الرئيسية » جماليات » “وردة الــجــلــيــد” … وأجمل الحنين الى المدرسة الاولى للغة الروسية 

“وردة الــجــلــيــد” … وأجمل الحنين الى المدرسة الاولى للغة الروسية 

أحمد الخميسي
ما زلت أرى نينا أندرييفنا رغم الزمن الذي انقضى وباعد ما بيننا. أراها ليس كما تخطر الوجوه على الذاكرة من مسافة، بل أبصر وجهها بوضوح وأكاد أحس لفح الانفعال من وجهها حين كانت تحدق بنا بنظرة ملهوفة على أن تستشف ما يرف بعيدا في عيوننا من حزن وتندفع إلي عناقنا وأنفاسها ساخنة ويدها مرتجفة تمسح على ظهورنا. أرى نينا أندرييفنا وتعتصرني رغبة قوية أن أعرف ماذا فعلت بها الدنيا؟ أين هي؟ هل مازالت على اعتقادها بأن وراء الضباب نجمة سعادة ساحرة آسرة بوسعنا أن نراها إن تطلعنا إلي السماء؟ أم أن الأحداث قد أحبطتها وعكرت صفو إيمانها؟
كنت في العشرين من عمري حين سافرت إلي موسكو لأواصل تعليمي. بعد وصولي بيومين قادني ميشا، وهو مترجم شاب يتقن الانجليزية، ومعي عدد من الطلاب إلي بيت من خمسة طوابق أشبه بفيللا قديمة في شارع قرب محطة مترو” بروفسايوزنايا”. توقف بنا ميشا عند مدخل البيت وأوضح لنا أن هذا هو مبنى الكلية التحضيرية الذي سنقيم وندرس فيه العام الأول، وأضاف إن مكاتب إدارة الكلية تقع في الطابق الأول مع المطعم، أما قاعات الدراسة فتشغل الطابقين الثاني والثالث، وحجرات السكن في أعلى طابقين. دخلنا المبنى وتقدمنا ميشا صاعدا درجا خشبيا ونحن خلفه نجر حقائبنا. أرشد كل ثلاثة منا إلي إحدى الحجرات ثم وزع علينا قصاصات صغيرة بمواعيد الدروس وأرقام القاعات. دخلت حجرتي وألقيت حقيبتي على السرير. فتحتها. أخرجت ما فيها من ملابس وزراير وكتب قليلة. ولم أع حينذاك أنني كنت أخلي حياتي مما كان وأفتحها لعالم جديد.
في صباح أول يوم دراسي امتلأت ردهة الطابق بالطلاب الذين خرجوا من حجراتهم يصخبون بمختلف اللغات وهم يهبطون إلي قاعات الدرس. وجدت القاعة رقم 23. فتحت بابها بحذر لا أدري لماذا. حجرة متوسطة المساحة بنافذة عريضة في الجدار، وخمسة طلاب كانوا مازالوا يزحزحون مقاعدهم ليجلسوا في وضع مريح خلف طاولة مستديرة أمامها سبورة خضراء. تعارفنا باللغة الانجليزية بكلمات وغمغمات خاطفة. موبوتو من الكونجو. رأس ضخم وكتفان عريضتان وفم واسع ضاحك، وبجواره أربع بنات. عايدة من كوبا، ممتلئة، بعينين منفجلتين، ترن ضحكتها مثل أي فلاحة مصرية. ماريا من كوستاريكا، مرتبكة متلعثمة بنظرة متوسلة طول الوقت. وبنتان طيبتان جادتان من فنلندا هما سايما وهيلفي. دائمتا الغمغمة كل في أذن صاحبتها، لم تفترقا طول السنة. وبينما نحن نتأمل بعضنا البعض، وكل منا يزن الآخر، انفتح الباب ودخلت سيدة تجاوزت الثلاثين. طويلة، نحيفة، بيضاء. وجنتاها بارزتان قليلا. شعرها قصير اختفى طرفاه وراء أذنيها الصغيرتين. وقفت صامتة وهي تشملنا بنظرة استطلاع مهذبة، ثم رن صوتها في الحجرة مثل أجراس صغيرة : ” نينا أندرييفنا”. فتحت حقيبة يدها وأخرجت ورقة صغيرة مطوية. فردتها وهبطت بها تحت بصرها. راحت تنطق أسماءنا وتطابقها على وجه من يلوح لها بيده. قالت شيئا بالروسية لم نفهمه فابتسمت. مالت على الطاولة ووضعت أمام كل منا نسخة من كتاب صغير بغلاف