

حسن الوزاني: «أحلام ماكلوهان» – دار العين للنشر، القاهرة 2016 – 109 صفحة

 

القدس العربي

 

 

3

 

«إيزابيل» آخر روايات الراحل أنطونيو تابوكي: أيقونة جزلة في تفاصيلها ومختزلة في بنائها الدائري – هاشم شفيق

 

إذا كانت المافيا الإيطالية هي أحد المناهل الفنية والتعبيرية التي تمتح منها الرواية الإيطالية، متخذة منها مادة وثائقية مدعومة بالشهادات والمعلومات والحوادث الواقعية، تلك التي تدعم النص الروائي وترفده بالمتعة والإثارة وفن التشويق، الذي يتطلع إليه القارئ الحديث، وأعني قارئ اليوم، فإن التاريخ القريب الموصول بالحرب العالمية الثانية، وظهور التيارات الفاشية والديكتاتورية، وبمقابلها القوى والأحزاب اليسارية، صار أيضاً مادة غنية ودسمة لجزء كبير من الرواية الأوروبية ومن بينها الرواية الإيطالية. ذلك أن القارئ المشغول على الدوام بالقضايا اليومية والمهنية والشخصية، أضحى من الصعب عليه أن يمتلك تلك الإطلالة المتأملة والطويلة لقراءة نصوص سردية طويلة، كـ «الحرب والسلم» لتولستوي، أو «البحث عن الزمن الضائع» لبروست، أو «الجبل السحري» لتوماس مان، وكذلك الثلاثيات وغيرها من الأعمال التاريخية الطويلة والمتشابكة في نسيجها وتصوراتها وشخصياتها، مثل الملاحم الهندية والآسيوية والإغريقية، متداخلة الشخصيات والأحداث والمواقف الأسطورية.

من هنا، قارئ اليوم زمنه الشخصي قصير، فزمنه الطويل أخذته منه الحداثة وتطورات ما بعد الحداثة، أربكته التكنولوجيا والتقنيات الحديثة فائقة السرعة والأشكال والتصاميم، فهو ليس بقادر الآن، عدا استثناءات، على استقطاع وقت طويل من التقنيات هذه، ومن العمل الطويل ومن الزمن المتسارع واللاهث طوال الوقت في الزحام والضجيج والصخب الحداثوي الذي حطم الكينونة وهشم جزءاً كبيراً من الرومانسيات والبراءات الأولى، ليقرأ أعمالاً شبيهة بالإلياذة والأوديسة والمهابهاراتا والشاهنامة، وحتى «ألف ليلة وليلة» الاستثنائية والعمل التاريخي الخالد .

وتحت أفق هذا المنعطف، انعطف روائيو وكتاب اليوم، إلى الأشياء المضغوطة والملمومة والمكثفة بدقة، لنصل إلى قراءة روايات تجسد كل شيء وبتقنية عالية وحساسية مرتفعة ولغة مختزلة وتعابير قصيرة، ومن بين هذه الروايات وهي تكاد لا تحصى في عالم اليوم، وأعني الروايات الجيدة والقصيرة، رواية « إيزابيل» للروائي الإيطالي أنطونيو تابوكي، الذي غادرنا قبل أربع سنوات، مخلفاً هذه الأيقونة الجزلة والمختزلة، في تفاصيلها وأحداثها وبنائها الدائري، ولكنها الغنية برؤاها وهيمنتها التصويرية وطابعها الجمالي الفاتن.

لعل أجمل ما في هذه الرواية، التي ترجمها إلى العربية نبيل رضا المهايني، هو التجريب، والاستيحاء والتطلع إلى جوانب الروحانيات، واستلهام ما تحمله من رؤى جوانية، تحاول استبطان المناطق العميقة في الدواخل الإنسانية والمغارات والمجاهل غير المسلوكة لدى أعماق الكائن البشري.

ولعل الأمر الثاني اللافت في هذا العمل، هو كونها أول رواية يكتبها تابوكي، مستوحياً عوالم الماندالا الهندية. ولكونها الأولى، فقد جاءت شاعرية، وفيها طيف كبير من الإلهام والمسوِّغات الروحية والنفسية والباطنية، وتعتمد على الطابع السيميائي، في استخدام النظم الرمزية والإشارية والدوائر الروحانية، لكن تابوكي أجَّل إصدارها العام تلو الآخر، وقبيل رحيله بقليل، تذكرها وفكر في طبعها باعتبارها وليده الأول، وينبغي الاحتفاء به وعدم إجهاض تلك المحاولة السردية الأولى.

