الرئيسية » سياسة واقتصاد » الحاجة  للنظرية الروسية لنظام أمن منطقة الخليج

الحاجة  للنظرية الروسية لنظام أمن منطقة الخليج

إن تعكر أجواء وتأزم العلاقات بين دول منطقة الخليج، ولاسيما بعد الأزمة الناشبة بين قطر والرباعي العربي ( المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات والبحرين إضافة إلى مصر) ، وتفاقمها بين دول عربية في المنطقة وإيران، يستدعي العودة إلى نظرية الأمن الروسية لمنطقة الخليج، التي طرحتها موسكو على دول المنطقة في نهاية تسعينات القرن الماضي وأجريت عليها تعديلات في 2004  كما تم تفعيلها في عام 2015 .

وفي خطابه أمام مؤتمر “نادي  فالداي” الذي انعقد في 20 فبراير الماضي بموسكو تحت شعار “روسيا والشرق الأوسط: اللعب في جميع المجالات”، تطرق وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف من بين قضايا أخرى إلى مسالة الأمن في منطقة الخليج التي تعد احدى القضايا الملحة على مدى العقود الأخيرة.

وأعاد لافروف في خطابه الأذهان إلى المبادرة الروسية التي عرضت على عواصم دول الخليج “دون فرضها على طرف، ولكن موسكو على قناعة تامة بأن لابديل لها”.  “وتشمل المبادرة مدار الحديث من بين قضايا أخرى، على تعزيز الثقة، ومن ثم إرساء الأمن في منطقة الخليج لجميع بلدان مجلس تعاون دول الخليج العربية، فضلا عن جمهورية إيران الإسلامية”. واعرب لافروف عن قناعته ” أن هذا الشكل سيكون مفيدا لمنطقة الشرق الأوسط باسرها”.

وترى الدبلوماسية الروسية أن ضمان الأمن في منطقة الخليج، ذات الأهمية الاستراتيجية، هو واحد من المشاكل الإقليمية الملحة. لأن أية هزات عسكرية أو سياسية أو تصاعد موجة نشاط إرهابي في هذه المنطقة، التي تركزت فيها احتياطات نفط وغاز هائلة، ستكون لها تداعيات فادحة على الاقتصاد العالمي، وبالمقام الأول على أمن الطاقة.

وتقف روسيا على قناعة بأن بوسع تجسيم فكرة إقامة نظام أمن في منطقة الخليج إن تلعب دور رئيسي في تعبئة التحركات السياسية والدبلوماسية في هذه المنطقة. ويتعلق الأمر وفق رؤية الدبلوماسية الروسية بتطبيق برنامج تحركات طويل الأجل، تستهدف، وفي ظل وضع طبيعي في منطقة الخليج، توطيد الاستقرار والأمن هناك، وتحديد التوجهات الرئيسية والمعايير لنظام البناء الاقليمي فيما بعد مرحلة التأزم، فضلا عن سبل تنفيذ المهام المرتبطة بكل تلك الإجراءات.

ومن المبادئ التي تركتز عليها النظرية الروسية لأمن الخليج : يجب  إن يتم حل النزاعات وغيرها من المشاكل التي تسهم في زعزعة الوضع في المنطقة، فقط بالوسائل السياسية والدبلوماسية على أساس قواعد ومبادئ القانون الدولي المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.

وترى الرؤية الروسية إن عمليات حفظ السلام ممكنة فقط على أساس القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي. ولا يجوز استخدام القوة بالالتفاف على مجلس الأمن، أو استخدام المعايير المزدوجة. وينبغي إن يكون نظام الأمن في الخليج عاما وشاملا، ويُبنى على أساس احترام مصالح جميع الأطراف الإقليمية وغيرها المشاركة في مجالات الأمن، بما في ذلك الاقتصادي والعسكري وأمن الطاقة.

