الرئيسية » حضاريات » يوفال نوح هراري : مؤرخ يشغل عناوين الصحف العالمية ويثير البلبلة في كل منظومة القيم السياسية و الدينية 

يوفال نوح هراري : مؤرخ يشغل عناوين الصحف العالمية ويثير البلبلة في كل منظومة القيم السياسية و الدينية 

تقدمه الصحافة الغربية على أنه من أهم الفلاسفة والمؤرخين الجدد:
هنا  ترجمة لمعظم افكار يوفال نوح هراري المتحدر من جذور بوذية :
يوفال نوح هراري المؤرخ الشاب، يشغل عناوين كبرى الصحف والمجلات العالمية، يتكلم في التاريخ والفلسفة والذكاء الاصطناعي، والقومية والأزمات البيئية والموت والحياة.. فتخصص له «لوموند»، و«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، ومجلات مثل «لوبوان» و«الفلسفة»، ومجلة «الكتب» صفحاتها الأولى وأغلفتها وصفحات داخلية عدة، وتقدّمه كأبرز المفكرين والمؤرخين المعاصرين الجدد.عالم المستقبليات الأبرز عالمياً،  يستطلع في كتابه الآخر «دروس القرن الواحد والعشرين»، الدرس الأكيد الذي يعبّر عنه هراري وهو من أصول بوذية ويهودية اعتباره أن القدس ليست عاصمة لإسرائيلمطلقاً ،  وأورشليم تعود في التاريخ إلى الوراء، إلى خمسة آلاف وعمر القدس 5000 عام، في حين عمر إسرائيل 2000 سنة، أي أن القدس تسبق إسرائيل بـ3000 سنة ، ما ينقض المزاعم الصهيونية أن القدس هي عاصمة لإسرائيل التاريخية ،وهي ليست كذلك. ويذهب هراري أبعد من ذلك فيعتبر أن كتاب العهد القديم (التوراة) ليس كتاباً علمياً،  ولم يقدم للإنسانية سوى الجزء البسيط والمتقشف جداً من الأفكار الأنسانية ، وهو كتاب أساطير ميثولوجية أكثرمنه كتاب علمي .
ولد يوفال نوح هراوي في إسرائيل العام 1976، وهو يهودي من أصول أوروبية/ شرقية، ودرس وعاش في حيفا، وحصل على الدكتوراه من أوكسفورد في العام 2002، وهو أستاذ محاضر في جامعات عدة ، تخصص في التاريخ العالمي، التاريخ العسكري، وتاريخ أوروبا في العصور الوسطى.
هنا مقتطفات من مجموعة مقابلات أجريت معه في مجلات «الفلسفة» و«لوبوان»، و” نيويوك تايمز ” وأخرى.مع الاشارة الى أن  كتابه «العاقل» – موجز التاريخ البشري، صدر للمرة الأولى باللغة العبرية العام 2011، تُرجم إلى الانكليزية العام 2014، ليتم نقله إلى 30 لغة حول العالم.
 وجيث انشغل هراري في البحث عن الإنسان، وكيف وصل إلى حالته الحاضرة، وكيف سيكون مستقبله، وفي العلاقة بين التاريخ وعلم الأحياء، وهل هناك عدالة في التاريخ؟ . كتابه الآخر «Homo Sapiens» أو «موجز تاريخ الغد» صدر في العام 2015، وترجم إلى الإنكليزية في بريطانيا العام 2019، يعود فيه إلى الماضي متناولاً تجربة الإنسان مع القضايا الإنسانية الأخلاقية المستمدة من التاريخ، ويحاول أن يرسم صورة لمستقبل البشرية من خلال دراسة فردية الإنسان، إضافة إلى ما أنجزته البشرية في المئة سنة الأخيرة، وهو يعادل 4 مرات ما أنجزته البشرية في تاريخهاالشامل .
ويشرح هراري في مقابلاته التهديد الذي تمثله التكنولوجيا على البشرية، على معنى الحياة، على البيئات الجديدة، وهو يتنبأ بأن الأجيال البشرية المقبلة «يمكن أن تتوصل إلى قدرات خارقة تخوّلها قهر الموت والعيش إلى الأبد، فكيف سيكون شكل الحياة حينها؟».
