الرئيسية » حضاريات » أمام تحديات الخصم والطبيعة (1) – د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة (1) – د. سهيل فرح

مفهوم البطولة

هي ظاهرة جماعية أو مأثرة فردية تحمل طابعًا خارق العادة في المسار التاريخي للشعوب. وتبقى تلك الظواهر أو المآثر محفورة في الذاكرة الجماعية للأجيال المنتمية لجماعات ثقافية أو حضارية متنوعة. بعض البطولات تبقى متوهّجة الحضور في الذاكرة التاريخية للشعوب لقرون وقد تمتد أيضًا لآلاف من السنين، وتتحوّل إلى نماذج يقتدى بها في الحالات الحرجة من المسارات الصعبة التي يمر فيها الشعب أو ذاك. هناك بعض المظاهر البطولية الجماعية التي تشكّل مثالاً يقتدى به للبشرية بأجمعها. كمثال الأبطال الثلاثمائة الإسبرطة من الموروث البطولي الإغريقي القديم، أو البطولات الخارقة التي قام بها دعاة الأديان التوحيدية الثلاثة في المرحلة المبكرة من نشر رسالاتهم الروحانية، أو التضحيات البطولية الكبرى التي قام بها الفيتناميون في ظل الغياب الصارخ لتوازن القوى بينهم وبين الفرنسيين أو الأميركيين في فترات متنوعة. والبطولات الجماعية هي في الحقيقة حالات نادرة الوقوع في تاريخ البشرية على عكس التواجد والتجدّد الدائم للبطولات الفردية في كل الأزمنة والأمكنة.

تحديات قساوة الطبيعة

تاريخ الروس وحاضرهم مليء بصفحات واسعة و البطولات الفردية و الجماعية و مشبع أيضا بالمشاكل و الانكسارات أمام تحديات الطبيعة و الأعداء أو الخصوم.  يعيش الروسي في ظلّ مناخ طبيعي شديد التنوّع والقساوة. فبين شماله وجنوبه هناك مساحات شديدة الاتساع في الجغرافيا، وفي تفاوت الدرجة المئوية من حيث الحرارة. فقد يتصالح الجسم الإنساني مع مناخ جنوبه لاعتداله النسبي، إلاّ أن التعايش مع مناخ كل بقاع شماله بما في ذلك سيبيريا قد لا يتحمّله أي امرأ. فهناك يعيش الروسي في تحدي يومي يكاد يصل إلى الأربعة والعشرين ساعة في اليوم وفي فترة قد تمتد إلى الثمانية أشهر في السنة. أمام هذه المصاعب الكبرى تحدث الكوارث المتنوعة وتجترح المآثر البشرية في عملية تحدي مناخات الطبيعة الشديدة البرودة… وهنا لا أتوقف عند تلك المآثر التي يقوم بها مجمل العاملين في الريف والمدن وقطاعات الإنتاج عموماً، فهي مآثر يومية لا تحصى ولا تعدّ.  حيث يعجز إي إنسان آخرلا يعيش في ذلك المدى أن يقوم ولو بالقليل اليسير منها. إلاّ أن ما يدهش المرء المراقب لسكان تلك البقاع هي تلك الطقوس الدينية والألعاب المتنوعة التي أضحت جزءاً من طباعهم وسلوكياتهم الحياتية، والتي تمارس في ظل درجات حرارة قد تصل أحياناً إلى ما دون الأربعين درجة تحت الصفر… فالأجنبي الذي يرى تلك الصورة عن كثب أو حتى من بعيد، يشعر بنوع من الرعب الفيزيولوجي والنفسي في داخله، عندما يجد الروسي هناك يفرح ويمرح ويتجدد روحياً في ممارساته للطقوس الدينية المسيحية والإسلامية والشامانية والبوذية وغيرها.

 والفلاح والعامل والسائق والمهندس وعلماء الجيولوجيا واليابسة والبحار والفضاء وغيرهم الذين يعيشون خارج الروسيا، ويعملون في قطاعات الإنتاج المتنوعة في ميادين الإنتاج الزراعي والصناعي والبحث العلمي يقشعر بدنهم حين يرون الناس هناك (أي في الأصقاع الروسية الباردة) كيف يبنون البيوت ويشقون الطرقات و يقتحمون عباب المحيطات المتجمدة وبواطن الأرض في ظل ظروف هي أبعد ما تكون عن الحد الأدنى من الراحة. واحدة من الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر هي ظاهرة استخراج الفحم الحجري طوال اليوم وفي مناخ تصل درجته المئوية الى الخمسين دون الصفر. فهذا ما يحدث في جمهورية يقوتيا ووهذا ما يحدث أيضا في قطاعات مماثلة متنوعة من الإنتاجفي الجمهوريات والمناطق الروسية المتعددة.