تكون  التعددية  بمثابة آلية لمشاركة أصحاب المصلحة في عملية التقييم المشترك للوضع، واعتماد القرارات وتنفيذها. ومن غير المقبول استبعاد أي

طرف لهذا السبب أو ذاك. وعلى جميع الأطراف الالتزام بالوثائق القانونية الدولة( اتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف، وقرارات الأمم المتحدة وقرارات المنظمات الإقليمية والدولية). التي تنظم العلاقات في منطقة الخليج.

ويتم التقدم نحو تنفيذ نظام الأمن بصورة تدريجية،  بدءا بحل المشاكل العالقة الأكثر حدة وإلحاحا. ويتعلق هذا بالدرجة الأولى بتسوية النزاع المستعر في اليمن وفي تطبيع العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والمساعدة على توطيد الاستقرار في العراق.

إن مبدأ التدريج ينطبق على تبني دول الخليج والمجتمع الدولي الإجراءات الرامية لتعزيز الثقة وتوفير الضمانات الأمنية المتبادلة في المنطقة. ونظرا للعلاقة الوثيقة بين المشاكل الإقليمية وترابطها، فان خلق نظام أمن في منطقة الخليج يعتبر جزء من مهام توفير الأمن في الشرق الأوسط ككل. ويكتسب تحقيق تسوية شاملة للنزاع العربي ـ الإسرائيلي أهمية محورية، ووضع الممهدات لتشكيل نظام أمن مشترك لمنطقة الشرق الواسعة.

وتقترح الرؤية الروسية بأن يبدأ العمل الفعلي بعملية إطلاق خلق نظام امن في منطقة الخليج، من خلال المشاورات، على أساس ثنائي ومتعدد الأطراف بين أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدول الإقليمية وغير الإقليمية، ومجلس الأمن في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس تعاون دول الخليج العربية وغيرها. ويتم  في سياق هذه الاتصالات تشكيل فريق مبادرة للتحضير لمؤتمر عالمي للأمن والتعاون في منطقة الخليج. وتكون  من بين مهام الفريق رسم النطاق الجغرافي الذي سيشمله نظام الأمن الجديد، ودائرة المشاركين، وجدول الأعمال، ومكان عقد المؤتمر المرتقب، فضلا عن تحضير مشاريع قراراته بما في ذلك تدابير الأمن والثقة والمراقبة.

   وكذلك أن تأخذ الدول المشاركة في النظام على عاتقها الالتزام بالشفافية في المجال العسكري ( إخطار الدول الأخرى عن إجراء المناورات العسكرية، وتبادل المراقبين والامتناع عن المرابطة المستديمة لوحدات كبيرة الحجم من القوات المسلحة، وتبادل المعلومات عن شراء الأسلحة والقوات المسلحة)، وكذلك عقد اتفاقية للرقابة على التسلح ( إقامة مناطق منزوعة السلاح ومنع تراكم القوات المسلحة التقليدية التي تؤدي إلى زعزعة الوضع، وإجراء كافة الأطراف تقليص متوازن للقوات المسلحة).

     إن التقدم في بناء نظام الأمن في الخليج، سيخلق الممهدات اللازمة لتقليص الحضور الأجنبي العسكري في المنطقة، ووضع إجراءات ثقة مشتركة بين دول المنطقة والدول الأخرى. وينبغي  أن يصبح تعاون الأطراف في مكافحة الإرهاب العابر وتجارة السلاح غير الشرعية والهجرة وتجارة المخدرات ومنظمات الجريمة، مكونا هاما لنظام الأمن. وأن تنص النظرية الأمنية  على ضرورة عقد اتفاقية ذات صلة على مستوى إقليمي.

    إن وجوب جعل الخليج منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، يعتبر احد الجوانب الهامة  في قضية إقامة منظمة الأمن. إن هذا البند ورد في النظرية في إطار مهام تعزيز نظام عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل المستند على معاهدة عدم نشر الأسلحة النووية. إن هذا الجانب مهم نظرا لأنه وعند تناول موضوع الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل عموما تظهر ضرورة الالتزام بمبدأ ربط الوضع في الخليج بمنطقة الشرق بأسرها.

فالح الحمراني

اترك تعليقا