أخطر تنبؤات هراري حول مستقبل البشرية قوله: «أتوقع أن يقوم البشر خلال القرنين المقبلين بتحديث أنفسهم إلى فكرة كائن إلهي ،من خلال التلاعب البيولوجي» ويشرح ذلك بالقول: ” إن شيئاً لم يتغيّر بيولوجياً منذ 4 مليارات سنة، ولكننا سنكون مختلفين نحن بشر اليوم كاختلاف قرود الشامبانزي عنا الآن. في كتابه «21 درساً للقرن الواحد والعشرين»، يشير إلى المشكلات التي تواجهها البشرية، ويستطلع قضايا العالم المعاصر الأشد إلحاحاً ومن أهمها:
– خيبة الأمل، ولا أحد سيعرف كيف سيكون المستقبل، وقصص الديانات والأيديولوجيات السياسية مثل القومية والشيوعية والليبرالية، قصص يتسلى بها الناس، ولكنها غير قادرة على تهيئة البشرية لما سيحدث في الخمسين سنة المقبلة، فالتكنولوجيا والتعبير المناخي قد يتضافران لصناعة عالم مختلف تماماً.
– العمل، وليس لدينا فكرة كيف ستبدو سوق العمل في العام 2050، ويعتقد البعض أن الذكاء الاصطناعي والروبوت سيجعلان البشر عنصراً فائضاً عن الحاجة الاقتصادية، فيما يتحدث البعض الآخر عن أشكال جديدة من العمل توفرها التكنولوجيا أو التكنولوجيات الحديثة.
– الحرية، والتكنولوجيات الحديثة لا تملك الفكر الليبرالي أو النظرية الليبرالية، التي تقوم على الحريات العامة، العكس «الغوريثمات» تتحكم بالمصائر البشرية والخوف من هيمنة عمالقة التكنولوجيا، مثل غوغل وفيسبوك وتويتر في الخمسين سنة المقبلة.
– المساواة ، والعالم على عكس ما روّج له سائر نحو اللامساواة  ، مع تركيز الحجم الأكبر من الثروة والقوة بأيدي قلّة.
– الحضارة حيث يسود الشعور بالانتماء إلى هويات قومية واجتماعية، ولكن ماذا عن الكوارث الطبيعية والكومبيوترات التي تتحكم بالعالم؟
ويضيف هراري إلى هذه التحديات أشكاليات أخرى مثل الدين والهجرة والإرهاب، وهنا في موضوع الإرهاب يقلّل هراري من خطورة الإرهاب الذي يتسبب بضحايا أقل من ضحايا المشروبات الغازية والسكرية. ولكنه يعترف أن وقوع الأسلحة النووية بأيدي جماعات إرهابية يشكّل خطراً كبيراً.
فيما يميّز ما بين الهجرة الإيجابية والهجرة السلبية و«يمكن أن تكون الهجرة عامل تقدم اقتصادياً واجتماعياً».
في موضوع القومية يقول هراري:
«على المدى الطويل، كانت القومية قوة جيدة، سمحت للناس بالتعاون كما لم يحدث من قبل. كان السبب الرئيسي في ذلك هو الشعور الوطني بأن الناس مستعدون لدفع تكاليف حمايتهم الاجتماعية ودولة الرفاه. ولكن القومية لها أيضاً جوانب سيئة: كراهية الأجانب، الأمر الذي أدى ويؤدي إلى حروب مما يجعل الأمور أكثر سوءاً.  لكن القومية ليس لديها إجابات على المشكلات العالمية، وليس مستغرباً أن معظم الناس من اليمين القومي الذي ينكر تغيّر المناخ من فكتور أوربان، إلى ستيف بالغرن، مروراً بماري لوبان، تتلخص نظرتهم للقومية في شبكة من الحصون تمنع الهجرة وتفرض ضرائب على المنتجات الأجنبية – الحصون التي تحمي من الحرب، الأعداء، والتعددية الثقافية، ولكن لا يمكن لأحد بناء جدار ضد الأفكار أو ضد الاستخبارات؟».