ولكون ثنائية تحدي الطبيعة والخصم دائمة الحضور في زمان ومكان الروس في الجغرافية السياسية للأوراسيا، فإننا نلمس عدد من الظاهرات البطولية التي تمتد تقريبا على كامل الجغرافية الروسية.

وسع هذا الموضوع في التاريخ والأحداث والأدبيات المختلفة، لا يسمح لنا بالتوقف عند كل حالة على حدى. لذا فإنّنا سنختار نماذج لبعض الحالات المرتبطة بمناخات معينة وبإنجازات وبحروب معينة، أو بمباريات رياضية متنوعة ونستقي منها بعض الأمثلة من هنا و هناك ، دون أن ندخل في تفاصيلها، لنبيّن كم هي مميزة، لا بل جبارة تلك التحديات التي ترتبط بعنفوان روح البطولة الروسية، والتي تكاد تطبع المزاج القومي الروسي ككلّ بطابعها. وسنتوقف، كما نرى، عند بعض نقاط قوّتها وضعفها، عند موجات التفاؤل المنتشي بإيجابياتها وانتصاراتها، وعند موجات التشاؤم الجاسمة على شخصيتها في لحظات انتكاساتها وتقوقعها على ذاتها.

الطبيعة ووجها معادلة القبح والجمال

الحرب اليومية موجهة من قبل الطقس على جسد الروسي التي يحاصره البرد القارس طوال ما يقارب الثمانية أشهر في السنة، وعليه أن يعمل المستحيل من أجل تدفئة منزله و تأمين قوت عيشه. وهذا بحدّ ذاته يشكل التحدي الدائم له في كل تفاصيل يومياته، وينعكس على مجمل ألفاظ وسلوكيات يومياته. من هذا المناخ تتكون معادلة الجمال والقبح، النور والعتمة، الانتصار والهزيمة في  القيل و الفعل، في الطابع القومي الروسي.

 من بياض الثلج والجليد، البلوري – الناصع، والبارد القارس، من الرياح والنسائم المتنوعة في درجات حرارتها التي تلفح شطآن الروسيا بمحيطاتها وأنهارها وبحيراتها وغاباتها وقراها ومدنها، التي تزود الجسم الروسي بالأوكسيجين النقي وغيره منها كلها تنسج أجمل الأشعار والكتابات واللوحات والرقصات والروحانيات وتجترح أكبر البطولات. ومنها أيضاً في شقها غير المريح ومعه ظروف المعيشة الشديدة الصعوبة تبرز الألفاظ الجافة والسلوكيات الرعناء بالكلام والأفعال  الصادرة من المنطقة غير الصحية في وعيه ولاوعيه، والركون أحياناً إلى الوحدة والاكتئاب وشرب الكحول وتعاطي المخدرات والتقوقع ضمن الدائرة المنهزمة في الشخصية الإنسانية.

من جانب آخر ونظراً للحروب المتنوعة الأشكال والأهداف، العسكرية والنفسية والاقتصادية والتكنولوجية والاكسيولوجية التي لا تنتهي في الحاضرة الروسية والمتأتية بعض يسير منها من الداخل ومعظمها من الخارج، ورغم مرور شعبه في حروب أهلية عديدة، تبرز بقوة إرادة الحياة وتحدي الحرب والموت والعداوة ومجابهة كل أنواع العقوبات. تبرز قوة العمل الهادفة إلى إعادة إعمار كلّ ما تهدّم من الحجر والبشر. تستنفر الطاقة الداخلية الروسية لتعيد للدورة الاقتصادية والتقنية الدور المطلوب منها من أجل إنهاض الاقتصادات المدينية والريفية. وكل متتبّع للطابع القومي الروسي، يجد بعد الحروب وكل أنواع الضغوطات والعقوبات، ان الحدود الروسية تتوسع، وان التكنولوجيا تتطور، وان عجلة الحياة الاقتصادية تدخلها ديناميكية جديدة. وان مجمل الدورة الدموية والحالة النفسية والثقافية وحتى البدنية الروسية نشهد حراكاً متنامياً ومنتجاً ومفاجئ النتائج للقريب و البعيد  في أكثر من ميدان.

