الرئيسية » اكتشف روسيا! » أ. كريمسكي وقصص بيروتية (الجزء الثاني والأخير)
md_ryf_cover_01.jpg

أ. كريمسكي وقصص بيروتية (الجزء الثاني والأخير)

 

بعد الانتهاء من دراسة وترجمة قصص ستيبان سيميونوفيتش كوندوروشكين، وصدورها في كتاب "حكايات كوندوروشكين – لبنان قبل قرن بريشة روسية"، بتّ أمام مهمّة دراسة وترجمة قصص أغاتانغل كريمسكي البيروتية، التي كتبها بأوكرانية الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وكان كريمسكي قد وصل إلى بيروت العثمانية بحرًا في الأسبوع الأخير من تشرين الأول/ أكتوبر 1896، في بعثة علمية بموجب منحة من مجلس عمداء "معهد لازاريف للغات الشرقيّة" في موسكو، لإنهاء الشقّ العملي في رسالة ماجستير له حول اللهجات الشامية. والملاحظ أن هذا المعهد المتخصص بالاستشراق، الذي تأسس سنة 1815، كان يحظى باحترام كبير وبدعم من الحكومة القيصرية الروسية. وذلك بالتوازي مع توغّل المعهد أكثر فأكثر في دراسة لهجات سوريا وفلسطين. ومن المؤشرات على ذلك جهود زميل كريمسكي، ميخائيل عطايا (1852 – 1924)، الذي هاجر إلى روسيا وفي العام 1873 درَّس اللغة العربية والخطوط الشرقية والشريعة الإسلامية في "معهد لازاريف"، وأعدّ دليلين تعليميين في اللغة العربية المحكية الشعبية واللهجة السورية، ثمّ أسّس مكتبة المعهد ورئسها بين العامين 1874 و1918. وقد كانت لبيروت أهمية خاصة لدى المعهد في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كونها مركزًا لولاية كبيرة تزيد مساحتها عن ثلاثين ألف كيلومتر مربع، وتضمُّ إلى بيروت المدينة، ألوية عكا، طرابلس، اللاذقية، نابلس، وزاد عدد سكانها عن نصف مليون نسمة. ومن الطبيعي أن يدرس معهد متخصص باللغات الشرقية هذه البيئة المعقّدة والمتنوعة من اللهجات، لاسيما بعد التأثير الفرنسي المباشر على بيروت وجبل لبنان بعد العام 1860.

 

ولعل ما يميّز كريمسكي أنه تابع في الاتجاهين اللغوي – اللهجي من جهة، والانثروبولوجي من جهة أخرى، ودرس تأثرهما ببعضهما البعض طيلة حياته. وقد ترك مكتبة علمية كبيرة تضمّنت دراسات وبحوثًا كثيرة بوأته منصب رائد الاستشراق الأوكراني. من تلك الدراسات: تطور الصوفية حتى نهاية القرن الثالث الهجري، محاضرات في القرآن، تاريخ الإسلام في ثلاثة مجلدات، تاريخ تركيا وآدابها، تاريخ العرب والأدب العربي في ثلاثة مجلدات، تاريخ فارس وآدابها، حكمة الدروشة الصوفية في ثلاثة مجلدات، تاريخ الأدب العربي الحديث، نظامي ومعاصروه… بالإضافة إلى عشرات المقالات العلمية وترجمات أشعار عمر الخيام وحافظ وسعدي الشيرازي، والقصص الاجتماعية، عن بيروت وأوكرانيا وتتار القرم وشعوب القوقاز، التي تناولت العادات والأعراف واللغات واللهجات.

قصص بيروتية

كتاب "1897 قصص بيروتية"، هو عبارة عن مغامرة في لا تتلخص بترجمة نصوص لكريمسكي الشاب كتبها في بيروت العثمانية ولم يكتب لها النشر إلا في العام 1906، على صفحات مجلة "المجتمع الجديد" في كييف، بل مغامرة في فتح نافذة على ما فهمه القارئ في روسيا القيصرية عنّا وعن بلادنا قبل 120 سنة، بالإضافة إلى أن القصص ما كان لها أن تبصر النور لو كتبها كريمسكي بالعربية وحاول نشرها في بيروت العثمانية، حيث كان لصحافة بيروت على تطورها النسبي اهتمامات أخرى لا تشمل فنّ القصة الاجتماعية الواقعية. وكان كريمسكي قد نشر بالعربية بحوثًا لغوية، منها مقالة في مجلة "المشرق" البيروتية. من هذا المنطلق يتخطى الكتاب مهمّة ترجمة القصص، أو سرد تفاصيل الحياة اليومية البيروتية، إلى فائدة غير مباشرة، وهو كيف نظرت إلينا المدرسة الاستشراقية القيصرية في تلك الفترة، لاسيّما أن تلك القصص بالإضافة إلى مشاهدات كريمسكي في رسائله إلى أهله، شكَّلت، على مدى العقود الأربعة الماضية، مصادر بحثية لعدد كبير من الدراسات الأكاديمية الاستشراقية في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق ودول رابطة الدول المستقلة.

