الرئيسية » أخبار المجموعة » يفجيني بريماكوف عن قراءة التاريخ وستالين وآخرين

يفجيني بريماكوف عن قراءة التاريخ وستالين وآخرين

د. فالح الحمراني

 

  كثير من الشخصيات المؤثرة ومن بينها يوسف ستالين(1878ـ1953) لم تجد مكانها الواضح في التاريخ، وظلت معالمها اسرارا خفية تتلون بتقلبات الانظمة السياسية والاجتماعية، فمرة نجدها، بعد رحيلها، تُصعد الى الذروة وحتى التقديس، واحيانا تُنبش من قبورها لترمى على ذكرها القاذورات أو تترك في غياهب النسيان، وهذا ايضا يتعلق بستالين، الذي رُفع رفات جثمانه الراقد الى جانب لينين المحنط، ووضع رماده في علبة صغيرة في جدران الكرملين. حتى ان شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري قال فيه:

اقسمت باسم عظيمٍ كرمت

باسمِه أنْ لا تهين العظماء

يا ” ستَالينُ ” وما أعظمَها

في التهجي أحرُفاً تأبى الهجاء

أحرف يستمطرُ الكونُ بها

إنعتاقاً وازدهاراً وإخاء …

و منذ ان سلط الزعيم السوفياتي الاسبق نيكتا خروشوف الضوء على ممارسات نظام ستالين، في تقريره الشهير امام مؤتمر الحزب الشيوعي السوفياتي في فبراير/ شباط 1956 ، ما زالت شخصية ستالين مثار جدل في المجتمع الروسي المعاصر، وليس وحده، ولم تخفت وتائر السجال. وهناك اسئلة تنطرح ايضا حول مدى علاقة ممارسات ستالين بالفكر الماركسي، وهل تحرك في هذه الحالة كماركسي/ لينيني كما كان يحب تسمية نفسه، ام كرجل سلطة اراد ان ينفرد بها عن طريق تصفية المعارضين الفعليين والمحتملين، او كرجل دولة سعى لاستعادة هيبة روسيا الامبراطورية بمسميات عصرية، مفرغة من الايديولوجية الماركسية اللينينية.

 ويرى القارئ اليوم على رفوف مخازن بيع الكتب في موسكو المؤلفات الانيقة التي تتناول شخصية ستالين ذات الإشكالية تاريخيا، من مختلف الجوانب وتنقب عن ادواره وفي برامجه الاقتصادية واسباب وفاته ودوره في الحرب العالمية الثانية والانتصار على النازية… وعلاوة على ذلك هناك دعوة لاستعادة مدينة “فولغاغراد” اسمها السابق الذي نالته بعد الحرب العالمية الثانية وهو “ستالين غراد” (أي مدينة ستالين) ودعوات لوضع التماثيل واللوحات التذكارية له في بعض الاماكن العامة، وبالمقابل ثمة ايضا حملة مضادة شرسة مناهضة تحذر من تداعيات مدح ستالين او تمجيده باي شكل من الاشكال او استحضار “روحه”، وتنشر الكثير من الإصدارات عن المعتقلات والسجون التي فتحت ابوابها في عهد ستالين وزج فيها بالملايين من الابرياء، وعن ممارسة اجهزة الأمن التعسفية وإعدام الالوف من البسطاء والمشاهير على أساس تهم باطلة.

هذان الموقفان يتواجهان اليوم بحدة. ولم يخفت النقاش حول ستالين حتى خارج روسيا بما في ذلك بين المثقفين العرب، البعض يتعامل معه كزعيم تاريخي قاد الطبقة العاملة العالمية نحو بناء الاشتراكية ولو في بلد واحد، وشاد اول دولة اشراكية وواجه المانيا الفاشية وحرر شعوب ودول اوروبا بل والعالم من الاحتلال الالماني وقضي على نظام هتلر الفاشستي، والاخر يرى فيه طاغية مستبدا أقام حكما مطلقا وحرف الفكر الماركسي وابعد الحزب عن الجماهير ليكون الناطق الوحيد باسمها من دون مشروعية، واراد ان يبني الجنة على رؤوس البشر او كما يقول لينين ” قيادة الناس إلى الجنة بالعصا”. خلاصة القول: هناك معسكر يريد اعادة الاعتبار لستالين كصاحب دور التاريخي ايجابي، واخر يسعى لمحوه من التاريخ وتجنب احياء اساليبه في الحكم والقيادة، بما ذلك لكونها لا تنسجم والفكر الماركس / اللينيني.

ضمن هذا السياق كرس السياسي المخضرم ورجل الدولة المستعرب  الراحل يفجيني بريماكوف في كتابه  ” روسيا : الآمال والهواجس” الصادر في 2015  في موسكو فصلا بعنوان ” في آن واحد “مع” و”ضد” ستالين”. ان عودة بريماكوف حينها لموضوعة ستالين التي بدت وكأنها خارجة عن مادة الكتاب العامة جاءت كما يبدو بمثابة ناقوس خطر من الولع بشخصيته او التطرف بتقييمها سلبا، في وقت تقف فيه روسيا على مفترق طرق تاريخي، كما انه يحذر من ان تلقي الممارسات الستالينية بظلالها على الانجازات العظمى التي قام بها الشعب السوفياتي.