الروسي أمام شعور الانكسار في منعطفات التاريخ

ولعلّ روح التضحية والبطولة في الطابع القومي الروسي، لم تكن محصورة فقط حيال الروس نفسهم، بل إنها ظهرت وفي حقبات متتالية من التاريخ، حيال إخوانهم في الانتماء الإتني: السلاف، وإخوانهم في الإيمان: المسيحيين الأرثوذكس، وإخوانهم في الانتماء الإيديولوجي: السوفييت، وحتى الانتماء الأممي: مجمل حركات التحرر الوطني في القرن العشرين… وصولاً إلى تضامنهم الإنساني مع إخوانهم في الإنسانية الكوبين والفيتنامين والسوريين والروس  الموزعين في بلدان الشتات وغيرهم.

وهناك فكرة نمطية تتردد دائماً لدى الغربيين ومعهم المغربنين أنفسهم داخل روسيا، مفادها بأن الروسي لا يجيد إلاّ الركون إلى الخمول اليومي وصنع الأحلام دون العمل الجاد من أجل تحقيقها. وعادةً ما يستقوا بشكل مجتزأ بعض الكلام من الداخل أو الخارج و حتى من كتابات الكبار من الكتّاب الروس. فبوشكين مثلاً، الذي يعتبر ايقونة الشعر الروسي وأحد أساطينه الكبار في العالم، استعمل في بعض أسفاره وكتاباته النثرية كلمات “الروس الكسالى وغير الطموحين”.  مثل هكذا كلام يأخذه الروس الذين يتبعون نهج “جلد الذات” الدائم حيال شعبهم ويكرر ذلك معهم كل الراغبين بالتركيز على بعض جوانب الضعف في الشخصية الروسية، ويحاولون تعميمها لتشكل عندهم ظاهرة سلبية وكأنها تكاد تطبع نمط حياة الروسي ككلّ. لا يأخذون من هذه الأشعار والكتابات التي قالها بوشكين وغيره، إلاّ بشكل مجتزأ. ولا يكلفون أنفسهم عناء التفكير الجدي ليدرسوا بتأن أين قيل ذاك الكلام السلبي، وفي ظل أي ظروف؟ وهل من الموضوعية بمكان تعميمه؟ …

ولكوننا أخذنا من بوشكين تلك الكلمات، دعونا نرى ما كان يقصده تحديداً بوشكين؟ لقد استعمل فعلاً هذه الكلمات حول حالة محددة مرتبط بسلوكية شخص بعينه. ففي عمله المعنون “رحلة أرزوم” لاحظ الشاعر الحادثة المتعلقة بموت الديبلوماسي والأديب غريباديف عندما قال بالحرف الواحد: “إن سرد سيرته هي مسألة تطال أصدقائه، ولكن أناسا عظام من أبناء جلدتنا يختفون من بيننا، دون أن يتركوا أثراً… نحن كسالى وغير طموحين…”[1]

بوشكين في هذا الكلام كان يقصد فيه أصدقاء غريباديف تجديدا وهو كان يعتبر نفسه واحداً منهم. ولم يكن يسمح لنفسه بأن يعمم هذا على تقييمه للطابع السلوكي للشعب الروسي كله. فالإنسان الروسي “الموجيك”، ظهر في أقاصيصه واشعاره بأنه ذكي، وكان يبين دائما بأن يده وعقله تجيد استعمال العديد من المهن في وقت واحد، وطباعه لا تتحمّل الكذب والنفاق… وهذه الصورة نراها بارزة في أعمال كتّاب آخرين كسلطيكوف شيدرين في أقصوصته “عن ذاك “الموجيك الذي أطعم جنرالين”. فالموجيك ذاك الإنسان السيء الهندام، المتناثر الشعر، والذي لا يغتسل بشكل دوري، عادة ما يقوم بأعمال، يعجز عن القيام بها، حتى أفضل الرجال الحسني الهندام والكلام المعسول. حتى إن صورة “إيفان الأبله” التي تعج في العديد من الكتابات الفولكلورية، فإن هذه الصورة لا تعكس إطلاقاً صورة إيفان الذي يبدو لأول وهلة وكأنه ذاك “الأبله” غير المبال في شؤون الدين والدنيا، وكأنه بعيد كل البعد عن حكمة العقل وتسيير شؤون أموره الحياتية. فصورة إيفان هذا يظهر في الكتابات الأخرى، صوتاً حقيقياً لألم وفرح الناس البسطاء، لهزيمة وانتصار الشعب، يظهر في بعض القصص بأنه شخص شديد الذكاء، يظهر أحيانا على واجهة المشهد السياسي من المستشارين الذين يجلسون إلى يمين كرسي البلاط القيصري، يظهر بأنه قريب من مسمع الرجل الأول الممسك زمام الحكم في روسيا.

