الرئيسية » حضاريات » ابن عربي وابن رشد – الإنسان في الخطاب التأويلي الإسلامي إبن عربي و أبن رشد نموذجا – بو زيد بومدين / الجزء االثاني
bn_rby_wbn_rshd.jpg

ابن عربي وابن رشد – الإنسان في الخطاب التأويلي الإسلامي إبن عربي و أبن رشد نموذجا – بو زيد بومدين / الجزء االثاني

" الفتنة " تكون أولاً في طرق الفهم والشّرح والتعليم وفي استخدام أدلة غير برهانية " … هذا كلّه من التشغيب والشكوك العويصة التي لا يتخلص منها العلماء المهرة بعلم الكلام والحكمة، فضلا عن العامة، ولو كلّف الجمهور العلم من هذه الطرق لكان من باب التكليف مالا يطاق، وأيضا فإن الطرق التي سلك هؤلاء القوم ففي حدوث العالم قد جمعت بين هذين الوصفين معاً، ولا هي مع هذا برهانية، فليست تصلح لا للعلماء ولا للجمهور[1]وحين يدلّل على وجود الله لا يذهب إلى النص أو إلى التخريجات الفلسفية الكلامية التي يصفها بالعقيمة، وإنما يتوجّه نحو " الإنسان " ويرى أنها هي الطريقة الشرعية التي اعتمدها الكتاب الكريم والصحابة، وينتقد الطرق والأدلة السّابقة التي دائماً يصفها بالعقم وأنها سبب الخلاف والفتنة، وقد وجدها – أي الأدلة البرهانية التي يرتضيها – تنحصر في طريقتين:

 1- طريقة الوقوف على " العناية بالإنسان " وخلق جميع الموجودات من أجله، ويسميه " دليل العناية ".

2- طريقة ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء والموجودات، مثل: اختراع الحياة في الجماد والإدراكات الحسية والعقل ويسمّيه " دليل الاختراع ".

   كل شيء في الكون – حسب ابن رشد –  موافق لحياة الإنسان وضروري له، الغاية من خلق الكون خدمة الإنسان، هنا يلتقي طبعا مع المتصوفة في رؤيتهم لمعنى الخلق، فالإنسان – حسب المتصوفة – انطوى فيه العالم الأكبر، هو صورة الكون والله معاً، وهكذا يكون " الخلق المستمر"، وهو أيضًا ما تدلّ عليه "المنهجية الرشدية" في معرفة الله والتدليل عليه، يقول: "الطريق التي سلكها الشرع في تعليم الجمهور طريق العناية، وهي طريقة دالّة على وجود الله تعالى … وهو وجود على اتفاقالأشياء ( المنفعة ) للإنسان"[2].

 

من هنا ندرك مدى أهمية النص الرّشدي في ربطه بين القضايا الميتافيزيقية والقضايا الإنسانية من "منفعة" كغاية و" جمال " من خلال مصطلح " الاتفاق "، علاقة وجود الله وسبب خلق الكون مرتبطة بالإنسان الذي لا يدرك السعادة إلا باستيعابه لهذا المعنى واستغلاله للمنفعة والجمال، وبهذا يكون التوازن في الطبيعة والمجتمع، إذن تحقيق " المنفعة"و"القيم الجمالية " هو تحقيق للتوازن الإنساني والطبيعي، وأكثر من ذلك هو تحقيق "الغاية" من وجود الإنسان في الأرض، وبدلا من أن يتيه الناظر في أدلة ميتافيزيقة وكلامية وسفسطائية ليدلّل بها على وجود الله فهو يعيش هذا الوجود من خلال علاقته المادية المباشرة بالطبيعة والمجتمع، بمعنى يراها في كل شيء فيه " الاتفاق " الذي يحقق "الغاية" من الوجود المتمثّلة في " المنفعة " والتمتع بـ" الجمال "، ألا يلتقي معنى هذا بعبارة المتصوفة الشهيرة: "الكون كله محراب الله".؟  

   كل الأدلة  "النصوص" المنبّهة على وجود الله تنحصر في هذين الجنسين من الدليلين، وفي مواضع أخرى يلحق " ابن رشد " الدليل الثاني بالدليل الأول، أي أن كلَّ النصوص التي تتحدث عن الكون والاعتبار ووجود الله وقدرته متعلقة بـ" العناية " المرتبط طبعا بالإنسان، يقول: "إذا نظر إلى شيء محسوس فرآه قد وضع بشكل ما، وقدر ما، ووضع ما، موافق في جميع ذلك منفعة للمنفعة الموجودة في الشيء المحسوس والغاية المطلوبة حتى يعترف أنه لو وجد بغير ذلك الشكل، أو بغير ذلك الوضع، أو بغير ذلك القدر، لم توجد فيه تلك المنفعة، علم على القطع أن لذلك الشيء صانعاً صنعه، ولذلك وافق شكله ووضعه وقدره تلك المنفعة، وأنه ليس يمكن أن تكون موافقة اجتماع تلك الأشياء لوجود المنفعة بالاتفاق"[3].

