الرئيسية » حضاريات » سمات الأصالة في الثقافة الأرمنية – مقابلة

سمات الأصالة في الثقافة الأرمنية – مقابلة

تشرفت النسخة العربية من موقع روسيا-العالم الإسلامي بالتحدث إلى عالِم الاقتصاد والثقافة، مدير فرع الأكاديمية الروسية للعلوم الطبيعية في جمهورية أرمينيا، البروفسور مارتيك غسباريان.

رئيس تحرير موقعنا عضو أكاديمية التعليم الروسية ، البروفسور سهيل فرح، طرح عليه بعض الأسئلة فأجاب إليها بكل سرور.

1- مارتيك يوريكوفيتش، أنت منكب منذ ما يقارب نصف قرن من الزمان، بالإضافة إلى العديد من الأنشطة العلمية في مختلف المجالات، على دراسة القضايا المتعلقة بتشكل هوية الشعب الأرمني، أو الهوية الثقافية الأرمنية. ما هو الشيء المميز لثقافتكم؟

الشعب الأرمني واحد من أعرق شعوب العالم، وهو الشعب الذي تمكن من الحفاظ على وجهه الثقافي المميز، ففيم يكمن سر كفاحه لتأكيد “الأنا” الأرمنية، يا ترى؟ وما هي المشاكل الرئيسية التي تواجهه في هذه اللحظة التاريخية؟ فالماضي يؤثر على اليوم.

على السؤال الأول سوف أجيب مجازا بعض الشيء. فكما تشهد الملحمة الأرمنية، حُصنت الهوية الأرمنية وحُفظت داخل أسوار قلعة المعرفة الأرمنية وكيفية تصور الأرمن للعالم. كل حجر من حجارة هذه القلعة (الأسرة والتقاليد والإيمان والمعرفة والوحدة في أكثر اللحظات صعوبة، ومعايشة الأرمن للكثير من الكوارث التاريخية) يحمي الـ”أنا” الأرمنية ويقوي الأصالة والهوية.

لم يدفن الأرمن بعد من سقط من بينهم، لا أبناءهم الأبرياء ولا كبار السن فيهم من الرجال والنساء. لا بد من فهم هذا سواء من وجهة النظر الفلسفية أو من وجهة النظر الواقعية.

 علاوة على ذلك، لم ينل جماعة تركيا الفتاة حتى الآن القصاص اللازم على ما ارتكبوه. وكما يقال، ليس هناك مغفرة من دون توبة! ولا ثقة من دون مغفرة! ومن دون ثقة، لا يوجد حسن جوار!

إن المشكلة الرئيسية ليست فقط في الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، ولكن أيضا في معالجة العواقب الاستراتيجية للحزن القاسي للشعب الأرمني، ألا وهو فقدان المساحة الحيوية – الوطن ومجال العيش، والخسائر المادية والثقافية، والصدمة النفسية، وتدمير قيادة الشعب الأرمني، والمجتمعات المحلية المنظمة والهياكل الوطنية، والخسائر البشرية.

ولذلك، فإن الحق في المطالبة بالتعويضات ورد الممتلكات مطروح الآن على جدول الأعمال.

وهذا يعني أن الشعب الأرمني بحاجة إلى التوقف عن أن يقيّم الماضي عاطفياً وعن أن ينتحب عند أول ضرورة. من المهم بمكان اليوم أن يتجمع الخبراء والباحثون من ذوي الدرجة العالية وأن يتعاملوا مع القضايا القانونية وغيرها من القضايا المطروحة لحلها.

2- ما هي الدروس التي يمكن أن تتعلمها النخبة الأرمنية بعد الحضور الطويل لروح الحضارة الروسية في الهوية الأرمنية خلال زمن روسيا القيصرية والسوفياتية والحديثة؟

العلاقات الأرمنية الروسية لها تاريخ طويل. لقد قطع شعبانا طريقًا طويلًا جنباً إلى جنب، الأمر الذي يمنحنا فرصة التعلم من الأخطاء. لقد بدأت صداقة الأرمن والسلافيين قبل ظهور إمارة كييف الروسية بفترة طويلة.