وصورة الأب الروحي للعلم الروسي التي ارتبط اسمه بأبرز الاكتشافات وبتقدم كل العلوم في زمته، والتي سميت باسمه الجامعة الأولى بروسيا جامعة موسكو الحكومية واعني بذلك ميخائيل لومونسوف، كان من أبناء الشعب البسطاء من أولئك الذين ارتبطت طفولتهم بصيد السمك وبيعه ليقتات طعام يومه. وهو الذي كان ينتقل من مسقط رأسه في أرخانجلسك إلى موسكو قاطعاً آلاف الكيلومترات، وفي ظروف مناخية باردة قاسية جداً ومن على طرقات متعثرة. هذا الإنسان الروسي البسيط، تمكن بقوة إرادته وحبه للحياة والمعارف والعلوم أن يؤكد حضوره لاحقاً في سانت بطرسبورغ وموسكو، وأن يلتحق بأعرق الجامعات الألمانية، ليرجع إلى بلده ولينجز أبرز المفاخر العلمية وليصل إلى أعلى سلالم المعرفة. الأمر الذي حوله العلم الروسي إلى ايقونته التي تحفزه دائماً على اجتراح أعقد الاكتشافات العلمية من أصعب الظروف والإمكانيات.

الحاجة أم الاختراع

إذا وسعنا الدائرة قليلاً لتطال مجالات تثير الكثير من الدهشة والتأمل والمتعلقة بردود أفعال الروس على أنواع متعددة من التحديات الكبرى للجغرافيا الخاصة التي يعيشون فيها، وللحروب والضغوطات المنهالة عليهم من أكثر من طرف تجعلهم بالكاد يركنون إلى استرخاء زمني في هذه الفترة أو تلك من تاريخهم. نراهم يجترحون فعلاً إنجازات وبطولات قد يعجز عن القيام بها حتى أكثر الشعوب تنظيماً وانتاجاً على كوكبنا. وسنستعرض البعض القليل منها.

كما هو معلوم وموثق بأن الروس تمكنوا وخلال قرن ونصف من الزمن أن يجتازوا كل الأماكن الوعرة والغابات المجهولة أسرار موجوداتها ومساراتها. استطاعوا من موسكو وبطرسبورغ أن يصلوا إلى أدغال البايكال وبحيراتها ويستوطنوا فيها. وأيضاً المسيرة لا بل الملحمة تكررت من الأورال حتى ضفاف المحيط المتجمد الشمالي، وصولاً إلى الاسكا وكاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية. بالمقابل لم يستطع اليابانيون وخلال ألفي عام أن يستصلحوا أراضي، لا بل أن يصلوا بأمان إلى جزر سخالين التي لا تبعد عن شطآنهم سوى أربعين كيلومتر. فهل يمكننا الوصول الى الاستنتاج المشرع بالقول بأن اليابانيين قوم “كسالى وغير فضوليين”. تلك السمة التي عادةً ما ترددها الأصوات “غير العلمية” و”غير الموضوعية”، و”غير العادلة” في الغرب، عن نمط تفكير وحياة الروس وغير الروس. في الحقيقة لا هذه التوصيفات ولا تلك تعكس الحقائق، كما هي على أرض واقعها وفي ظل خصوصيات زمنها الروسي أو الياباني. فلكلّ حالة فردانياتها وحيثياتها ونقاط قوّتها وضعفها.

إلاّ أن الحقيقة الصارخة التي تصطدم العقول هي روح الشكيمة القوية والقدرة الكبيرة لدى الروس التي مكنتهم من شغل سدس الكرة الأرضية، وهنا نتذكر قوة الشكيمة الكازاكيةفي مرحلة امتدت لعشرات السنين. وغزو الفضاء الكوني عبر مغامرة علمية لا حدود لأهميتها بادر لها علمان في أوائل النصف الثاني من القرن العشرين وأعني بذلك العالم المهندس العبقري كارليوف والرائد الأول الذي افتتح غزو الإنسان للفضاء الخارجي غاغارين.