تروي الرواية على نحو شيقٍ وبطريقة شبه بوليسية، سيرة المناضلة إيزابيل، وهي فوضوية، عدمية أحياناً، يسارية الرؤى والتصرّف والمنزع، تروي مقارعتها لنظام ديكتاتورية سالازار في البرتغال، وحكاية موتها وسجنها وتعذيبها على يد جلاوزة الطاغية وشرطته السرية في برشلونة وبقية أنحاء المدن البرتغالية. كل ذلك يحدث عبر خبر ينشر في جريدة عن نهايتها، أو انتحارها في السجن كما اشيع، فيقرأ الخبر صديقها القديم، مستعيداً تفاصيل حياتها ولقاءها الأخير به، في أحد الأيام من الأزمنة الرومانسية التي مضت دون رجعة، ذلك اللقاء الذي سيدفع الصحافي تاديوس صديقها وحبيبها وربما رفيقها القديم إلى البحث عنها، من أجل التوصل إلى حل لطريقة موتها، هل انتحرت إيزابيل في السجن أم قتلت تحت التعذيب؟ وأين وكيف ومن كان وراء ذلك وفي أي بقعة وزمن ومكان كانت فيه إيزابيل تتعذب تحت يد جلاوزة سالازار؟ كان آخر لقاء له بها، في جبال الألب السويسرية، في قارب سائر تحت ضوء القمر الأحمر، حيث قال لإيزابيل في رحلتها إلى عالم النضال والكفاح والتحدي: وداعاً.

إذاً في رحلة البحث هذه، والتي ستبدأ من لشبونة العاصمة البرتغالية، منتهية بجبال الألب السويسرية، سيمر الراوي أيزلوفاكي وتارة تاديوس، وهو اسمه الثاني الذي سيستخدمه كما يقتضي الأمر والحاجة والموقف الذي سيكون فيه الراوي، الذي سيمر بمواقف وحوادث غرائبية، هي الأخرى غامضة ومبهمة وسرية، كحياة إيزابيل. تتلخص كل هذه الوقائع اليومية في تسع دوائر، تدور في عوالم الكارما الهندية وما يستتبعها من مبهمات رمزية، تحاول التوصل إلى المعنى الكامن في جوهر الوجود وفي الطبيعة الإنسانية، إنها الماندالا المتأرجحة بين الحقيقة والخيال، بين السحر والواقع العيني، كسجن إيزابيل وكثرة الرواة والحكائين، الأصدقاء والرفاق، أو السجانين والجلادين والشرطة والشخصيات الأخرى التي تصنعها الحياة، ليمروا في سياق الروي والحكاية، وهم كثر ولهم أوصاف وهيئات مختلفة، وسلوك عادي وغير عادي وطبائع سحرية وميثولوجية، وتواريخ حية وبعيدة ومندثرة، منذ الأربعينيات وأزمنتها الحربية، وصعود الديكتاتوريات في الخمسينيات والستينيات الأوروبية، وحتى وقت قريب في جل دول أمريكا اللاتينية.

 لذا تبدأ رحلة البحث الوجودية والعدمية والمضنية عن إيزابيل الماضي، من لشبونة، وتذكر أولى صديقاتها باستعادة الذكريات معها، أو التماهي معها، واستحضار مونيكا خيالياً، مُمرِّراً إياها عبر الواقع لتكون القصة واقعية، ممزوجة بالخيال.

يذهب الراوي تاديوس إلى فندق فخم من الطراز القوطي، في العاصمة لشبونة، من أجل لقاء مونيكا، وقبل دخوله الفندق يذهب إلى مقهى لتناول شيء ما، حتى يحين الموعد، فيلتقي بأحدهم فيجري معه حديث مقاهي، حيث الآخر كان يلعب البليارد، فيدعوه إلى اللعب فيعتذر تاديوس بسبب موعده، فيسأله لاعب البليارد من أين أنت، فيجيبه تاديوس من نواحي الشُعرى، في بلدة الدب الأكبر، يضحك الآخر لكونه لا يعرف هذه الأماكن، وعليه أن يسرع لأنه يبحث عن امرأة من خلال امرأة أخرى. 

