الرئيسية » سياسة واقتصاد » عبودية الهويات – الفضل شاق
lhwy_lthqfy.jpg

عبودية الهويات – الفضل شاق

ليس في الدين ما يمنع الفن، وهذا أنواع. الكاتب يكتب بقلمه. الرسام يكتب بريشته. الموسيقار يصنع الأنغام بوتره أو دفه أو آلة النفخ لديه، الراقص يكتب بجسده. لم يكن الفن عيباً منذ القدم وخلال تاريخ المسلمين. ولم يكن الجسد عيباً إلا مؤخراً لدى بعض المسلمين. حتى لو كان الأمر عيباً في فترة من الفترات الماضية، إلا ان ذلك لا يمنع من التطور. استخدام الجسد حق لمن يمتلكه، جزء من الضمير الشخصي، لا دين حقيقياً إلا مع ايمان نابع من الفرد، من الضمير الفردي. والجسد هو موقع الضمير الفردي، هو موقع الروح فكيف يجوز اضطهاده أو الخجل منه؟ عندما كان المجتمع الإسلامي قوياً، كان مرتاحاً، وكان تبادل الحديث حول أعضاء الجسد جزءاً من السلوك اليومي.

المشكلة هي انه تنشأ عقائد جديدة، يتولى أصحابها تفسير الدين، ويعتبرون أنفسهم أولى من غيرهم بذلك، فيتولون تصنيف الأفعال إلى حلال وحرام، وبالتالي يصنفون أصحاب هذه الأفعال إلى مؤمنين وكافرين. والحق، انه ليس الحكم على الكافر والمؤمن إلا في الآخرة، وان الايمان علاقة مع الله لا دخل لأحد فيها إلا صاحب الايمان. والحق أيضاً ان الطقوس الجماعية التي يمارسها الكثيرون ليست هي الدين، هي حركات دينية. لا يعلم أحد ماذا في ضمير أصحابها، ولا يحق لأحد محاكمة هؤلاء. والحق أيضاً ان الطقوس الدينية تزداد ممارستها أو تنقص حسب الظروف الاجتماعية، أي حسب المرحلة التي يمر فيها البلد. فليكن الحديث في هذه الظروف الاجتماعية، وهذا شأن ضروري للجميع. ان لم تناقش الأمة قضاياها الاجتماعية والسياسية، فسيأتي من يناقشها بالنيابة عنها ويتسلط عليها ويخضعها لحكم غريب.

يعرف الجميع ان الحجاب والنقاب والبوركيني وغيرها لم تكن دارجة منذ عقود من السنين. لكنها صارت كذلك الآن. لم يتغير الايمان، ولم يكن اسلافنا منذ عقود من السنين أقل أو أكثر ايماناً، بل تغيرت الظروف الاجتماعية التي أدت إلى طقوس دينية مختلفة. ظروفنا الاجتماعية السياسية والعسكرية هي هزيمة عسكرية امام إسرائيل. نحتاج إلى حجب رؤوسنا. ثم مرت الأيام وجاءت ثورة 2011 وتحديات الصراع مع الأنظمة المتسلطة في بلادنا، ومع تسلط الغرب. وجاء تسلط الحركات الدينية فأصبح غطاء الرأس وغيره رمزاً للهوية. في المشرق والمغرب، وعند المهاجرين في الغرب.

لكنها ليست هوية نصنعها. نحن لا نصنع الكثير، ونعمل قليلاً، ونستورد الكثير. ليس لدينا انتصارات ضد العدو، وليس لنا إنجازات انتاج في مجتمعنا تدفعنا إلى رفع الرأس والافتخار والاعتزاز بالنفس. ازداد شعور المذلة تفاقماً بعد ما يسمى «فشل» ثورة 2011. وفجور الثورة المضادة من المحيط إلى المحيط ضد شعبنا. ردود الفعل لم تقتصر على ما يغطي الجسد وحسب، بل ازداد العنف وانتشر الانتحار. واعتبر ذلك إرهاباً. ونشبت حرب عالمية على الإرهاب. بلادنا هي مركز هذه الحرب العالمية. يخوضها امراء الحرب من جميع الاجناس، محليون وأجانب، دول وميليشيات، دول صغرى غنية بمالها فقيرة بشعبها، ودول إقليمية ذات أطماع واحلام حول مدى حيوي في بلادنا، ودول كبرى جاءت بجيوش، وبعضها بطائراتها ومخططاتها التي لا نعرف عنها الكثير. يتصارعون ويتقاتلون حول السلطة هنا وهناك. والشعب أي جماهير الفقراء، وهي غالبية الناس، ليس لهم شأن في هذه النزاعات. الشعب الذي صنع ثورة 2011 جرى تهميشه وتعميق إذلاله ومهانته. الشعور القاتل بمزيد من التشاؤم يدفع إلى مزيد من غطاء الرأس. تضع الزرافة رأسها في الرمل كي لا يراها أحد.

يخوض بعض المسلمين في الغرب معركة رموز دينية مصطنعة في مجتمعات لا توافق على هذا الأمر ولا تعتبر هذه الرموز ذات قيمة فعلية، إلا انها تعتبرها تحدياً لثقافتها وطريقة عيشها. هل نحن بحاجة إلى حرب ثقافية في حين تمنع عنا الثقافة ويتشوه الوعي ويسيطر عليه قوم من الجهلة. يقدسون الجهل لأنهم يفتقرون إلى المعرفة. يقدسون الجهل، وهذا فعل الضعفاء الذين اصابهم اليأس في بلادهم الاصلية وفي البلاد التي هاجروا إليها. والعجز أساساً هو في بلادنا، عجز عن العمل والإنتاج، عجز عن بناء مجتمعات قوية متماسكة، عجز عن بناء دولة توجد بذاتها ولذاتها، دولة من أي نوع كان.

نحن مهزومون. نعم، لدينا حقوق مستلبة. شعوبنا تخضع لأبشع أنواع القتل والتشريد والتخريب. نعم. كل ذلك صحيح، لكن الحل الذي تفترضه، أو تفرضه تيارات الإسلام السياسي ليس مجدياً. ثبت عدم جدواه عدة مرات في التاريخ القريب. نحتاج إلى تسديد الوعي من أجل اصلاح ما تبقى. الوعي السائد يجرنا إلى المزيد مما نريد تلافيه.

تسديد الوعي مهمة الجميع، الأولى بها هم المثقفون. وهؤلاء متقاعسون عن دورهم. يخافون على خسارة فتات الموائد التي ترمى إليهم من موائد السلاطين، الخوف من ذلك ومن القمع المرافق له ليس حلاً.

 

المصدر: السفير