مقوى. استدارت ناحية السبورة وتناولت إصبع طباشير ونحن نتطلع إليها بفضول نفكر كيف وبأي لغة ستعلمنا الروسية التي لا نعرف منها حرفا؟. بدأت الدرس وفوجئنا بأنها تعلمنا الروسية مباشرة بالروسية من دون الاستعانة بلغة وسيطة. قالت: ” دوم”، فتطلعنا إليها بنظرة الغريق إلي طوق النجاة، فرسمت منزلا على السبورة وأعادت نطق الكلمة” دوم” ثم أدارت قبضة يدها في الهواء عدة دورات تستحثنا على تكرار الكلمة. قالت: ” كنيجا” ورسمت كتابا. وقفت بجنبها نحونا بينما نحن نردد الكلمات ترهف السمع بعينين نصف مغمضتين وذراعاها النحيفتان ترفرفان أمامها. فجأة أحنت قامتها تحدج فينا عن قرب لتستشف إن كنا قد فهمنا ما قالته أم لا. تحدج فينا وفي عينيها لهفة حارة على مساعدتنا وعطف على ارتباكنا. وكنا في أمس الحاجة للطمأنينة والتشجيع على الاستمرار خلال الأشهر الأولى من وجودنا في عالم جديد علينا، بلغته، وأهله، وطقسه. لم يكن السير على جليد زلق لامع في الشوارع سهلا علي وافد مثلي من تحت عين الشمس مباشرة،ولا تطوحي كعود قصب في ريح عاصفة باردة وأنا في الطريق إلي محلات البقالة، أو انتظاري تحت أسقف محطات الأتوبيس تطوق الثلوج البيضاء قدمي، وتتحجر شفتاي ولساني من البرد، أمد بصري ولا أرى سوى ضباب ينساب مثل زفرات وحش مغمور في العجز والأسى. وفي الليل كنت أتقلب من البرد طول الوقت، وأشعر بملاءة السرير متصلبة متجلدة تحتي، ولا يأخذني النعاس إلا قرب الفجر مع أوائل الدفء فأغرق في النوم إلي ما بعد موعد الحصة الأولى ثم أنهض وأجر بدني هابطا إلي قاعة الدرس وأنا اشعر بالقرف لتأخري المعيب. أطرق الباب وأدخل. تسألني نينا أندرييفنا بنبرة قلق على صحتي: ” ماذا حدث يا طارق؟ لم لا تحضر الحصص الأولى؟”. أخجل من التصريح بالسبب أمام البنات اللواتي لا تفوتهن حصة إلي أن انفجرت ذات يوم صائحا: ” لا أحضر لأني أنام! نعم. أنا أنام! “. فتح موبوتو عينيه في، ثم قهقه بصوت كالرعد المتصل وراح يدق سطح المنضدة بقبضته مندهشا : ” “ههههاي! يا رجل! تنام حقا ؟! تنام؟!”. أحسست أني كنت سخيفا فقلت محرجا: ” البرد يمنعني من النعاس طول الليل”. ابتسمت البنات الأربع معا في اللحظة نفسها، وزادت ماريا بأن ضحكت وغطت فمها  تحاول أن تكتم ضحكها. تسرب طيف بسمة إلي عيني نينا أندرييفنا وقالت للجميع بمودة:” ما المضحك في هذا ياجماعة؟ طارق مصري اعتاد على الأجواء الدافئة، طبيعي أن يشعر بالبرد”. شعرت بالإهانة من محاولتها إثارة التعاطف معي، فزعقت فيها : ” أنا أموت من البرد”. لاحظت انفعالي فربتت على كتفي ورجتني بهدوء أن أجلس، ثم خاطبتنا جميعا: ” على أي حال ليس في الطبيعة طقس سيء. أتعلمون أن الزهور تنمو حتى في الصقيع و شدة الجليد؟”. ثأثأت ماريا بدهشة: ” و.. و.. ح .. حقا ؟”. أردفت نينا أندرييفنا :” نعم. تنمو الزهور تحت سطح الجليد الشفاف وتبدو مثل دانتيلا من زهور بيضاء”. سدد موبوتو سبابته في اتجاه المعلمة وسأل: ” أنت.. أنت”، وأكمل وطرف سبابته تحت عينه:” رأيت ذلك بنفسك؟”. قالت: ” نعم. أنا من تلك المناطق. من مدينة ” دودينكا “، هناك يمكنك أن ترى ورد الجليد وتتلاحق أنفاسك من شعورك الجياش بأن الحياة تنتصر حتى في العدم”.
