الرئيسية » أخبار المجموعة » أدب القصّة حلًا لمشاكلنا: أيتماتوف نموذجًا*: بقلم عماد الدين رائف – من ضمن سلسلة مقالات عن الكاتب جنكيز أيتماتوف بعنوان **إبداعات أيتماتوف في الثقافة العربية المعاصرة**
ytmtwf_md_ldyn_ryf_1.jpeg

أدب القصّة حلًا لمشاكلنا: أيتماتوف نموذجًا*: بقلم عماد الدين رائف – من ضمن سلسلة مقالات عن الكاتب جنكيز أيتماتوف بعنوان **إبداعات أيتماتوف في الثقافة العربية المعاصرة**

هل يمكننا التخفيف من آثار العنف المسلّح وما يجرّه من ويلات على شعوب المشرق العربي بواسطة الجماليّات، وتحديدًا بواسطة الكلمة التي تختزن الخير في القصّة أو الرواية؟

يسعى هذا البحث إلى الإضاءة على إشكاليّة قيد التطوير محورها إمكانيّة الإفادة من آداب أوراسيا الوافدة إلى القارئ العربي عبر بوابة اللغة الروسيّة، وخاصة في فنّي القصة والرواية. وهذه الإفادة تكمن في تلمّس مسار الكتابة من الماضي (الحكاية أو الأسطورة)، بلغة اليوم ومعضلاته استشرافًا للمستقبل. والنماذج التي يمكن أن تتفاعل معها هذه الإشكالية كثيرة، قد تطال أعمال عشرات من الكتّاب الكبار الذين لمعت أسماؤهم في فضاء الأدب السوفياتي أولًا، قبل أن تنطلق إلى العالميّة عبر ترجمة تلك الأعمال من اللغة الروسيّة، وكانت تلك الأعمال قد ترجمت إلى العربيّة أسوة باللغات العالمية الحيّة. وبالتوازي مع هذه الإشكالية، نلحظ أن نتاج العقدين الأخيرين لدى القاص والراوي العربي قد بدأ ينسلخ شيئًا فشيئًا عن الماضي، ليعالج المعضلات المجتمعية المتكاثرة بلغة اليوم الوافدة من الغرب وأدواته. ونحن إذ نتصدى لمقاربة هذه الإشكالية بأمثلة حيّة، اليوم، نسعى من وراء ذلك على إثبات إمكانية معالجة آثار العنف بواسطة الكلمة، وذلك بطرق مبتكرة وعصرية، على الرغم من أن الفاصل الزمني عن الأمثلة المستخدمة يربو عن ربع قرن من الزمن، أي منذ توقف آلة الترجمة السوفياتية الجبّارة عن العمل، إلا أن الطرق المبتكرة في المعالجة قد تعيد ذلك النتاج إلى الأذهان حيًا من جديد، كونه يستحق ذلك. 

أما وقد اخترنا واحدًا من الأمثلة – في هذا ابحث – لمعالجة نواح متعدّدة من الإشكالية، وأقصد به نتاج الكاتب القرغيزي السوفياتي الكبير جنكيز توركولوفيتش أيتماتوف، فإن ذلك يصبّ في صالح تقريب الفكرة، لكون معظم أعمال أيتماتوف قد وصلت إلى القارئ العربي مترجمة بلغة سلسة تُفهم تعابيرها المجازيّة وصورها الشعريّة من المحيط على الخليج. أما الأمثلة الأخرى التي يمكن تناولها في المستقبل القريب فكثيرة، فهي نتاج كتّاب وأدباء شعوب آسيا الوسطى والقوقاز وجمهوريات الفدرالية الروسية، بالإضافة إلى شعوب دول الاتحاد السوفياتي الغربية وأوروبا الشرقية. والسرّ في ذلك أن مرحلة الإنتاج الأدبي السوفياتي، قصة وشعرًا ورواية – كانت مرحلة تجسّد الفرضيّة أعلاه، وتستثمر عناصر الخير في الماضي لتعالج معضلات الآني وتستشرف المستقبل، أي أنّها ببساطة استطاعت إلى حدّ ما إزالة الرواسب الحادّة لمعضلات الحاضر، وخاطب القارئ بلغة الأمل مهما كان الواقع قاسيًا.