* في كتابك تفتح على بيان متشائم تقول: الليبرالية مهددة بصعود الأنظمة الاستبدادية و«أزمة الإيمان»، هل الأمر جدي في بلداننا الغربية إلى هذا الحد؟
– حتى الآن، ليست أزمة خطيرة، مثل ما شهدناه في القرن العشرين، الحقبة الأولى من العولمة انتهت إلى حمام دماء مع الحرب العظمى في سنوات الثلاثينات 1930، وفي سنوات 1950 و1960 من الثلاثينات شهدنا ظاهرة هتلر، وفي الخمسينيات والستينيات ظاهرة تشي غيفارا، وهي ظواهر هدّدت الديموقراطية.
* في كتابك «21 درساً للقرن الواحد والعشرين» تقول إن الإرهاب يقتل أقل من السكري؟
– الإرهابيون أسياد في التلاعب في فن العقول. إنهم يقتلون القليل جداً. ولكنهم لا يحققون نجاحاً في إرهاب الناس والمدن ويهزّون الأجهزة السياسية الهائلة مثل الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأميركية. وكما حدث في 11 أيلول/ سبتمبر، إرهابي واحد يقتل عشرة من الولايات المتحدة أو 7 من الصين، أو 50 شخصاً كل عام من الاتحاد الأوروبي،ما يدفع الحكومات الأوربية إلى إعلان حالة الطوارئ في المدن وهي مجموعة فردية، لكن الذين يموتون من المشروبات الغازية أكثر بكثير، من الذين يمونون من الارهاب، وانا لا اقلل من بشاعته وظلاميته  .
* والأديان؟
– الأديان ليس لديها كثيراً لتخبرنا عن حياتنا الحديثة.
هذه هي الأساطير العظيمة الحالية، الله، الولايات المتحدة الأميركية، تطور النزعة الاستهلاكية، اشبه بالرومانسية  ولكن لا تقدم الاديان شيئاً  لشراء شيء،  لحل الناس مشاكلها، عكس شراء  سيارة جديدة، مثلاً، شيء تستهلكه، تشتريه، نشاط سياسي، مقاطعة هذا المنتج، ما تقدمه هذه الشركة. النزعة الاستهلاكية تصقل الملايين، تتجاوز الحدود، لا يهم معها إن  كنت مسيحياً أو يهودياً أو مسلماً، أو هندوسياً، سواء كنت تعيش في فرنسا أو أميركا أو الصين.
* نجد في كتابك «العاقل» إنه لم يجعل العاقل الإنسان أكثر سعادة أو رضى، هل هذا سؤال مؤرّخ؟
– هذه أكبر صحوة في تاريخنا، في ذكائنا التاريخي. معظم المؤرخين يركّزون على أفكار كبار المؤرخين، على صعود أو سقوط الامبراطوريات، ليس لديهم ما يقولونه عن سعادة ومعاناة الأفراد. بعد صعود المسيحية أو الامبراطورية الرومانية، هل كان الرجال أكثر سعادة؟ هل صارت الامور اكثر ديمقراطية ؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، ماذا يخبروننا عن تأثير المسيحية؟ الإجابة ليست سهلة!