فلنتخيّل ولو للحظات قليلة، كيف كان يتصرف أناس آخرين غير النماذج الذي تتردد في القصص والروايات الشعبية عن الشخصية الشعبية “يرميليه” وبوغاينشوف وغيرهم الكثيرين الذين اجترحوا المآثر في غابات التايغا وكشفوا المجهول من أسرار الطبيعة الروسية. في ظل ظروف مناخية تجمد الدورة الدموية، وغياب أي وسيلة إعلامية من صحيفة وراديو وتلفزيون ولا أتكلم عن الانترنت والتلفونات المحمولة المستحدثة منذ زمن قصير جداً. كيف كان يتصرف أناس غير الروس، غرباء عن المدى الجغرافي والبشري والإتني الشديد التنوع في المدى الأوراسي؟…

 فالروسي يرميليه وسوسانين وبوغاتشوف البسطاء ومعهم فلاديمير ويروسلاف وألكسندر نيفسكي وبطرس الأكبر وألكسندر الثالث ولينين وستالين وبوتين من الأمراء والقياصرة والأمناء العامين والرؤساء الروس، فكل هؤلاء على تمايز طاقاتهم وطروحاتهم وإمكانياتهم واختلاف الأزمنة والعطاءات وهبوا روسيا خيرة ما أنتجته قرائحهم وأسهموا بجدارة وفعالية في تشكل اللوحة التي قد تكون عصية عن تالفهم لدى الكثيرين إلا أنها كونت اللوحة المشرقة لعظمة وقوة الروسيا. كل هؤلاء ومعهم الآلاف المؤلفة من كل قطاعات وفئات الشعب الروسي الذين صنعوا المعجزة الروسية المليئة بالأسرار صنعوا المعجزات وأحدثوا المفاجآت والمآثر وأضفوا على النفسية الروسية موجات متواصلة من التفاؤل والتشاؤم معاً توترت فيها حيناً وهاجت فيها أحياناً أخرى الشخصية الروسية. فالحاجة إلى استمرار الحياة واقتناص شهد رحيقها، هي ام اختراع العقل والقلب والساعد والتقنية الروسية.

في لحظات، لا بل فترات السكينة والخنوع إلى درجة الاكتئاب احياناً، التي تنتاب الشخصية الروسية، نراها ترضخ ليس فقط للجانب الضعيف او المعتم في تركيبتها، بل انها توسع دائرة النشاط في آذانها المستسلمة لما يقوله الغير عنها من توصيفات سلبية، وعادةً ما يكون الغير في هذا السياق طامعاً في أراضيها وثرواتها. وفي مجمل الفترات يجد هذا “الغير” طابوراً خامساً داخل الشخصية الروسية، يركن إليه من أجل غرس جرثومة الوهن وعدم الثقة بنفسه، فيبدو الروسي الضعيف النفس فاتحاً شدقيه أمام نموذج “وردي واهم بنماذج أو هدايا الغير”، ظاناً بأن جسر خلاصه من ضيق عيشه ومن التخلص من مصائبه، هو العبور إلى تقمّص النموذج الآخر المتمثل في تجارب الآخرين.

وفي كل مرحلة من مراحل التحول الروسي الهادف إلى نفض غبار التأثير السلبي من الغير، تحدث أنواع متنوعة من التمرد والانتفاضة عليه. وحتى الثورات الكبرى التي تأتي بالأفكار الراديكالية التي تلبس ثوباً ليبرالياً غريباً بحتاً، أو حتى ماركسياً شيوعياً، والتي تسعى لأن تنزع عن الهوية الروسية خصوصيتها الثقافية أو الروحية أو الأكسيولوجية، فإن احتياطات العراقة الحضارية في شخصيتها، سرعان ما تظهر في أقلام أدبيات الروس ومفكريهم وقنانيهم وعلمائهم وسياسييهم وسائر ممثلي الشعب الروسي، لتطلق الصرخة عالية بأن روسيا اللغة والثقافة والحضارة، ما زالت حية وان كل انواع الانحلال والضغط والقهر واللاعدل التي تضغط على روحها وقوتها ومصيرها،  و تظهر بأن مراحل الركود ما هي إلا حالت مؤقتة أو موجات صيف عابرة، وان أمامها الكثير- الكثير من أجل إنجازه.