وبذلك يتطور البحث، ويؤسس لبناء عربيّ مشترك نحو قصّة أو رواية تستمد من الماضي (الحكاية والأسطورة المبنيتين على الروح الشعبيّة العربية) لتعالج معضلات اليوم بلغة أصيلة غير وافدة وبأدوات مبتكرة، وتستشرف مستقبلًا أفضل لشعوب منطقة الضّاد. فالحاجة إلى ذلك تغدو ملحّة يومًا بعد يوم، والشاهد على ذلك النتاج القصصي الروائي نفسه، فعند استعراض الروايات العربيّة الصادرة في العقد الأخير، مثلًا، نجد أنسنا أمام بحر من العنف والقتل والدمار، والجوع والاغتصاب والأرق، وانعدام الرؤية، والإحباط المفضي إلى القنوط أو الانتحار… وتسود الروايات نزعات من السوداويّة المفرطة التي تصوّر في جزء كبير منها مستوى البؤس الذي يعيشه الإنسان العربي اليوم. إن الأمل الكاذب الذي بثّته الثورات المسمّاة بالربيع العربي في العام 2011، سرعان ما تلاشت موجتها التي حملت بعض العناوين المشرقة، التي تحمل صدى "الحريّة"، وذلك بعد اصطدام المثقفين من رواة وقاصّين بحقيقة المطامع الغربية (في ليبيا مثلا)، أو بالعقم واختفاء ضوء الأمل في الدهليز (في مصر مثلًا)، أو بويلات الحرب الأهليّة المسلّحة واستنساخ اللبننة المذهبيّة (في سوريا مثلا)، أو بويلات الحرب المباشرة وانتشار الأوبئة والجوع (في اليمن مثلًا)… فتلاشت الآمال وحلّ القنوط، واكفهرّت التعابير مفضية على اليأس. ومن الطبيعي أن يعكس الدب المشهد العام المحيط بكاتبه، فهو ابن بيئته، إلا أن الانسلاخ عن الماضي والكفر بما أنتجه الأجداد، والهجمة المسعورة التي تدعو إلى تتفيه كل ما هو خيّر في تاريخ العرب والمسلمين عبر كل وسائل التواصل الحديثة ووسائل الإعلام التقليديّة، والتي تستخدم أدوات جُلّها غربي، تحت مبدأ الصراع التناحري مع الماضي بغثّه وسمينه، تترك يوميًّا جراحًا عميقة في الوعي العام لدى القارئ والمتلقي.

ذلك مع العلم أن الأدب الواقعي العربي، وكذلك آداب الشعوب التي لديها تاريخ مشترك مع الشعوب العربيّة، يمكن للمشترك بينها أن يتضمّن فرصة تخوّلنا الإطلالة على العالم بشكل آخر، يراعي بدقّة مضامين الخير في ماضينا ويمكّننا من استخدام لغة أصيلة لمعالجة معضلات اليوم، لغة تضخّ الأمل على الرغم من الصعاب الجمّة التي يبتلي يها الإنسان العربي في الزمن الحاضر. 

ولعلّ أحد وجوه عظمة اللغة الروسيّة أنها كانت ولا تزال الحاضنة الوفيّة لأفكار شعوب وآمالها، تحملها وتبثّها إلى العالم لما تختزنه من عناصر قوّة. عبر هذه اللغة الناقلة للإنتاج الفكري تعرّفنا إلى العناصر الحضاريّة لشعوب آسيا الوسطى والاتحاد السوفياتي السابق وشعوب الدول المنضوية في روسيّا الفدرالية نفسها بالإضافة إلى إمكانيات هائلة للتلاقي مع النتاج الأدبي والفكري لشعوب أوروبا الشرقيّة. وبدون هذه الحاضنة ما كان بإمكاننا اليوم أن نقف على معالم الإبداع في أدب جنكيز أيتماتوف وسماته العالمية، إلى جانب مئات الأدباء والشعراء من أوراسيا. ذلك تمامًا كما كانت اللغة العربية قبل قرون تشكّل الحاضنة الوفيّة لأفكار شعوب تلك المنطقة وآمالها، حين كانت بغداد محجة العلماء والأدباء وما أكثرهم. وبفعل التفاعل بين هاتين اللغتين، إبداعًا ونقلًا وترجمةً وتعريبًا، يمكننا اليوم أن نتلمّس مدى الروعة في نصوص الشرق القديمة والحديثة، ويضمن هذا التفاعل المستمر أن تبقى هذه النصوص حيّة ما دامت البشرية على وجه البسيطة، وما هذا الجهد المتواضع الذي بين أيديكم سوى أحد ثمرات هذا التفاعل.

نقف على عتبة الاحتفال بالذكرى التسعين على ولادة الكاتب القرغيزي السوفياتي الكبير جنكيز أيتماتوف، نتلمّس معًا منابع الروح الشعبيّة في أدبه، ونحاول أن نقارب مدى أهميّة أعمال أيتماتوف للقارئ العربيّ المعاصر. ولعل هذا البحث يشكّل صلة وصل بين تراث الشعب القرغيزي والقارئ العربي، وهو الأول من نوعه في إطار هذه المقاربة، وذلك بعد توقف دام لنحو ربع قرن من الزمن إثر انحلال عقد الاتحاد السوفياتي. وما هذا البحث إلا تحيّة إلى روح الكاتب الخالد وإلى اللغة الروسيّة الجبّارة التي خولّتني أن أقف مع أيتماتوف على أعتاب آيكول ماناس ذي النّفس العظيمة.

عماد الدين رائف

* من كتيّب "على أعتاب ماناس برفقة جنكيز أيتماتوف"

 

مقالات سبق نشرها على موقعنا حول إبداع أيتماتوف