الرئيسية » غير مصنف » الشعر و السلام و المرأة ثلاثية مهرجان البابطين: سعاد الصباح و ثريا العريض رفعتا الصوت بالقصيدة

الشعر و السلام و المرأة ثلاثية مهرجان البابطين: سعاد الصباح و ثريا العريض رفعتا الصوت بالقصيدة

لم تحضر سعاد الصباح، صاحبة “كُن صديقي”، القصيدة الأجمل بحنجرة الماجدة. سبب الغياب “وعكة صحية بسيطة”، لكنّ طيفها وحضورها الشعري سكن الأمسيات أياماً ثلاثة. اختارت الدورة الحادية عشرة من مهرجان #البابطين للشعر العربي تكريمها، هي الأشياء الأربعة معاً: الطفلة، الزوجة، الأم، والطالبة الكويتية. اسم آخر، كسعاد الصباح، كان الاحتفاء به مضيئاً: الشاعرة السعودية ثريا العريّض. امرأتان أكّد رئيس مؤسسة البابطين الثقافية الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين أنّهما شاعرتان من زمن لم يكن من السهل على المرأة أن ترفع بالشعر صوتها. ثلاث ليالٍ، الأولى الافتتاح وتكريم شعراء فائزين بجائزة المؤسسة، الثانية لشعر سعاد الصباح، والأخيرة لشعر ثريا العريّض، وأمسيات قرأ فيها شعراء قصائدهم على الحاضرين في مسرح مكتبة البابطين في #الكويت، هناك حيث برودة القاعة تناقض حرارة الخارج في الأيام الأخيرة لآذار المُبكَّر في استدعاء الصيف.

المرأة والشاعرتان 

أُطفئت الأضواء لعرض فيلم قصير يروي إنجازات المؤسسة وإصداراتها المُوزّعة مجاناً. كان ذلك بعد النشيد الوطني الكويتي وآيات القرآن في تمام السابعة إلا عشر دقائق مساء الأحد 25 آذار. الشريط اختزال لما تودّ المؤسسة أن تنقله الصحافة ويبقى في الذهن: “الحروب كانت طاحنة، ويجب أن نُسمع صوتنا للجميع ليعرفوا أنّ هناك مَن يدعو للسلام والمحبة”. مرّ مشهد وقوف البابطين على منبر الأمم المتحدة وإطلاق صرخة الدعوة إلى السلام وتقديمه مقترحاً لتدريس السلام العادل في المناهج التعليمية. دقائق مصوّرة قالت كلّ شيء، فأضاف البابطين في كلمته الجانب الآخر من الرسالة: “العالم يحتفي بالمرأة، وها نحن نعقد المهرجان تحت اسم شاعرتين”، ثم عدّد الإنجازات: “14 دورة للمؤسسة، 7 ملتقيات، 11 مهرجاناً، عشرات الأمسيات الشعرية، آلاف الشعراء والمثقفين، وأكثر من 400 إصدار مجّاني”. الختام بعِبرة قبل تسليم الجوائز: “الشعر يبقى ما بقي الإنسان يحلم بعالم آخر أكثر نقاء”. الشعر جمال أبدي.

برنامج الأمسيتين الثانية والثالثة: قراءة تحليلية في قصائد الشاعرتين (الأمسية الثانية لقصائد الصباح، والثالثة لقصائد العريّض)، التوقف عشر دقائق للصلاة، واستضافة شعراء يتلون قصائدهم. “مساؤكم شعر وجمال”، تقول مقدّمة الأمسية، وترحّب بالبابطين على المسرح لقراءة قصيدة. “قرأتُها أيضاً العام الماضي وأنصح الآخرين بها”، يُحمّس المُنتظرين، وينطلق في الشعر: “خلِّد سجلك فالبقاء قليلُ”. نصيحة مفيدة.

