الرئيسية » حضاريات » أية غيرية نريد؟ – بقلم رسول محمد رسول
otherness-2014-2-screen-installation-3min20s-video-still6-1024x576.jpg

أية غيرية نريد؟ – بقلم رسول محمد رسول

يبدو لي أن العقلانية الإنسانية التي لا بد أن ننهجها، تهدف إلى تحرير الإنسان من وعي جهوي لفَّ كينونته ووجوده، حتى أخرجه من (الإنسان) فيه، وبذلك فهي تعني العودة إلى (إنسان) الإنسان الذي ضاع في متاهات التعبير عن ذاته بأنظمة تفكير تستند إلى هويات جهوية، جعلته مغترباً عن حقيقته كونه (الإنسان)، إنما ذلك الكائن المذعن بعماء لكل ما يُخرجه عن ذاته الأصل نحو غيرية متطرِّفة زائفة أمست مخرجاتها دموية الوجود والحضور.

وهنا تتحوَّل الغيرية (Otherness) إلى مشكل أساسي؛ فخروج الإنسان عن ذاته الأصل كإنسان إلى غيره جهوياً متطرفاً يحمل بين مطاويه تفكيكاً للذات الأصل وإعادة بنائها وفق منظومة وعي جهوي، وعي مناطقي، وعي مذهبي، وعي عرقي، وعي ديني متطرِّف، وكلها نماذج تمضي عبر معقولية تحكمها إرادة أن يكون الإنسان غير ذاته حتى تصل، وفي أحيان عدّة، إلى مستوى إذابة ذاته الإنسان الأصل في أنظمة ذوات متخيلة؛ ذوات المناطق، ذوات المذاهب، ذوات الأعراق، ذوات الأديان، وغير ذلك مما يمكن أن يحجب أن تكون ذات المرء هي ذات إنسان، إنما ذات بنية في الغالب مؤدلجة بتفكير جهوي، بمعقوليات جهوية؛ معقولية الإنسان المناطقي، ومعقولية الإنسان المذهبي، ومعقولية الإنسان الديني، وهذه وغيرها تعد انفتاحاً لذات الإنسان على غيرية موضوعية، غيرية تواصلية، لكنّه الانفتاح الأكثر سلبية في ضوء تجارب التأريخ التي نعيشها؛ فإنسان الجهويات صار يوتر التصادُم مع نظيره الجهوي؛ تصادم الطوائف، تصادم الأعراق، تصادم المذاهب، تصادم الثقافات، تصادم الحضارات.

وبذلك، ينطلق الكائن الجهوي المتطرِّف لا من كونه ذلك (الإنسان) في أنموذجه البشري، إنما من ذلك الجهوي – الإنسان؛ العرقي – الإنسان، المذهبي – الإنسان، وقس على ذلك، حيث أصبح التعبير عن المنطقة كجهة، والعرق كجهة، والمذهب كجهة، أصبح جوهر وجود الإنسان، واستحالت الذات الحقَّة للإنسان إلى مجرد عَرض، مجرَّد هامش، مجرَّد شاطئ مهجور، وهذا قلب لحقيقة الوجود البشري الحق واغترابه عن ذاته الحقَّة، حتى استحالت (الغيرية) هنا إلى حجاب وسور يسجن هوية الإنسان الأصل الدالة على كونه إنساناً.

الغَيريّة في اللغة مصدر صناعيّ من (غَيْر)، وتعني تفضيل الآخرين على الذات، نوع من السُّلوك يهتمّ بمصلحة الآخرين بدلاً من الاهتمام بالمصلحة الشخصيّة، وهي هنا تقابل بمعنى (الأنانيّة)، فهي الإيثار، وبذلك تتجلّى الدلالة الأخلاقية والنفسية، عندما يؤثر المرء غيره على ذاته؛ يضحي بذاته من أجل الآخرين، يصوم عن نفسه من أجل إشباع الآخرين، والإيثار هو ميل لدى النفس البشرية لكي تفضِّل غيرها على كينونتها.