ولعل واحد من كبار المفكرين الروس، الذين فهموا أكثر من غيرهم روح البطولة والإبداع  المتجدد في الشخصية الروسية، عبر بشكل ساطع عن هذه الحالة، وأقصد إيفان إيلين: “للشعب الروسي قدرات خارقة على التضحية، وعلى التضامن مع الغير، حتى في لحظات محاولات إغراقه في موجات النكوص الوطني، والخيبة بطاقاته، والغوص في أوحال السياسات المبتذلة… وفي كل مرحلة دراماتيكية – مأساوية كبرى تنهض الروح الإبداعية الروسية لتنتصر على نقاط هزائمها وضعفها…”[2]

هذا ما يلمسه المؤرخ أو الباحث في ظل حكم تسلط وطمع ونرجسية الأمراء الروس حيث أراد كل حاكم أن ينهش من الجسد الروسي الواحد، لكي يثبت حكمه ويضطهد شعبه ويخطف روحه، ويحاصر قوته ويهدد مصيره. هذا ما تكرّر في ظل حكم العديد من القياصرة “الصغار” والأمناء العامين “الضعيفين الموهبة” في الفترة السوفياتية و “القصيرين النظر والفطنة” في الفترة الروسية التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفياتي. فظهور شخصيات على واجهة المشهد الروسي في الفترة المعاصرة، أمثال غايدار وتشوبايتس ومعهم كوزريف وبيرزوفسكي وكل  حيتان المال وطاقم الليبراليين والنيوليبراليين والمنظرين المرضى نفسياً وثقافياً والواقعين تحت التأثير السلبي ل “لا فلسفات” و “لإ ثفاقات” عصر ما بعد الحداثة، كل هؤلاء يشكلون أدراناً مؤذية لشرايين الحياة الروسية.  هذا التيار الهادف، عن وعي او عدم وعي، لكسر جبروت الثقة بالخيار الروسي المبدع والمتفاعل مع كل إبداعات وإنجازات الحضارات الأخرى.

ولعلّ بروز “الظاهرة البوتينية”، وأي كانت الانتقادات الخارجية والداخلية لها، سرعان ما عبرت عن نفسها كحالة تمرّد روسية عامة على محاولة الفتك في خلايا القوة الروسية. في هذه الظاهرة،ورغم تعثر خطواتها الداخلية، فهي في المسار العام للتاريخ الروسي ظاهرة عافية وعنفوان وطني ونفسي وحضاري روسي. وهي تتطلب بلا شك الكثير من عناصر القوة الروسية بإبداعاتها العلمية والاقتصادية والثقافية والرياضية والتكنولوجية، لكي تقدم نموذجاً جديداً يعيد للروسي ثقته بنفسه وحضارته بحاضرها ومصيرها. وأن  المرء المتابع لمساراتها الطموحة يلمس في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين العديد من القفزات النوعية في تطور التكنولوجيا الروسية على المستوى العسكري و المدني. واحد من المآثر التقنية للقلان الواحد و العشرين هو إنجاز بناء جسر القرم في أواسط شهر ماي من عام 2018 الذي حقق حلما راود الروس طوال ألف عام ، حيث وصل الجنوب الروسي بشبه جزيرة القرم ز وهذا يعتبر عن حقة إنجازا علميا عالميا جبارا في كل المقاييس العلمية و الصناعية. وهو الذي كانت صناعته روسية بحتة وبامتياز  استندت الى عقول و سواعد علمائه المتنوعي التخصصات و إلى مصمميه ومهندسيه وعماله.

وأثبتت معظم التجارب التاريخية التي عاشها الروسي في علاقته مع الضغوط الخارجية بأنه سرعان ما يتناسى مشاكله، لا بل مصائبه الداخلية ويوجه طاقته البناءة نحو هدفين: الأول الانصراف الأنشط لتفعيل إنتاجه المادي والفكري والروحي والثقافي الداخلي، والثاني دعم الحاكم أي كان موقفه من نقاط ضعفه في هذا الميدان أو ذاك. (يتبع)

د. سهيل فرح

 

[1] – ألكسندر بوشكين. رحلة أرزوم أثناء حملة عام 1829. المجموعات المختارة في خمس مجلدات. المجلد الرابع،

سانت بطرسبورغ، دار بيبليوبوليس، 1994، ص 219.

[2] – إيفان إيلين. المجلد الأول. موسكو، 1998، ص 141 – 143.