الرئيسية » سياسة واقتصاد » الشرق الأوسط والتغيير المطلوب – صحيفة الرأي

الشرق الأوسط والتغيير المطلوب – صحيفة الرأي

د. شهاب المكاحلة

في مؤتمر عُقد في براغ قبل أيام، كان جُل الحديث عن الصراع في البلقان وفي الشرق الأوسط بأنهما قنبلتان موقوتتان لصراع عالمي. فكان حديثي أنَ الربيع العربي ونشوء تنظيمات إرهابية تقليدية وغير تقليدية في عدد من مناطق الشرق الأوسط، تمَ تفعيل بعضها والإبقاء على الآخر غير مُفعل حتى الآن بانتظار ساعة الصفر الكبرى، إضافة إلى إنهاء الاتفاق النووي الإيراني مع الدول الكبرى، كل ذلك أدى إلى صراع الزعامات في العالم وفي الشرق الأوسط خصوصاً. اليوم، بتنا نشهد صراعات متعددة الرؤوس. فما عاد الصراع الشرق أوسطي بين العرب وإسرائيل هو المعضلة الأولى بل بات الصراع الإيراني مع عدد من دول الخليج العربية بمثابة صراع أكبر وقد يتم اللجوء إلى إسرائيل كحليف ضد إيران فيما بعد. والمفارقة هنا تكمن في أن ما يُمثل لبلاد الشام والعراق تهديداً هو الصراع مع اسرائيل لكن ما يُمثل التهديد بالنسبة للسعودية والإمارات وغيرها من الدول الخليجية هي إيران. وهنا اختلاف مصادر التهديد أدى إلى اختلاف طرق التعامل مع المخاطر كلُ حسب أولوياته. الصراعات في الشرق الأوسط هي أكبر بكثير من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أو الصراع العربي الإسرائيلي، كما أن ميكانيكية بُنيوية الصراعات آخذة في التغيُر. فعلى سبيل المثال، تميل الحكومات العربية مشاركة مصالح معينة مع إسرائيل نتيجة للواقع السياسي الجديد وهنا لا نعني حصراً الدول التي ترتبط بمعاهدة سلام معها. لقد خرجتْ علينا مراكز الدراسات والأبحاث الغربية بمقترحات ومبادرات إقليمية لحل الصراعات في الشرق الأوسط. لكن جميع تلك المبادرات تفتقر إلى التحليل الذي يتعامل مع التداعيات الإقليمية، والعواقب غير المقصودة، وآثار التحركات السياسية الجديدة والتي تشمل تحالفات من نوع آخر. كما أنه يصعب التنبؤ بالآثار المتتالية لهذه التحولات في جميع أنحاء المنطقة. تحدثت في المؤتمر عن الصراعات في منطقة الشرق الأوسط التي يمكن تصنيفها وفق ثلاثة فئات: النزاعات الرئيسة والثانوية والشاملة. وتظهر النزاعات الرئيسة إلى أنها أكثر الصراعات المزعزعة للاستقرار في المنطقة، مع وجود ميزة رئيسة فيها أنها تنعكس على الدول الخارجية. وتشمل هذه: الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني والبرنامج النووي الإيراني والصراع في ليبيا وسوريا واليمن…

  أما النزاعات الثانوية فهي تلك الصراعات المُجمدة أوالتي ليس لها عواقب بعيدة المدى أو مُزعزعة للاستقرارخارج حدودها مثل الصراع على الصحراء الغربية والصراع بين السودان وجنوب السودان أو بين السودان وغيرها من الدول المجاورة والحكم الذاتي للأكراد. أما الأزمات الشاملة فهي التحديات الأساسية التي تؤثرعلى مختلف الأطراف الفاعلة في المنطقة، والتي تسبب أكبر قدر من عدم الاستقرار الإقليمي – وفي بعض الحالات تؤثر على العلاقات الدولية مثل الأزمات الإقليمية التي تؤدي إلى النزوح القسري وقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والتنافس بين القوى العظمى من أجل التأثير الإقليمي وقضايا الطاقة والاستقرار الاقتصادي وتحديات البيئة والمياه والتنافس السني الشيعي الإقليمي وارتفاع حدة الإرهاب والتطرف وانتشار ظاهرة الإسلام السياسي والتطرف الديني العالمي والشعبوية. بناء على ما تقدم، يتغير ميزان المصالح لدول منطقة الشرق الأوسط ويؤثر على تحالفاتها الداخلية والخارجية عدة معطيات منها الزعامة والنفوذ الإقليمي والدولي وهو ما يفسر تنافس كل من تركيا وإيران والسعودية وإسرائيل على قيادة الشرق الأوسط. كما أن لعبة التوازن العالمي بين روسيا والولايات المتحدة أثَرت في طبيعة التحالفات الدولية والإقليمية مع قوة جذب روسي لإيران وتركيا والصين والهند. كما أن الصراع الذي انتشر في المنطقة على أساس الخارطة السُنية والشيعية بات أكبر من الصراع العربي الإسرائيلي نظراً لمحاولات الغرب مَدَ جسور التواصل بين العرب وإسرائيل عبر النشاطات التجارية ثم الثقافية والرياضية أولاً ثم السياسية لاحقاً. لقد بات واضحاً أن الحكومات العربية تدرك أنها تتشارك مصالح معينة مع إسرائيل نتيجة للواقع السياسي الجديد بما في ذلك تصاعد التهديدات التي يعبترها كلا الطرفين تهديداً لمصالحهما المشتركة مثل الأنشطة الإرهابية المستمرة. لعل ساعة الصفر قد اقتربت نحو خارطة شرق أوسطية جديدة غير مبنية على الحدود القديمة بل على المصالح المشتركة حتى وإن اختلفت القواسم المشتركة.

صحیفة الرأي 2018/6/11

اترك تعليقا