واستمرت المشاركة النشطة للأرمن في حياة روسيا في العصر الإمبراطوري. ففنان “غرف ناريشكين” (Naryshkin Chambers) الأمير الأرمني إيفان (بوغدانوف) سالتانوف Saltanov  وهو نفسه أستواتساتور سالتانيان  Astvatsatur Saltanyan من حصن “دجوغ” Dzhug بإقليم ناخيتشيفان Nakhichevan   في أرمينيا، صمم وأنشأ وقدم “عرش الماس” إلى القيصر أليكسي ميخائيلوفيتش رومانوف. ويعتبر إيفان سالتانوف أول مصمم في العالم، وقد أسس أكاديمية الفنون في موسكو وعين من قبل القيصر بطرس الأكبر مثابة كبير المهندسين أو المهندس المعماري الأول لمدينة سانت بطرسبرغ.

وهناك حقيقة مثيرة للاهتمام معروفة أيضًا حول أنه كيف كتب ألكسندر فاسيليفيتش سوڤوروف في أحد خطاباته في عام 1780، وهو جنرال المستقبل في الإمبراطورية الروسية: “أنا ذاهب لأحرر كاراباخ – وطن أجدادي”.

وبأمر من الإمبراطورة كاثرين الثانية، عين المارشال العام غريغوري ألكسندروفيتش بوتيومكين (1739-1791) في منصب القائد العام للقوات في القتال لتحرير أرمينيا الشرقية، بما في ذلك ناغورني كاراباخ وكاراباخ السهل، وكان الأكثر نفوذاً بين الجمهور الأرمني في روسيا، والرجل المفضل لدى الإمبراطورة، والذي كان متوقعاً أن يعين قيصراً على أرمينيا وعاصمتها باكوراكرت Bakurakert  كجزء من الإمبراطورية الروسية.

وشارك في حرب التحرر من النير الفارسي قادة عسكريون روس من أصل أرمني مثل الجنرال ارجوتينسكي  (Argutyan)، والأدميرال لازاريف  (Lazaryan)، والجنرالات: الأخوين بيوتر وأرمِن (رومان) باغراتيون Bagration (بقرادوني) (Bagratuni)، وبافل تسيتسيانوف  Tsitsianov (Tsitsanyan)، وإيمانويل Emmanuel (مانوكيان) وآخرين.

ولسوء الحظ، وعلى الرغم من الروابط الوثيقة التي تحدثت عنها أعلاه، فإن الدبلوماسية الروسية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بدأت تظهر في كثير من الأحيان كدبلوماسية معادية للأرمن.

لقد توغلت سياسة الرَوسَنة الشاملة في منطقة القوقاز ككل في عدد من أعمال القمع المنظم الموجه ضد الأرمن، مرفقة بالعنف الفظ والمتواصل.

كان شعار السياسة الروسية تجاه أرمينيا هو جملةً وردت على لسان “لوبانوف روستوفسكي”: “نحن لا نريد بلغاريا ثانية”، وهو ما خدم أكثر من أي شيء آخر السلطان عبد الحميد الذي أعلن بدوره شعار “أرمينيا بلا أرمن”. فالدبلوماسية الروسية أطلقت يده في اعتماد سياسة الحديد والنار.

علاوة على ذلك، ترتب على روسيا خلال السنوات الـ500 الماضية، كما هو معروف، القتال مرارا (12 مرة) ضد تركيا (10 مرات منها كان الانتصار فيها من نصيب روسيا). ودائما، على الرغم من النتيجة، كان يتم التنازل على طاولة المفاوضات عن جزء من أراضي أرمينيا التاريخية.

وبحضور الوحدات العسكرية الروسية، تم القضاء على جزء من الأرمن في أرمينيا الغربية وتهجير جزء آخر منهم، ولم يقدم هؤلاء الجنود أي مساعدة للأرمن.

وفي ظل تراجع الجيش الروسي في عام 1915، تمت تصفية دولة فاسبوراكان Vaspurakan الأرمنية وطرد  الشعب الأرمني من دياره إلى الشمال.

وفي الفترة السوفياتية، اصيبت السياسة المعادية للأرمن بانتكاسة جديدة.

فمنذ عام 1917، سحب البلاشفة القوات من أرمينيا، فما كان من القوات التركية إلا أن احتلتها وأعلنت كذبا وبهتاناً حق أرمينيا الغربية في تقرير المصير.

وفي 17 مارس 1921، وقع البلاشفة والكماليون على ميثاق لينين – أتاتورك الذي أصبح أحد الأركان الأساسية للعلاقات الأرمنية الروسية، التي افترض أن تظهر عواقبها في السنوات اللاحقة.