ويرى بريماكوف:أن هناك مواجهة واسعة بشأن ستالين، وتكمن في “هل علينا ان نمحو من تاريخنا 70 عاما شكلت المرحلة السوفياتية، ام ننوع الموقف من ما عايشه البلد في هذه الحقبة”. او بعبارة اخرى “هل تستطيع جرائم النظام الستاليني التي فضحها المجتمع وأدانها ان تشطب النجاحات التي حققها الاتحاد السوفياتي في الكثير من المجالات :الاجتماعية والثقافية وتلك القدرة على تعبئة كافة الموارد لتحقيق اختراقات في المجالات العملية ـ التكنولوجية.” وحسب بريماكوف ” ان ستالين يتحمل فعلا بصورة مباشرة مسؤولية الجرائم، وخاصة في الثلاثينيات، التي اودت بحياة ملايين الناس الابرياء، وبعد وفاة لينين قلص “السياسة الاقتصادية الجديدة”، وادى هذا الى خيبة أمل شريحة اجتماعية بكاملها من الفلاحين، وتهجير شعوب وناس من مختلف القوميات الى كازاخستان خلال الحرب الوطنية العظمى.”

وفي معرض بحثه عن الأسباب التي أدت الى ارتكاب كافة هذه الجرائم يرى بريماكوف انها كانت في اطار خطة ستالين الواعية لإزالة كافة الشخصيات التي قد تعترض طريق صعوده للسلطة والانفراد بها. ويضيف :”ان من السذاجة بمكان تفسير كل أعمال الشر التي بلغت ذروتها في النصف الثاني من الثلاثينيات بـ”بارانويا”ووساوس لدى ستالين”. ويرى ان ممارساته ، رغم كونه يبالغ في شكه في الاخرين، “لم تكن ارتجاليية وانما متفقة مع منطقه الشرير”. وانه لم يكن مقتنعا بتحضير قيادات الجيش الاحمر، الذين قام يتصفيتهم، مؤامرة عليه لعزله من منصب سكرتير عام الحزب، ويستبعد بريماكوف ايضا ان يكون ستالين قد قام ضمن هذه القضية بتصفية المارشال اللامع وصاحب الماثر في الحرب الاهلية، والحزبي العريق ميخائيل توخاتشيفسكي وفريقه، بسبب الشكوك التي ركبته، واضاف “ان نهج تصفية أية معارضة في الجيش الاحمر، النهج الذي اختطه القائد، اصبح بالنسبة لستالين المهمة الاولى.”وان ” اظهار ثبات موقع ستالين في الجيش الأحمر كانت سببا في تعيين المارشال “فاسيلي بلوخر” رئيسا للمحكمة العسكرية في قضية توخاتشيفسكي وانصاره. وحسب ما يقول بريماكوف: ان ” فاسيلي بلوخر” (1890 ـ 1938 ) لم يكن رجل مفوض الشعب (وزير الدفاع) كليمينت فوروشيلوف ( 1881ـ 1969) ولا حليف “مارشال الخيالة” سيميون بوديوني ( 1883ـ 1973)، لذلك تم بعد اجراء المحاكمة اعتقاله ومن ثم تصفيته بالتعذيب.

                                                 خلفيات تاريخية

 

ويلفت بريماكوف ايضا الى ان ستالين لم يحصر تصفيات المخالفين لآرائه في اطار الجيش وحسب. حيث سادت التطهيرات كافة انحاء البلاد. قد “أَنزلت الضربة الأولى بنشطاء الحزب”. منوها بوجود أساس للحديث عن “ان جزءا من الذين طالهم التنكيل كانوا من المتمسكين بوجهات نظر تروتسكي”. معربا عن القناعة بأن”ستالين لو تمكن في العشرينيات من جر الحزب باكمله خلفه، لما اصبحت تصفية تروتسكي في الخارج بديلا عن نفيه”. وقال ان “ستالين كان حينها يخشى استعمال الإجراءات القصوى إزاء تروتسكي وأنصاره”. “وهاهو الان انتقم”. واسترسل بريماكوف بالقول” بدل الصراع الايديولوجي مع الخصوم، اعتمد النهج الذي اختطه ستالين على إسلوب التصفية الجسدية لكل من لا يتفق معه”. وقال “ليس سرا ان نيكيتا خروشوف ( 1986ـ 1894 ) ولازار كاجانوفيتش ( 1893ـ 1991) وفيتشسلاف مولوتوف ( 1890 ـ 1986) دفعوا ستالين نحو ذلك، ساعين للظهور بمظهر الناس المخلصين له الذين يؤتمنون”. واضاف” ان اياديهم ملطخة بالدماء”.