نتعامل مع السعادة باعتمادها على العوامل المادية الغذاء، النظافة، الثروة، ماذا عن ارتباطها لتوقعاتنا المقبلة والتي تزداد، هذا لا يجعلنا راضين أكثر من أسلافنا، الرأسمالية والنزعة الاستهلاكية تخالف النظم الدينية والإيديولوجية السابقة ، وتحوّل الأخيرة إلى شبه كوميديا أو دراما إنسانية. أنا أفهم الإنسانية هي محالة خلق نظام أفكار يعالج المعطيات القائمة ، ونتحدث اليوم عن يوتوبيات تكنولوجية في «Silicon Valley» . هذه التحديات لا تحل عبر الأديان والتأملات والروحانيات. هذه لا تقدم حلولاً للأزمات الحالية أو السياسية التي نواجهها. ومن الأهمية بمكان أننا نحو 8 مليارات نسمة نتقاسم بشكل منظّم هذا التحدي ونختبر التجربة. التأمل يساعدنا على اكتشاف حقيقة العالم، ولكن لا يعطينا السلطة لتحويله أو لتحويل العالم. الحقيقة تصل بنا إلى نقطة ما. ولكن بالنهاية كل فرد سيمشي من 8 مليارات نسمة في طريقه.. علينا بذل جهد لجعل الناس يتعلمون ويعيدون ابتكار أنفسهم، ويجب أن يأتي الكثير من هذا الجهد من الدولة. في القرنين التاسع عشر والعشرين ثم بناء نظام تعليمي لم يكن موجوداً من قبل. نحتاج إلى نظام للتعليم وإعادة التعليم.  ولكن ليس بمعنى معسكرات العمل الصينية. يستغرق الأمر دعماً، إيرادات من ضرائب على الروبوتات والسيارات التي تعمل بدون سائق. وكل الحواجز النفسية قد تكون معقّدة أكثر في الاقتصاد. كيف سيعيش المزيد من الناس بعد عقود من فقدان وظائفهم من دون مساعدة مالية؟ هذا أمر مؤسف.
* حديثك عن المال أكثر الأمور إثارة؟
– المال من وجهة نظري نموذج قوي جداً على تطبيق الخيال الجماعي والإيمان به وبناء التعاون بين البشر على أساس ذلك في ما بعد. فقطعة الورق الأخضر التي يسمونها الدولار هي لا شيء، لا قيمة لها «صفر»، لكن المصرفيين والاقتصاديين ووزراء المال في العالم، قالوا إن هذه القطعة اللاشيء يمكن أن تشتري لنا 10 موزات، ونحن صدّقناهم، وذهبنا إلى البائع لنشتري. المال هو أكثر خيال يصدّقه البشر، فليس كل البشر يؤمنون بالإله، وليسوا جميعاً من المؤمنين بحقوق الإنسان. لكنهم من دون أي استثناء مؤمنون بالمال.
* وماذا عن ضرورة المجتمع؟
– البشر اليوم يتحكمون بالكواكب، لأنه أكثر الحيوانات مرونة في التعامل فيما بينهم، هناك كائنات أخرى تتعاون فيما بينها كالنحل، ولكن تعاونها صارم ومنضبط ولا ينطوي على المرونة التي يتحكم بها البشر. تعاون البشر هذا لا يتوقف على الإنجازات الهائلة، بل أيضاً على الكوارث التي يتسبب بها الانسان، والجرائم التي ارتكبناها ونرتكبها، السجن مثال حقيقي على نظام التعاون البشري المرن، كما حال المسالخ ومعسكرات الاعتقال، وتدمير البيئة والطبيعة وتطور الإيمان بالخيال مع العالم الافتراضي والدلائل تشير إلى رجل القرن الواحد والعشرين وهو جاد في طلب الخلود والمحافظة على الشباب الدائم ومكافحة الشيخوخة والحصول على الثروة. وتطور الوعي بين الناس وشيوع المعلومات الطبية، والمريض صار يعرف أكثر من الطبيب المعالج. لم يعد الموت ذلك الشبح. الإجابات صارت إجابات تقنية لا أكثر وهي شخصيات علمية، وبنود من كتب الطب والأكاديميات ونتائج عمل ميكروبات محددة ومسببات غير خافية على أحد.
وبالمنطق نفسه فإن شيئاً سيحدث، ويجعل البشرية تتغلب على هذه التقنيات، فينهزم الموت وتتحقق شرعة حقوق الإنسان، أي حق الإنسان بالحياة وهذا ما تشي به مجالات الهندسة الوراثية وعلاجات التجدد والبيولوجيا الإلكترونية.