إن خروج الإنسان في أصله إلى فضاء التعبير الهوياتي الجهوي هو حق طبيعي، لكن ذلك لا يمثل في تجارب عدة معاصرة أي شكل من أشكال الإيثار بدلالته الأخلاقية كما بينا ذلك فوق، بل يمثل رغبة وجودية، سلوك وجودي زائف يتوخّى كسب لحظة تاريخية معينة، فعندما يتحكَّم التفكير الجهوي بمصير إنسان أصل، وقد نفى أصله هذا لصالح غيرية جهوية زائفة، وأقصد بزائفة نسيان أن يكون الإنسان إنساناً قبل كل شيء؛ غيرية مناطقية أو مذهبية أو عرقية، فإنما هو لا يؤثر ذاته الأصل من أجل غيره، لأن هذا الغير هو (غير) زائف، (غير) يمسخ هوية الإنسان الأصل لصالح هوية غير أصيلة، هوية جهوية عَرضية يُراد لها أن تكون جوهراً، إنه استبدال الشمس الأصل بصورة الشمس، والقمر الأصل بصورة القمر، إنه خروج غير آمن لذات إنسانية نحو هاوية التيه الأعمى، وصناعة (أنا) تحسب نفسها فدى من أجل غيرها، لكنه مجرَّد إيثار لوجود زائف؛ فـ (الأنا) المناطقية، والأنا المذهبية، والأنا العرقية، والأنا الإقليمية، لا تعدو أن تكون مجرّد تغاير منقطع عن أصله الإنساني، تغاير لا يحقق سوى وجود زائف يحجب الذات الأصل، يواريها الثرى، يخنقها حد العدم والحروب الجهوية الدموية خير دليل على ذلك.

يبدو نمط التفكير في منطقة الشرق الأوسط مأزوم الحال بتفكير جهوي تعززه أنظمة سلطوية استعمارية جديدة في نهاية القرن العشرين، وهي تسوِّق معقولية متطرفة تنبع من إرادة بشرية تقوض وجود العقل الإنساني لصالح عقل عملي تحكمه الرغبة والميل، لتحقيق مطالب جهوية تتبدّى كمنطقة وإقليم ومذهب وقبيلة وعشيرة وزقاق، لتظهر معقوليات عدة؛ معقولية مناطقية، معقولية إقليمية، معقولية مذهبية، معقولية قبائلية، معقولية عشائرية، معقولية زقاقية، معقولية حزبية، وهكذا يحضر كل شيء إلا معقولية الإنسان كإنسان.

تكرس هذه المعقوليات الجهوية نمطاً من التفكير السَّلبي كونها تقوم على مجرّد الرغبة لا بإحياء عقل الإنسان الإنساني بوصفه هبة طبيعية، ونور طبيعي، وكينونة كونية وجدت من أجل النوع البشري، إنما من أجل إفراغ إنسان هذه المعقوليات من تلك الهبة النادرة بحجبها، ومن ذلك النور بإطفائه، وطمس تلك الكينونة بنسيانها، من أجل نسيان معقولية ما هو إنساني لدى الإنسان، من أجل استلاب تلك المزية الطبيعية التي وهبها الوجود للمخلوق البشري.

لنا، بعد هذه التوضيحات، أن نعمل على خطوات إجرائية من شأنها تفكيك تلك الغيريات المتطرفة التي أخرجت (إنسان) الإنسان من طوره الذي له كإنسان، وقذفت به في متاهات أنْ يكون إنسان جهة مناطقية وعرقية ومذهبية وما أشبه، حيث حجبت عنه ميزته الطبيعية التي فطر عليها عبر معقولية جهوية.

 لا بد من النظر في (تأريخ) ذلك الخروج السلبي المتطرِّف والدموي أحياناً؛ خروج الإنسان عن كونه إنساناً إلى إنسان الجهة، وهو تشخيص موضوعي يتطلَّب تحليل وقائع هذا الخروج الكارثي؛ وقائع تتطلَّب "تحليل تواجدها، وتعاقبها، وتضافرها، وترابطها، وتحوُّلها المنفرد أو المجتمِع"، بحسب تعبير ميشيل فوكو في (حفريات المعرفة، ص 29)، ومن ثم العمل على تقويض نماذج هذه المعقوليات الجهوية؛ تقويض وجودها عبْر تفكيكها، وإزالة أسوارها الجهوية المتشكلّة حول كينونتها بوصفها تكريساً زائفاً لمعقوليات جهوية، وبالتالي هدم وجودها الزائف الذي يزاحم الإنسان في أصله كإنسان، وصولاً إلى إمكانية التواصل مع الطبيعة الأصل للإنسان، والبدء بإحياء جذوة تلك الطبيعة الحقة عبر إصغاء أصيل لصوتها الخبيء، بل المخبّأ قسراً وحجباً ومواربة، لكي يستعيد الإنسان أصله الإنساني، ويخرج عنه إلى غيرية جهوية إيجابية لا تفرط بذلك الأصل، ولا بذلك النور الطبيعي، نور العقل، الذي ينشئ معقوليات إنسانية تحتفي بنعمة الوجود الأصيل والحضور الخلاق عبر الانخراط في معقوليات جهوية إيجابية.

* مقال منشور ضمن العدد الخامس عشر من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية "الإنسان العربي ورُهاب الحرية"

18 اكتوبر 2015