هكذا يلتقي تاديوس بمونيكا التي ستقص حكاياتها مع إيزابيل للصحافي تاديوس الذي يريد أن يتوصل إلى الحقيقة، لتسرد له بداياتها وكيف كانتا تذهبان لصيد الضفادع من أجل شيها وأكلها، وتسرد مونيكا قصة والديها اللذين ينتهيان في حادث سير، لتصف مونيكا تلك الأيام:»كان منظرنا رائعاً، عند عبور آمارانْته، أنا بالبنطال وإيزابيل بقبعة القش الفلورنسية». 

ثم تستطرد مونيكا المُتخيَّلة، متحدثة عن أجواء كلية الآداب، فهي في قسم الآداب الكلاسيك، وإيزابيل في القسم الحديث، تدرس السريالية والوجودية، وتقرأ اشعارا للوركا وتمسرح القصائد للشعراء اليساريين، حيث تصعد إيزابيل إلى خشبة المسرح وهي موشحة بمنديل أحمر يلف رقبتها حاملا دلالته معها، والقصائد كانت مرمَّزة وتدين في عمقها الفني الفاشيست.

في الدائرة الثالثة سيلتقي» تيكس» وهي أمريكية، تعزف الساكسفون، تدعوه لتناول الطعام في الحانة التي تعزف فيها، ثم تشرع متحدثة عن صديقتها إيزابيل التي هي من حضتها على العزف والتوله بمناخ الجاز الموسيقي، فتدله في النهاية على «آلميدا» حارس السجن، ليعرف هل إيزابيل انتحرت أم قتلت في السجن، أم ماذا؟ يلتقي تاديوس حارس السجن بعد رحلة من البحث. وبعد أخذ ورد وشرب كأس من الكحول يفصح حارس السجن بأن إيزابيل، أو ماجدة، لم تنتحر بل هربت من السجن بعد تعاطف السجان معها، عبر وصول جثة إحدى المناضلات، فيتم استبدالها بها، من خلال قصة ليس ثمة من حيز للاستفاضة بها، ولكن العملية كانت محكمة ومتقنة، لكي تهرب إيزابيل، حيث يقول الحارس لتاديوس حين ودعه:»لا تظنن أني شيوعي….. لكني استلطفت تلك الفتاة «، فيرشده إلى مصور لديه صورة لإيزابيل، كان شيوعياً ولديه صور من قبْل ثلاثين عاماً، المصور بدوره سيرشده إلى سفر إيزابيل إلى هونغ كونغ، فلقد أرسلتها ماجدة الحقيقية إلى راهب كاثوليكي في مــكــاو ، وسيــسافر تاديوس إلى مكاو ومعه الصورة.

في الدائرة السادسة سيصل إلى مكاو ويُرشد إلى مغارة، في المغارة ستجرى أحاديث بين تاديوس ووطواط مُعرِّش، الذي سيوصله إلى الأب دومنيك، هذا الذي سيرشده هو الآخر إلى الشاعر الأعور، والشاعر الذي تتناول قصائده الحضور الأبدي، جاء حسب وصف الراهب من خارج الزمان مثل تاديوس.

المهم في الأمر، كذلك الشاعر وحسب حدسه ورؤاه الثاقبة ومخيلته الملتهبة، سيصف له «شافيير»، وهو فيلسوف هندي يمتلك الحكمة يسكن جبال الألب السويسرية، الذي سيقول له إن إيزابيل تنتمي للماضي، للعدم، وأنت لم تكن سوى باحث عن الماندالا، أي عن الحقيقة، وهذه الحقيقة ستوصله إلى نابولي ليلتقي بحامل الكمان، وتكتمل صورة إيزابيل وتجسد في الدائرة الأخيرة.

 

أنطونيو تابوكي: «إيزابيل» – ترجمة نبيل رضا المهايني – دار الساقي، بيروت 2016 – 142 صفحة

 

القدس العربي