  وهذا خلاف ما نجده في نصوص الكلاميين، ففيها لا يحتلّ الإنسان مركزًا أساسيًا وحين يُتحدث عنه في مباحث القدر والقضاء فهو ملحق من أجل إثبات صفات الله والبحث في قدمها أو حدوثها وكذلك هو ملحق في باب مشكلة الإمامة من أجل قضايا البيعة والطاعة.

 هكذا محاور النص الكلامي الأساسية هي:  [الله ــــ الكون ــــــ الإمام] ، أما الإنسان فهو فرع تابع لهذه المحاور، يبحث فيه من أجل إرادة الله أو نفيها، وحتى مسألة الطاعة والخروج هي من أجل الإمام الذي هو يمثل الله " خليفة الله في الأرض "، وبالتالي فالنص الرّشدي هو خروج عن هذا الترتيب والحصر.

موضوعات الحكمة (الفلسفة) عنده لا تلغي الإنسان أو تبقيه فرعاً بل هو مركز الكون وبه يقع التوازن وبالتوازن " الاتفاق " تتحقق إنسانية الإنسان وسعادته بفضل استغلاله للطبيعة ومنافع المال والاقتصاد والجماليات، وظلم الإنسان أو الحطّ من قيمته وهدر حقوقه هو خرق للتوازن الطبيعي – الاجتماعي ولتعاليم القرآن الكريم .

هكذا بالنسبة لـ" ابن رشد "الأصل في الأشياء " القصدية " التي تتحدّد حسب رغبات الإنسان وحاجاته التي لا تتعارض مع مبدأ " الاتفاق " الذي يحفظ التوازن، وهذا الأصل هو الذي أصّل له فقهياً وبنى عليه اجتهاداته الفقهية " الشاطبي" .

   يستمرّ في شرح دليل العناية فيقول: "معرفة وضع الشرائع ليس تنال إلا بعد المعرفة بالله وبالسعادة الإنسانية والشقاء الإنساني وبالأمور الإرادية التي يتوصل بها إلى السعادة ، وهي الخيرات والحسنات … ومعرفة السعادة الإنسانية والشقاء الإنساني تستدعي معرفة ماهي النفس ؟ وماجوهرها ؟ ، وهل لها سعادة أخروية وشفاء أخروي أم لا  ؟.[4]

يربط بين النظر "الاعتبار" المبني على معرفة مغزى العناية والسعادة الإنسانية التي تتطلب معرفة النفس، إذن مدخل معرفة الله هو فهم "دليل العناية" ولا يكن فهم هذا الدّليل إلا بتحديد غاية الإنسان ورغباته المادية والروحية والجمالية أي معرفة السعادة الإنسانية التي تقتضي " معرفة بالنفس"، هكذا إذا تابعنا ما يقول "ابن رشد" هنا أو في مواضع أخرى من كتبه فإننا نجد أن المدخل الأساسي والمركزي للمعرفة هو "معرفة الإنسان بما هو إنسان"، بالكشف عن شروط توافقه مع الطبيعة وعن منازعه الإنسانية كحرية القول والاعتبار وحقّه في المنافع المادية والجمالية.

 

   النص القرآني الكريم بالنسبة له مبني على دليله الاعتباري الذي يعتبره قطعيًا في مقابل الأدلة الظنية الفقهية والقياسية الكلامية العقيمة، وهذا الدليل مبني على أصلين:

1= العالم بجميع أجزائه يوجد موافقا لوجود الإنسان ولوجود جميع الموجودات.

2= إنّ كلّ ما يوجد موافقاً في جميع أجزائه بفعل واحد ومسدداً نحو غاية واحدة فهو مصنوعضرورة.

        : ينتج عن هذين الأصلين بالطبع أن العالم مصنوع وأن له صانعاً

 

الخلاصة من ذلك أن دلالة العناية تدل على الأمرين معاً، وهو أشرف الدلائل[5] الدّالة على وجود الصانع، وبالتالي لابدّ للحفاظ على الطبيعة والتوازن فيها، يقول: " …إذا نظر الإنسان إلى مافيه ( أي الكون)  من الشمس والقمر وسائر الكواكب ، التي هي سبب الأزمنة الأربعة وسبب الليل والنهار وسبب الأمطار والمياه والرياح ، وسبب عمارة أجزاء الأرض ووجود الناس فيها ، وسائر الكائنات والنبات ، وكون الأرض موافقة لسكنى الناس فيها وسائر الحيوانات البرية وكذلك الماء موافقاً للحيوانات المائية ، والهواء للحيوانات الطائرة ، وأنه لو اختل شيء من هذه الخلقة والبنية لاختل وجود المخلوقات التي ههنا"[6].

  هناك ربط أساسي في تفكير "ابن رشد" بين استخدامه لمفهوم "الأسباب" في فهم الطبيعة والمجتمع، ومفهوم "العناية" في تأكيده على ألوهية الله والرّد على الكلاميين وحلّ كثير من الإشكالات التي كانت إلى زمنه مازالت جدالاً يتسبب في تمزيق الأمة و"تشويش" معتقدها المؤدّي إلى القتل والفتنة، وكذلك مفهوم  " القصد " والوقوف عند "ظاهر النصوص" وإبطال التأويل غير المبني على قواعد تسمح بذلك، أو التصريح به لغير أهله من الخاصة "أصحاب البرهان"، وبناء الأحكام الفقهية على أساس قصديتها في حفظ الدين والإنسان، أي في الأساس "حفظ الإنسان" لأن الدين غايته "الإنسان".