هذا إذا أردنا أن ينتج ذلك من تنظيم الذكاء الصناعي والتكنولوجيا المدنية. لكن  بدون تعاون، من المستحيل إيقاف التدهور البيئي، وعادات الحروب السيئة، وإذا حصلت الصين أو روسيا على روبوتات مسلحة فستكون بداية سباق تسلح مدمر .  قدرة الذكاء الاصطناعي من الممكن أن تؤدي بالإنسانية إلى الاندثار. الأزمة الحالية تنبع من حقيقة أن لدينا التكنولوجيات التي تخترق البشر، الأخبار المزيفة، الأديان، الإيديولوجيات هي الأخبار المزيفة التي نجحت، والمثال والاختراع يقود العالم..  هذه الديموقراطيات هي ضرب من الخرق. نعترف بديموقراطية الليبرالية أن أدمغتنا هي صندوق أسود مليء برغباتنا وأفكارنا ، وإننا وحدنا لدينا إمكانية الوصول إلى الآخر، هذا يأخذنا إلى النقيض. هذه نقطة قلق. لا الأمم المتحدة ولا حقوق الإنسان هي حقائق بيولوجية، هي ليست مجسدة في حمضنا النووي (…)
* وسط حروب الشرق الأوسط الدينية، أنت  ترى رأياً آخر غير ما تؤمن به أطراف النزاعات؟
– من تلك المنطقة المشتعلة، أنا أعتقد أن المكان الأكثر قداسة الآن على كوكب الأرض، ليس الأرض المقدسة في الشرق الأوسط، بل في «وادي السليكون» ، حيث يطور الباحثون هناك ديناً تكنولوجياً سينتصر على الموت. أصبح البشر يفكرون في الموت بطريقة تقنية لا أكثر، ومع الوقت تضاءلت القداسة التي كانت تصبغه، لم يعد الموت ذلك الذي يرتدي عباءة سوداء ويأتي لخطف الأرواح.
هذا هو المشروع الريادي هزيمة الموت، هذا ما يشي به التقدم السريع في مجالات الهندسة الوراثية والسوسيولوجيا الإلكترونية، هذا ما تتوقعه الأجيال في العام 2200، أو بحلول العام 2100.
* والخيارات الممكنة؟
– خياران، الأول أن نستخدم التكنولوجيات لرفع مستوى أنفسنا، لخلق السوبر بشر بنوعية عالية، أو نحاول خلق شيء مختلف تماماً عنا، أكثر ذكاً وقوة، مثال الذكاء الاصطناعي. ويمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أول كيان غير عضوي في تاريخ العالم.
البشر، الفيروسات كلها خوارزميات، خوارزميات بيوكيمائية.
* تميّز بين الروبوتات والذكاء الاصطناعي؟
– المفتاح هو الذكاء الذي يجعلهم يعملون. المظهر المادي، لا شيء. ما هي أجهزة الكومبيوتر والروبوتات، ليس ما يهم، نعم البشر متفوّقون على الرابوتات ، وعلى الكومبيوترات.
ولكن المسألة في غضون 40 سنة مقبلة ، أن هذا الذكاء الاصطناعي سيتلف جزءاً كبيراً من العمالة البشرية، والمسألة السياسية في القرن الواحد والعشرين ستكون ما الذي ستفعله هذه المليارات من الناس «عديمي الفائدة»، الذين لا وظيفة لهم في الاقتصاد؟
* هذا يتعارض مع المعنى الحرفي للتوراة، ملاحظتك تقدّم الروح الأصولية؟
– كتاب التوراة ليس كتاباً علمياً، لا يقدّم إلا القليل من الإشارات إلى نظرة التطور أو (التأثيرات العلمية) القليل القليل جداً وهو كتاب أساطير، والقراءة المتأنية لحكماء التلمود تبيّن أن اليهودية ليس لديها بديل للاقتراح العلمي. أن يُنسب أصل البشرية إلى رجل واحد لهم ليس علمياً، كل هذا أسطورة..