لا نزال في الأمسية الأولى، والشعراء، بعد البابطين، يتوافدون لقراءة قصائدهم، بعضها ترك شعوراً بالرتابة والملل. المفارقة أنّ مهرجاناً في دورته الحادية عشرة أمكن أن يتحلّى بمزيد من الانضباط ودقّة التنظيم. سنفترض أنّ التأخّر عن الالتزام بمواعيد بدء الأمسيات، عادة لا تقتصر على المهرجان وحده، ونغضّ النظر، لكن أن تعمد مقدّمة الأمسية إلى مقاطعة شاعر لا يزال في منتصف القصيدة، وتعقّب ببرودة قائلة إنّ “الزمن يحول بيننا وبين إكمال قصيدتك”، فذلك مضرّ لمهرجان شعري قبل الشاعر المُمتعض، المُسارِع إلى المغادرة. الوقت دائماً مهمّ، والأسلوب مهمّ ومداراة الضيف، لئلا يجد نفسه مُهاناً، بُترت قصيدته، وأُسكِت لأنّ المشهد افتقد التنظيم ومطابقة القصائد مع الوقت قبل قبولها.

سعاد الصباح: الكتابة والعشق 

الجلسة الأدبية الثانية عن الشاعرة الكويتية سعاد الصباح. عنوان النقاش: ظاهرة الحبّ في شعرها. استعاد المتناقشون نشأتها بين يدي والد يؤمن بعقل الأنثى وزوج كان لها السند. “لم تكن دربها مفروشة بالورود”، قالوا عنها، مؤكدين أنّ الإنسان قصيدتها الأولى والعالم موطنها. بدت المداخلات مثل شريط حياة، أو مرور موجز لأبرز المحطات، من البداية والنشأة، إلى التعليم والجامعة والتخرّج، حتى الزواج وعشق الكتابة. حملت الكويت في قلبها أينما سافرت، وكتبت لها: “كم كنتِ يا حبيبتي جميلة في زمن الأحزان”. المرأة الكاتبة تخيف أحياناً وتُربك لأنّها تعرّي المشاعر، وبالكتابة تواجه وتعشق وتتجاوز. تحضر ثنائية العشق والكتابة في اللقاء، هي الرابط بين دواوين سعاد الصباح، وعنوان الصراع بين الأنا والآخر. عشقت الوطن والأرض والهواء والسماء، فكانت هذه العناصر الأربعة همسات الحبّ الأسمى. وتحضر أيضاً تيمات الرومانسية وصورة المرأة والأمومة في مقابل صورة الواقع والتمرّد الأنثوي على القبيلة. “كرهتُ القبيلة حين تكون ضدّ الأنوثة والياسمين”، تكتب سعاد الصباح. في شعرها تتراءى ظواهر وتجلّيات، منها الزمن والرثاء والوطن والانتماء. ولعلّ حضور الجسد لم يكن فائق الضرورة، طالما أنّ الروح تطوف في أعماق الكلمات. تغيب الصباح- الجسد، وربما تصلها شهادات رأت فيها امرأة تواجه الصعوبات والأقدار، تتألم لكنّها لا تسقط. تعود قوية بفضل روحها الشاعرة وإيمانها بالكتابة. إيمانٌ عظيم تردّ فيه على الآثام والكراهية، في محاولة للارتقاء باللحظات الإنسانية السعيدة والتعيسة وقضايا الوطن.

اعترضت إحدى الحاضرات حين أُفسح المجال لبعض الأسئلة: “أزعجني كم الأخطاء اللغوية في النقاش. وددتُ لو أغادر القاعة، لكنني عدلتُ احتراماً”، وهي محقّة. لم يرق تعليقها مقدّمات الجلسة، وهنّ إن أتين بمحتوى قيّم عن الشاعرة وسيرتها وقضايا القصيدة، كان الأجدى تقديمه من دون فظاعات لغوية، أقلّه مراعاة لسيرهنّ الذاتية الغزيرة، عوض التذمّر من الملاحظة واعتبار أنّه “لا توجد أخطاء جوهرية بل زلّات، وعلى السيدة صاحبة الملاحظة أن تهدّئ أعصابها”. عذر بقبح ذنب.