تجدر الإشارة إلى أنه لا الحكومة الكمالية، ولا الحكومة البلشفية لم تكن في تلك السنوات خاضعة للقانون الدولي، بل كانتا مثابة منظمتين غير حكوميتين. وبناءً على ذلك، فإن هذه الاتفاقية غير ذات أهمية قانونية – وبالتالي، فإن حدود المنطقة في الوقت الحالي تتطلب مراجعة عاجلة وفقًا للقانون الدولي.

وهكذا، كان حلف لينين – أتاتورك يهدف إلى إحياء تركيا وتدمير اي اثر أرمني، وهو ما استمر في شكل دعم البلاشفة المتواصل للحكومة التركية بكمية كبيرة من الأسلحة والزي العسكري والذهب، ومصالحة الغزو التركي لكارس، وضم بقية أرمينيا، وتدمير الدولة الأرمنية، وخلق جمهورية أذربيجان السوفياتية جزئيا على حساب الأراضي الأرمنية، وتدمير التراث الثقافي الأرمني، وتشويه التطور التاريخي للشعب الأرمني، وقمع الثلاثينيات.

على الرغم من هذا، استمر الإيمان الأرمني بالصداقة مع الروس. ومع بداية الحرب العالمية الثانية، ظلت أرمينيا هي الجمهورية الأصغر في الاتحاد السوفياتي (1.1 ٪ من سكان الاتحاد السوفياتي). ومع ذلك، انضم أكثر من 500 ألف شخص أرمني إلى الجيش السوفياتي. ونصفهم لم يرجع من الجبهة. فيمكن مقارنة خسائر الأرمن السوفييت بخسائر الجيش الأمريكي أو جيش بريطانيا (أكثر من 300 ألف).

قال مارشال الاتحاد السوفياتي جيورجي جوكوف: “في الانتصار على الفاشية، يمكن القول إن الأرمن، بدءا من الجندي النفر وانتهاء بالمارشال، خلدوا أسماءهم كمحاربين شجعان ونالوا مجداً لا يخف وهجه”.

وجاء زلزال سبيتاك مثابة ضربة قوية لأرمينيا. وستبقى مساعدة شعوب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، والعالم كله، إلى الأبد في أفئدة الشعب الأرمني.

واليوم، تظل أرمينيا الحليف الرئيسي للاتحاد الروسي في المنطقة، وربما في جميع أنحاء العالم. وإن دعم السياسة الخارجية الروسية من قبل أرمينيا أقوى بما لا يدعو إلى أي شك حتى من دعم بيلاروسيا أو كازاخستان (لنتذكر التصويت في المنظمات الدولية في شأن شبه جزيرة القرم أو العملية الإنسانية المشتركة غير المسبوقة في سوريا). ولكن لسوء الحظ، اعتبر العديد من السياسيين الروس هذه السياسة من جانب أرمينيا أمرا مسلما به وتحصيل حاصل. ومع ذلك، أعتقد أن الثورة المخملية في أرمينيا ستفتّح أعين السياسيين العميان “استراتيجياً” وستنقل العلاقات الأرمنية الروسية إلى مرحلة من الاحترام المتبادل الحقيقي لسيادة كل من البلدين، وإلى التفاعل الفعال في المجالات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والثقافية والسياسية

3- هذا السؤال يتعلق بالخيال العلمي، وهو هكذا: بعد التغيرات العاصفة في وجهة التطور في أرمينيا الحديثة وبعد الثورة المخملية في ربيع هذا العام، هل يمكنك التنبؤ بسيناريو تطور أرمينيا حتى نهاية هذا القرن؟

أنت تعرف أن إعطاء التوقعات أمر سيء. فهو يكاد لا يكون منطقيا، لأن من الصعب حتى التنبؤ بما يمكن أن يحدث بعد دقيقة واحدة، خاصة في العالم الحديث، حيث تحدث التغيرات بسرعة هائلة. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقال على وجه اليقين هو أن الحاجة للتغيرات التي حدثت كانت كبيرة جدا. فالدولة الأرمنية لا تزال تتطلب زخما خطيرا في مجال التنمية. فإذا كانت التطورات ستؤول إلى مساعدة الناس، فيمكنني القول إن القرن الحادي والعشرين يمكن أن يصبح حقبة هامة للأرمن، لأن شعبنا اليوم أصبح مثابة رأس المال الأكثر قيمة. وكما نعرف من تاريخ أرمينيا، كان الإنسان هو أساس انتصاراتنا.

  • شكرا لك على الإجابات المثيرة للاهتمام والمفيدة والغنية بالمضمون.

  ترجمة: د. ميشال يمّين

اترك تعليقا