وفي رصد خلفيات الاحداث يلفت بريماكوف الى صعود وزير الداخلية نيكولاي يجوف (1895 ـ 1940) ذي الميول السادية في هذه المرحلة إلى الواجهة، بمثابة الرجل الثاني في قيادة البلد، والسماح بالتعذيب، “بالطبع بمعرفة ستالين، صبّ في دعم ممارساته”، وادى هذا الى تصعيد وتائر آلية التنكيل، “حيث انتشرت ممارسة ارغام المواطنين على رفع تقارير بوشايات ملفقة عن زملائهم واقاربهم، وغالبا عن الناس الذين لا يعرفونهم تماما، في محاولة منهم للخلاص من التعذيب الجسدي. وبلغت اعمال التنكيل حدودا غير مسبوقة.”  كما يلاحظ أن: “التنكيل الذي مورس في عهد ستالين، طال الشيوعيين الأجانب ايضا. وقد جرى بتهمة التروتسكية والعداء للبلشفية، اعتقال زعماء احزاب شيوعية منضمة للكومنترن وتعذيبهم جسديا : بما في ذلك زعماء الحزب الشيوعي الألماني واليوغسلافي بما في ذلك “فلاديمير تشوبيتش”(1891ـ1938) زعيم الحزب الشيوعي اليوغسلافي في 1920 وممثل الحزب الشيوعي اليوغسلافي في الكومنترن وشارك في 1937ـ 38 في الحرب الاهلية في اسبانيا حيث قاد الكتيبة الاممية 15 والبولوني ومؤسس الحزب الشيوعي اليوناني والهنغاري والروماني والفنلندي ودول البلطيق وغيرهم. كما جرى اعتقال “بيلا كون” الشيوعي المجري والثوري البلشفي الذي قاد الجمهورية المجرية السوفيتية سنة 1919 ومن ثم اعدامه رميا بالرصاص. وتحولت اقامتهم في الاتحاد السوفياتي الى اعتقال واذلال. ومن زاوية تاريخية ليس بمقدور احد ان يصفح عن ستالين ويسامحه على ممارسات التنكيل بهم.”

وقال: هذا جانب من القضية. “أما الجانب الاخر فهو حل الكومنترن في مايو عام 1943 الذي يندرج ايضا في لائحة جرائم ستالين”. “ان حل الكومنترن، الذي جاء طبعا بأمر من موسكو، تم حينما كان الاتحاد السوفياتي بحاجة ماسة لرص صفوف قوى التكتل المعادي للهتلرية الذي ضم الاتحاد السوفياتي وامريكا وبريطانيا وغيرها. وما عرقل هذه العملية هو خشية عدد من زعماء الغرب من تغلغل مجسات الكومنترن وكالسابق، في الدول المتحالفة الان مع الاتحاد السوفياتي ضد الهتلرية، وهدفه (الكومنترن) الإستراتيجي اطاحة الانظمة البرجوازية.”

ويرى بريماكوف : ان اعادة الاعتبار وتبرئة ساحة الكثير من الذين طالهم التنكيل والقتل، لا يمكن ان تخفي وقائع “الغولاغ” (معسكرات الاعتقالات الجماعية). وهنا يستدرك بالقول “بيد ان النظر الى كامل مرحلة السبعين عاما من حياة بلادنا، عبر شبكة الجرائم والاخطاء، هو موقف استهانة بالشعب السوفياتي، التي يجري بهذا الشكل شطبها من التاريخ، وتصوير الشعب كدهماء من البشر المشغولين فقط بمدح ستالين وتمجيده”.

ويتناول بريماكوف ايضا مرحلة الحرب العالمية الثانية، ويدحض التفسير الرسمي بان الهزيمة التي منى بها الاتحاد السوفياتي في مرحلتها الاولى كانت بسبب ان هجوم القوات الهتلرية كان مفاجئا وغادرا. وبعد عرض مفصل يصل بريماكوف الى راي مفاده ان الهزيمة في المرحلة من الاولى من الحرب وتغلغل العدو بسرعة الى اعماق الاتحاد السوفياتي لم تكن فقط بالهجوم المفاجئ لجيش هتلر ولا بسبب نقص في شجاعة الجيش الاحمر وانما مردها الى توازن القوى العسكرية للاتحاد السوفياتي والمانيا وكذلك من اسباب اخرى الى انه كان حصيلة اعمال التنكيل في الثلاثنيات التي ابعدت من الجيش الجزء الاعظم من القيادات العسكرية وان الاخطاء التي ارتكبتها القيادات العسكرية التي حلت محل القيادة التي طالها التنكيل كان لها دور في هزيمة الجيش الاحمر في بداية الحرب. ويشير ايضا الى الحزم الذي ابداه ستالين في وقف تراجع الجيش الاحمر امام قوى العدو بعد الانتصارات التي حققها في شتاء 1941 في ضواحي موسكو وضروة اتخاذ الاجراءات اللازمة لاحداث انعطاف في الوضع وهو ما تحقق في نهاية المطاف.

اترك تعليقا