ثريا العريّض: الصمت المشحون بالقلق 

ما يجمع ثريا العريّض وسعاد الصباح، إلى الشعر، هو كونهما من أوائل الحاصلات على دكتوراه في الخليج. وإن كانت الصباح كتبت في الشعر والاقتصاد والفكر، ونالت دكتوراه في الاقتصاد والعلوم السياسية، فالعريّض أديبة سعودية، نشأت في أسرة مثقفة، فوالدها الشاعر ابرهيم العريّض المؤثر في الحركة التعليمية والثقافية في المملكة. صوَّر ريبورتاج يعرّف بالشاعرة، صخرة الروشة من الأعلى، في حضن بحر لبنان، للإشارة إلى نيلها ماجستيراً من الجامعة الأميركية في بيروت. “حيّا الله الدكتورة ثريا. ترحّب بها مقدّمة الأمسية، وتترك لها الكلام.

بدأت بالتحسّر على غياب “أختي” سعاد الصباح: “أفتقدُ حضورها”. تحدّثت عن تجربتها الشعرية: “وُلدت شاعرة في بيت شاعر. لم أكتب الشعر ليسمّوني شاعرة. قصيدتي تولد شبه كاملة لتجسّد فكرة أو تداعي أفكار عالقة”. تنبّهت إلى الالتزام بالوقت، لئلا يُصار إلى مقاطعتها. استعادت المرة الأولى التي كتبت فيها “خرابيش”، فقالت لها المعلّمة إنّه شعر. لم تكن تعرف ما هو الشعر. هرعت إلى والدتها تُخبرها، ففسّرت لها: “الشعر هو ما يفعله والدكِ”. راقها التأكيد على أنّ “القصيدة تأتي بنفسها”. ولأنّها ابنة الخليج ورمله، كتبت شعراً بنكهة المكان المولودة فيه. المفارقة أنّها لم تنشر سوى ديوانين. “لم أتوقّف يوماً عن كتابة الشعر. توقفتُ عن نشره. لا أمتلك قدرة التحكّم بما تجسّده القصيدة. لم أرد أن تتحوّل قصائدي فرائس للمتربّصين حين لا تناسب رغباتهم”. ثم تعد: “الآن وقد انقشعت عن سمائنا بعض الغيوم، أعدكم بنشر المزيد”.

في النقاش، تحضر ابنتها مي الدباغ، “قارءتها الأولى”. منذ سنّ العاشرة وهي تقرأ مقالاتها وتُبدي رأيها. تؤكّد بعد تجربة: “المرأة عندما تكون كاتبة يصبح وضعها أكثر إشكالية. عندما تقرر امرأة أن تكتب، عندها تتحكّم باللغة”. وتُكمل الحديث عن شعر والدتها وعلاقتها بقصائدها الأولى، فتختزل البنية الشعرية في القصيدة بالقول إنّ الحزن في شعرها هو في الحقيقة غضب متنكِّر. هنا أهمية الوعي بالكتابة كضرورة وجودية بالنسبة إلى المرأة المُتمرّدة على الصمت. الصمت المُرتبط بالقصيدة، الحاضر كإحساس مهين بالذنب منذ الطفولة، هو ذنب السكوت المفروض والنصّ المشحون بالقلق. تتمرّد قصيدة ثريا العريّض بتحمليها الرجل مسؤولية هذا كلّه، فتتبدّى النسوية في شعرها، لكنّها ليست نسوية إقصاء، بل إيمان برؤية متكاملة يشترك فيها الرجل مع المرأة. “متى نلتقي لترفع عنا ستار السكوت”. الشعير ضمير الإنسانية .

فاطمة عبدالله

النهار: ٣٠-٣-٢٠١٨

اترك تعليقا