الرئيسية » أخبار المجموعة » نائبة منسق مجموعة الرؤية الاستراتيجية د. عشبة إيلانا: إرث جينكز أيتماتومف

نائبة منسق مجموعة الرؤية الاستراتيجية د. عشبة إيلانا: إرث جينكز أيتماتومف

فعالية اليوم مكرسة لأدب جينكيز أيتماتوف، وقد اطلق عليها رمزيا الإسم التالي: التفاعل الثقافي –  إرث جينكز أيتماتوف. تتخلل مؤلفاته فعلا مساعي فهم حياة الإنسان من أوسع المعاني الفلسفية، عبر ربط مشاكل العظماء الشخصية بالمشاكل العامة لحياة البشر، عبر البحث عن معنى الحياة، عبر التصرفات الأخلاقية تجاه العالم، وهذه الأفكار مرجع لأي قومية ولأي ديانة.

بالتوازي مع ذلك، ومن دون التعمق في أعمال جينكيز أيتماتوف، تظهر بوضوح الجذور القومية للأسس الإنسانية في إبداعات الكاتب.

ولكان من المستبعد أن تصل التقاليد القومية الأدبية إلى تلك الأفق وأن تصبح قيمة ذات وزن عالمي، لو كانت وحدها، من دون الاستفادة من خبرة الأداب الأخرى.

تتمازج بانسجام في أدب جينكيز أيتماتوف العادات الفولكلورية والأدبية القرغيزية مع مدرسة الأدب الروسية الكلاسيكية والمدرسة المعاصرة.

بقوميته القرغيزية ولغتيه دخل أيتماتوف الأدب العالمي وساهم في العملية الأدبية العامة باكتشافاته القائمة على

قاعدة دمج القومي مع العالمي. وفي هذا حسب رأيي يكمن عمق وجمال أعماله.

ولا داعي لأن ألفت انتباهكم إلى ما هو واضح، وهو تجسد فكرة تداخل الثقاقات وشراكة الحضارات في عمل جينكيز أيتماتوف الاجتماعية والسياسية.

قيل عنه أنه كوسموبوليت. اذ جاء في أبيات الشاعر السوفيتي رسول غمزاتوف التي نظمها يمناسبة اليوبيل الستين للأديب جينكيز أيتماتوف:

توكل على خيلك أيها الخيّال

لامس السماء ولا تأبه للصعاب

يا من نصفك أوروبي جهير

ويا من نصفك أسيوي شهير

Скачи, наездник, на коня надеясь,
Касайся неба и не знай преград,
Мой именитый полуевропеец,
Мой знаменитый полуазиат.

ردا على سؤال الصحفيين عن مدى صدقية هذه الأبيات، قال أيتماتوف بروح الفكاهة التي كان يتمتع بها «أي كوسموبوليت أنا بهذا الوجه؟» وأضاف بجد «ولكنني لا أنفي أنني من أتباع الاندماج الأوراسي رغم أنني من أبناء قرغيزيا، تاريخيا آسيا تجاور روسيا، وإن اتحدنا فسوف تزيد طاقتنا وقوتنا ووجودنا سيكون أقوى في الفضاء الدولي، وبعبارة أخرى، سوية لن نذوب ولن نختفي وسنكون قوة.

حاول جينكيز أيتماتوف في إبداعه وأثناء عمله في السلك الدبلوماسي أن يشدد على القيم والميزات التي توحد البشر، لا على ما يفرق بينهم.

قال أفدي كاليستاروف :«لا أفهم عن ما يغنون، ولكن المهم أنني أغني معهم»، وهو بطل قصة «بلاخا» للأديب أيتماتوف.

لفكرة حوار الثقافات وليس لتنفيذ هذا الحوار فقط، بل ولعدم وجود بديل لهذه العملية خصص أيتماتوف جزءا كبيرا في أعماله. كما كرس الكثير لهذا الموضوع أيتماتوف الدبلوماسي والناشط الإجتماعي. فقد قال في إحدى مقابلاته: تصبح الإنسانية نادرة في زمن الحرب. وأما أنا فأكثر ما يقلقني الآن هي مسائل الخير والإنسانية، كيف نحمي الإنسان ونحافظ على ما منحته الطبيعة له؟ كيف نحافظ على ارتباطنا بها وعلى ما زرعه فينا أجدادنا، كيف أبقى إنسانا، أحافظ ولا أهدر وأنقل لأحفادي عالم كوكبنا الجميل…

أعتقد بأن أيتماتوف كان يرى الإجابة على هذه الأسئلة الصعبة في حوار الثقافات باسم السلام والازدهار.

وربما هذا هو السبب الذي جعله عضوا في مجموعة الرؤية الاستراتيجية «روسيا – العالم الإسلامي» وكان عاملا نشطا في هذا الاتجاه، اذ كرس حياته وهو يثبت مدى تقاربنا وتشابهنا ومدى أهمية فهم ذلك واتحادنا في مواجهة الأخطار. مجازا ولكن بدقة متناهية أعرب جينكيز عن هذه الفكرة أثناء خطابه خلال أولى جلسات مجموعة الرؤية الاستراتيجية «روسيا – العالم الإسلامي» والتي جرت في سطنبول، قال فيها «نحمل قافلة من الأفكار، حمولة متنوعة : جذور وعادات مختلفة ولغات عديدة، ومعتقدات مختلفة، ولكن علينا أن نسلك طريق العيش والبقاء المشترك والمضي قدما على درب العولمة المتعددة الأوجه، وجميعنا، نحن أعضاء الرؤية الاستراتيجية من منظور روسيا والعالم الإسلامي قد نكون في قافلة وعي العصر الجديد، والمعتقدات الإنسانية الجديدة القومية والعامة لكل مجموعة اثنية ودينية من البشر، للشرق والغرب، وبشكل عام للمجتمع الدولي»

كما شدد جينكيز في العديد من مقابلاته على أهمية مكانة روسيا في هذه العملية. كما تحدث عن ذلك في جلسة مجموعتنا في موسكو سنة ٢٠٠٦ حين قال: «ما يثير الاهتمام هو أن روسيا أصبحت المبادرة في لقاء المجموعة الدولية للرؤية الاستراتيجية تجاه العالم الإسلامي.. اذ أن القدر حمل روسيا مسؤولية تاريخية وجغرافية.. يمكن لروسيا أن تدعى بجدارة دولة المسيحية، بل وكذلك هي دولة ذات تاريخ إسلامي طويل. وضع التاريخ روسيا في ظروف لا يمكنها فيها إلا أن تلعب دور القوة الموازنة بين الغرب والشرق»

ومن البديهي أنه لا روسيا ولا أي دولة أخرى قادرة على التصدي للمخاطر التي تواجه العالم المعاصر بمفردها، وعليه فكرة توحيد جهود الحضارات المختلفة عاجلا أم أجلا سوف تأخذ مكانها في عقول البشرية.

السلام والوفاق من أهم منجزات البشرية، هذا ما أشار إليه جينكيز أيتماتوف حين قال : «على أفكار العالم أن تصب كالأنهار في بحر كبير»

لا شك في أن جينكيز أيتماتوف كان سابقا لعصره، ولكنني على قناعة بأن أحداث السنوات الأخيرة وازدياد التوتر في العلاقات الدولية وكثرة الأزمات القائمة على أسس قومية ودينية، كل هذا سيدفعنا للنظر من جديد إلى الأفكار التي طرحها جينكيز أيتماتوف لتكون مرشدة لنا في أفعالنا.

ترجمة محمد عبد الرحمن

اترك تعليقا