وتتناول القصص التي تنقسم إلى مجموعتين تفاصيل كثيرة عن المجتمع البيروتي في نهاية القرن التاسع عشر، عاداته في المأكل والملبس، أحاديث الناس في الدين والمعيشة والسياسة، الفوارق الطبقية في المجتمع والعلاقات بين الناس، العمارة والفنون، طرائق التعليم والاختلافات بين الإرساليات، الحضور الروسي في بيروت. وقد استخدم كريمسكي أسلوبًا ساخر حادًّا أحيانًا في السرد، لاسيما في ما يتعلق بحديثه عن الطبقة البرجوازية البيروتية الحديثة النعمة، التي راكمت ثرواتها بعد النزوح الشاميّ الكبير إلى بيروت، إثر أحداث العام 1860. ولا نبالغ بقولنا إن قصص أغاتانغل كريمسكي البيروتية، تعتبر وثيقة فريدة من نوعها في في ملامسة تفاصيل حياتية كثيرة من رصدتها عينا كريمسكي المحترفتان، بدءا من المنزل والطفل والكتاب، وصولًا إلى المدرسة والمعهد. وقد عكس كريمسكي على ألسنة أبطال قصصه الجو السياسي الاجتماعي العام الذي كان سائدًا في تلك الفترة. ولا بد أنَّ الكثير مما تضمنته القصص هو من المرويات التي وصلت إلى كريمسكي وليس مما عاينه شخصيًّا، ولاسيَّما تلك التي تتعلق بمذبحة العام 1860 وهجرة المسيحيين من مناطق مختلفة، وعلى رأسها دمشق، نحو بيروت. وقد قسّم أ. كريمسكي قصصه البيروتية إلى مجموعتين هما "فساد الأخلاق" و"سليمانية".

1.      فساد الأخلاق: تضمنت هذه المجموعة ثلاث قصص في سياق واحد، هي "صاحب العيد"، "الشيخ جمَّال"، "باللو". ففي قصته "صاحب العيد" يركِّز كريمسكي بكثير من السخرية على توجُّهات أنشطة المبشِّرين السياسية في الشرق. ولعله النص الوحيد الذي يحكي بجرأة عن الإرساليات، بدءًا من التلميذ وعائلته وصولًا إلى الإرسالية ونشاطها. ويعرِّفنا كريمسكي في هذه القصة على البيت البيروتي وحديقته، وعادات ربَّته، فيدخلنا إلى المطبخ متصدِّيًا لكيفية الطهو والخَبْز، والغَسْل.. وكيفية الاجتماع العائلي إلى مائدة الغداء، بالإضافة إلى الكثير من الملحوظات المتعلقة بتربية الأطفال والعلاقات بين الجارات.  أما قصَّة "الشيخ جمَّال"، فتلفت نظر القارئ إلى العلاقات المختلفة بين طبقات المجتمع البيروتي، وتركز رأس المال الأجنبي في المدينة – المرفأ مترافقًا مع سطوة الثقافة الفرنسية. ويجول فيه كريمسكي بين لهجات البيروتية المختلفة تحت سقف واحد، حيث لم ينجم عن تلاقح لهجاتها لهجة بيروتية واحدة بعد؛ متوقفًا عند سلسلة من تعقيدات تلك الفترة الاجتماعية والثقافية السياسية. وفي قصَّة "باللو"، يصف كريمسكي بسخرية انتقادية أجواء الطبقة الأرستقراطية البيروتية، المتكوِّنة من المستغلين الجشعين والصيارفة والمرابين والمرتشين، مظهرًا كرهه لها.

2.      سليمانية: المجموعة الثانية، عبارة عن قصَّة طويلة بعنوان "سليمانية، أو سليمان في تنورة"، يرسم فيها كريمسكي صورًا من الحياة اليومية في معهد بيروتي أرثوذكسي للفتيات. ويحكي عن جوانب من العملية التعليمية والعلاقة بين إدارة المدرسة والمعلمات الروسيات اللواتي ينتمين إلى "الجمعية الفلسطينية" من جهة، وبين المجتمع الأرثوذكسي المحلي من جهة أخرى. ولعل أهم ما يورده كريمسكي في هذه القصة: مشهد العربجي والحمَّال الذي يخرج منه بنتيجة كان مقتنعًا بها، ألَا وهي أنَّه لا عداء مستفحلًا بين العرب مسيحيين ومسلمين على أساس الاختلافات الدينية، وأنَّ الاصطدامات الفردية التي تنمُّ بتعصبٍ مذهبيٍّ إنَّما تنتج عن السياسة. فالباشوات الأتراك والقناصل الأجانب، جنبًا إلى جنب، هم الذين يعملون على تغذية ذلك التعصب باستمرار. كما يلفت كريمسكي في القصة إلى النظام النقدي المعقد في بيروت العثمانية، وجملة من ملامح النظام التربوي فيها.