* هناك مفارقة إسرائيلية، البلد في ذورة الابتكار، ولكن في الوقت نفسه، يبدو أنه يتجه نحو قبلية غير مسبوقة، لماذا؟
– هذه ليست مفارقة، نعرف بفضل التاريخ، أن التعصب الديني، القومية والقبلية، يمكن أن تتعايش مع الابتكارات التكنولوجية، من الشائع وضع أكثر التقنيات تقدماً في خدمة الأفكار الأسطورية والمشاعر القبلية، هذا   يجعل إسرائيل مستكبرة  وعنصرية ، ويعمق إحساسها بأنها في أزمة وجودية. فكرة إن لم تبتكر فسيتم تدميرك فكرة مرعبة . هذه تعزز المشاعر القبلية، واحد من أهم المختبرات في مجال تشكيل التقنية الرقمية، هو في الضفة الغربية، حيث تجتمع أسوأ سمات الإسرائيلية واليهودية والتعصب الديني جنباً إلى جنب مع التكنولوجيا الأكثر تطوراً..
إسرائيل رائدة في المراقبة، والتجارب، وما يعيشه الفلسطينيون والضفة الغربية يمهّد لما ستكون عليه حياة المليارات من الناس. أي ناس يعيشون تحت المراقبة الإلكترونية، لا يستطيع الفلسطيني إجراء مكالمة هاتفية من دون أن تمر في Server الإسرائيلي أو يتم تصويره أو رصده للتمكن من التعرف على أكبر كمّ من المعلومات والنماذج التمثيلية عن سلوك الفلسطينيين.
إسرائيل تجعل الاحتلال متطوراً وفعّالاً، ولكن هناك جانب سلبي، الإسرائيليون يطوّرون أساليب معقّدة بشكل متزايد للسيطرة على ملايين الفلسطينيين، انه الاحتلال الرقمي .
* تؤكد أنك في طفولتك كنت مشدوداً إلى الرواية حول الهوٌية الإسرائيلية، ما الذي بذلته كي لا تكون رواية خيالية مثل الآخرين؟
– بدأت في قراءة كتب التاريخ، وتحققت من كثير من التفاصيل حول الرواية اليهودية واكتشفت أنها خاطئة، وبأن الإنسانية، إنسانية العالم،  كانت أوسع جداً من تلك الرواية التاريخية حول الهويّة اليهودية. أنا أقول بأن أورشليم  ليست العاصمة الأبدية لإسرائيل وللشعب اليهودي، بل  تعود تاريخياً إلى 5000 سنة فيما الشعب اليهودي عمره 3000 سنة فقط من الحضور.
يعني لا شيء، الإنسانية سبقت اليهود بـ2000 سنة، وهي مدة زمنية هائلة لجهة التحولات، الثورة الزراعية، ولادة المدن، تقدم الطباعة والكتابة. القدس عمرها إذاً 5000 سنة وسبقت إسرائيل، والكثير من الأدوات والمؤسسات ليست نتاج وطن، لا يجب أن ترتكز فقط على الادعاءات اليهودية.. أنا متأكد أنها ماتت منذ فترات طويلة.
* تقول إن كتاب التوراة لم يلعب دوراً تحديثياً وعلمياً في مفكرة الإنسانية؟
– عندما نشرت كتاب «العاقل» في العام 2011، السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة للقرّاء الإسرائيليين كان حول معرفة لماذا أشرت إلى هذا الموضوع. الحقيقة أن مشكلة التوراة أنها لم تقدّم إلا الجزء القليل جداً والضئيل إلى الإنسانية، أثرها الأساس أنها أدت إلى ولادة المسيحية. ولكن غالبية الأفكار في الكتاب القديم، لم تكن جديدة، مستقاة من الفراعنة. كلمات مثل «لا تقتل» أو «لا تسرق» ، “الخير أو الشرّ” ، يجب أن لا يُبالغ في تضخيمها. نتكلم الآن عن حضارة مسيحية – يهودية، حضارة تفتح على أخلاقية العالم. هذا عدمي، الأخلاقية وجدت في فترات سابقة جداً، القواعد الأخلاقية سبقت ذلك بعشرات الآلاف من السنين، مثل النبي ابراهيم.
الأستراليون القدماء Aborignés، كانت لديهم الأمثولة الأخلاقية من دون معرفتهم بالبوذية ولا باليهودية، ولا بالمسيحية. صرنا نعرف عبر التاريخ أن المعايير الأساسية للأخلاقية تعود إلى ملايين السنين من عمر العالم.

اترك تعليقا