"الأسباب " و " العناية " و " القصد" مفاهيم مركزية في الخطاب الرشدي تتكامل لحلّ الإشكالات المفهومية والتأويلية في الثقافة العربية – الإسلامية من أجل " الإنسان " الذي ينبغي في نظر " ابن رشد " أن يتحرّر من " تشويش المؤولين والكلاميين" وأن يستفيد من خير الطبيعة ويتمتع بجمالها، فهي في الأساس مخلوقة له وهكذا يكون "التوازن" وتتحقّق الغاية والقصد، كما يتحرّر من "فقه فرعي" غارق في الأقيسة الفاسدة ومهمل لـ" القصد " الذي جاءت به الشريعة، ويتحرّر من "قدرية الأشعريين والمعتزلة والجبرية" بفهم أن أفعالنا المنسوبة إلينا يتم فعلها بإرادتنا موافقة مع الأفعال التي من خارج لها وهي المعبّر عنها بـ" قدر الله "، هي أسباب سخِّرت لنا تتسبب في أن نريد أحد المتقابلين ، إذن فعلنا حسب " إبن رشد " ينتج في الأصل عن " إرادة شوقية" تحدث عن تخيّل ما أو تصديق بشيء يتوافق مع الأسباب الخارجية ، ومعرفة هذه الأسباب الخارجية – التي تتميز يالإنسجام والترتيب والتوازن – ضرورية لتكتسب النفس الإنسانية – حسب إبن رشد – الفضائل العملية والفضائل النظرية ، ولن يحصل هذا الإكتساب بـ" المعرفة " النظرية فقط بل لابد من فعل " الخير " كسلوك إنساني  ، وإذا ماتحقق ذلك تكون " السعادة الإنسانية " التي نظّر لها العلماء والفلاسفة المسلمون وهي حلم الأديان والبشرية .

   آراء " إبن رشد " التي تعرضنا لها هي فى جوهرها تطوير بمنهجية مختلفة وبرؤية أكثر عمق لقضايا  "السعادة "  و" الحيلة في دفع الأحزان " و" الخير " التي تناولها فلاسفة الإسلام قبله ، لقد كان " إبن رشد " في هذه المسائل برؤيته " الإنسانية " إن صحّ التعبير إستمراراً  لـ" الثقافة الحزمية الظاهرية " وللثقافة الأندلسية المتفتحة على الثقافات والأديان الأخرى . وكما قلت سابقاً إن الحضارة الأندلسية لاتشكل فقط عامل تأثير في التاريخ الأوربي على المستوى العلمي التجريبي ولكن أيضاً على مستوى القيم الإنسانية والجمالية .

 

    لنتناول أندلسياُ آخر عاش في جوّ هذا التعدد والتنوع الثقافي ، لم يكن من أهل البرهان خالصاُ أو من الكلاميين خالصاُ أوفقيها يقف عند ظواهر النصوص رغم ظاهريته المذهبية ، كان كلّ ذلك ، يصعب حشره ضمن زمرة معينة من الفلاسفة أو الكلاميين أو الفقهاء ، وحتى يصعب أحيانا حشره ضمن ديانة واحدة ، كانت رؤيته أكبر وخياله أغنى ولغته أعمق رمزاً ومعنى ، حلّق به خياله في معنى " الإنسان " فلم يعد ينظر شيئاً إلا هو ، في الله والوجود ، وانطلق منه في التدليل علىالله ، صار وجوده ضرورياً لله وللطبيعة ، لايكون التوازن إلا به ولامعنى للدّين والأشياء والحياة والموت بدونه ، سوف لن نتاولالموضوع في تفصيليته وشموليته هذه فالمقام والقدرة لاتسمحان ولكننا سنقرأ فصّاً من فصوصه فيه تأويل وتخريج حول " المرأة " لم نعهده سابقاً بهذا الإتساع الخيالي والتأويلي.

 

بو زيد بومدين  – دكتور في العلوم الفلسفية ( الجزائر)



[1] ـ أبو الوليد بن رشد ، مناهج الأدلة في عقائد الملة ، تقديم وتحقيق : د.محمود قاسم ، مكتبة الأنجلوالمصرية (القاهرة)ط3(دت) ص 138.

[2] ـ المصدر نفسه، ص150. واعتمدنا كذلك ما ورد في "فصل المقال" ، طبعة الجزائر ، تحقيق: بوعمران الشيخ وجلول البدوي، مؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع ط1982.

[3] ـ المصدر نفسه ، ص 195

[4] ـ المصدر نفسه ، ص 195.

[5] ـ المصدر نفسه ، ص 200.

 

[6] ـ محي الدين بن عربي ، الفتوحات المكية ، ج1ص50.