ويرى الباحثون أنَّ كريمسكي القاصَّ الذي عالج جملة من القضايا الاجتماعية الاقتصادية والسياسية عبر قصصه البيروتية، كان أقرب إلى الواقع من كريمسكي الباحث، الذي كان شديد الحذر، بحيث فاتته أمور تتَّصل بما يختلج في المجتمع البيروتي من حراك سياسي اجتماعي مناوئ للسلطات التركية. وقد خطَّ بعد قصصه البيروتية طريقًا جديدًا في أدب القصة القصيرة، تمثل بالقصة الاجتماعية. وكان أن تابع هذا الخط بعد عودته إلى روسيا القيصرية وفي جعبته عدد من القصص، فتوَّج طريقه هذا برواية له تحت عنوان "أندريه لاغوفسكي".

من جهتي، وأثناء العمل على دراسة وترجمة قصص كريمسكي البيروتية، وإلى جانب دراسة سيرته، والجوانب التي لا يعرفها عنه القارئ العربي عنه، فقد تلخّصت منهجية البحث بعد الترجمة بالمقارنة للوقوف على مراد كريمسكي من ملحوظاته الاجتماعية، ثم التفصيل بين ما اعتبره "حقيقة مجردة" وبين كان كان واقعًا بالفعل، ثم إثبات ذلك حيث اقتضى الأمر تحت عنوان تحقيق المخطوط. فقد قال كريمسكي عن قصصه "إن هذه القصص تحكي عن بيروت ولا تتضمَّن أيَّ اختلاق أو تخيُّل. إنها الحقيقة مجرَّدة، لكنني، وكيْ أجعل ملحوظاتي الاجتماعية والإثنوغرافية أكثر تشويقًا للقراء حِكتُها قصصًا وصببتها في قالب أدبي جميل".

فبعد دراسة القصص بالأوكرانية والمقالات والدراسات التي تناولتها سوفياتيًّا بالروسية والأوكرانية بعد العام 1971، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991، وبعد ترجمة القصص إلى العربية والتفريق بين ما يتوافق عليه الرحالة والمؤرخون والباحثون للربع الأخير من القرن التاسع عشر مع ما ذكره كريمسكي فيها، وبين ما انفرد فيه كريمسكي، أو عبّر فيه عن رأي خاص أو حمل نفسًا استشراقيًّا…، كان لا بد لي من العودة إلى عدد كبير من المراجع التي تناولت تلك الحقبة للوقوف على عدد كبير من الملحوظات الانثروبولوجية الاثنوغرافية والمقارنة بينها وبين ما ذكره كريمسكي. ولعل هذا الجانب من البحث، والذي احتل حيّزًا في الهوامش والتعليقات الكثيرة، استدعى جهدًا أكبر من الترجمة نفسها ودراسة القصص بلغتها الأم. في المحصِّلة، وبعد بذل هذا الجهد في ترجمة القصص وتحريرها، إلى جانب التقديم لها والتعليق عليها ووضع الهوامش والحواشي حيث اقتضى الأمر، لا أدَّعي أنها خرجت بلا شوائب، خصوصًا أنه كان من الممكن التحقُّق من بعض الأمور التي أوردتها بحذر، وذكرتُ ذلك في الكتاب حيث استلزم الأمر. تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ هذا العمل لم يحظ، مع الأسف، بمنحة بحثية فآثرتُ المضي فيه بما تيسَّر لي جمعه من مراجع. وآمل في الوقت عينه أن أكون وُفِّقتُ في مسعاي إلى خدمة نصوص أ. كريمسكي بدقة وأمانة، مع تقليص هامش الخطأ والسهو ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. وآمل أن أكون قد أضفت جديدًا إلى المكتبة العربية عبر تقديم عالم لغوي كبير ورائد في الاستشراق بمكانة أ. كريمسكي من خلال نصوص أصلية له نشرها في حياته.

وهكذا، بعد مرور عام ونصف العام على بداية هذه الرحلة الشيّقة والصعبة في آن، لاستكشاف عالم كان مجهولًا بالنسبة إلى القارئ العربي، وللكشف عمّا تركه أكاديميون وفدوا إلى منطقتنا من روسيا القيصرية على عتبة القرن العشرين، فتركوا نصوصًا في فنّ القصة القصيرة، وإثر ملامستي لمدى الاهتمام الذي حظي به الكتابان من قبل أساتذة وزملاء ومتخصصين في العلوم الاجتماعية، آمل أن يفتح هذا الجهد المتواضع الباب أمام دراسات وترجمات أصيلة كثيرة مماثلة، عن الروسية وعن لغات الاتحاد السوفياتي السابق، لا تزال المكتبة العربية تفتقر إليها.