استبقتني نينا أندرييفنا بعد انتهاء الدرس وسألتني:” مارقم الحجرة التي تسكن فيها؟”. قلت :” 522 الطابق الخامس”. غمغمت:” سآتي وأوقظك قبل موعد الدرس بساعة”. صباح اليوم التالي كنت نائما ورأسي مغطى بطرف البطانية عندما شعرت بيد تهز كتفي وصوت يهمس:” طارق ياعزيزي. أفق. الساعة السابعة”. حدثت نفسي وأنا بين النوم واليقظة أيعقل أنها نينا أندرييفنا؟! بلى. هي.  اعتدلت وأنا دائخ أدير رأسي حولي كأنما بذلك قد تختفي نينا أندرييفنا، لكنها ظلت جالسة بطرف فخذها على حافة السرير تكرر:” ياعزيزي. عزيزي”! شكرتها بغمغمة متثائبا وأنا أفرك عيني. قامت وخرجت، وزميلاي في الحجرة يكتمان الدهشة. في اليوم التالي عادت ثانية تهمس لي في نومي:” السابعة ياطارق”! هبطت إلي الدرس في المرتين وبدني من قلة النوم مهروس وعقلي ملتهب كل ما أراه وأسمعه يحترق فيه.
وضعت خطة بحيث أفيق صباح اليوم الثالث قبل وصول نينا أندرييفنا. وكان الطلاب الأجانب يهرولون إلي الدروس تاركين أبواب حجراتهم مفتوحة. استيقظت وجريت إلي أقرب حجرة بابها مفتوح ورقدت على سرير هناك أستكمل نومي. صحوت متأخرا ودخلت إلي الحصة. لم تقل نينا أندرييفنا شيئا، لكن كان واضحا في نظرتها أنها قصدت حجرتي وفوجئت بالهروب الكبير، فقد راحت تتأملني ببسمة مندهشة كما لو أنني طفل قام بحركة طريفة على غير انتظار. جلست إلي المنضدة وواصلت هي شرح الدرس ثم توقفت حتى ننتهى من تسجيل كلمات الدرس. كنت أحاول أن أتفادى عينيها، لكني وجدتها تمعن النظر إلي صدري ثم ابتسمت لعايدة وقالت لها بنبرة عتاب:” آه ياعايدة..آه.. ياعايدة.. ألا ترين أن زر قميص طارق مقطوع؟ وهو مثل كل الرجال لا يحسن خياطة زر، لكن أنت.. أنت البنت الجميلة الذكية المفروض أن تلاحظي ذلك، وأن تقولي له هات القميص ياطارق.. لا.. لا .. ياعايدة ما هكذا تكون الجميلات!”. احمر وجه عايدة وتمتمت: ” حاضر. بعد الدرس”.
انقضت نحو ثلاثة أشهر كفت ماريا خلالها عن التطلع بنظرة متوسلة بعد أن اعتادت علينا، لكنها ضاعفت من تلعثمها الرقيق، وصار موبوتو يتناول الطعام مع هيلفي وراء منضدة واحدة في مطعم الطلبة ويسيران متشابكي الأيدي وتهرول خلفهما سايما تهز وجهها يمينا ويسارا كأنما تدفع عنهما الحسد. واعتادت عايدة أن تأتي إلي حجرتي من وقت لآخر تملأ المكان بالضوضاء والصخب لتطهو ثلاث سمكات نحيفات، أو صحن مكرونة على الطريقة الكوبية. وكنت أستمتع بضحكاتها العالية إلي أن تنهض فجأة لتنصرف وهي تقول:”شوية حب. شوية دراسة”. خلال تلك الأشهر الثلاثة قطعنا مرحلة لا بأس بها فأصبح بوسعنا أن نتكلم قليلا وأن نقف في المحلات بثقة إلي حد ما ونسمى للباعة الخبز والجبن بأسمائها بدلا من اشارات الأصابع ومواء القطط. حفظنا أرقام وأشكال الأتوبيسات التي تتجه إلي وسط المدينة والساحة الحمراء وإلي مطاعم شارع “جوركي”، لكن لم يفارقنا الشعور بأننا في عالم غريب، حتى السماء بدت غريبة، وكان يخيل إلي حينما أتطلع إليها أنها تزيح ضبابها عن وجهها وتحدق بي تسأل بشك :” لا أذكر أني رأيتك من قبل. هل أنت من هنا؟”. في بعض الأمسيات كنت أتمشى بمفردي في الشوارع، وأجد دموعي تنسال على وجهي وأنا أتذكر منال والظروف التي فرقتنا، ودفء بيتنا، وأقداح الشاي، وطيبة عمتي وخالتي، وجلبة المقاهي وأنسها، ثم أعزي نفسي بأنها فترة مؤقتة وأرجع بعدها. وكنت أتصور أن الحياة هنا أيسر على هيلفي، وسايما، لأن الطقس عندهما في فنلندا بارد ومشابه لأجواء روسيا إلي أن حل يوم وكانت نينا أندرييفنا توضح لنا على السبورة صيغتي الفعل التام والناقص حين التفتت لتقول شيئا ولمحت سايما وهي تفرد ظهرها وتثنيه وعلامات ألم على وجهها. سألتها بجزع:” مابك؟”، أجابتها وهي تزم شفتيها:” ظهري يؤلمني”. سرت ومضة انتباه في عيني نينا أندرييفنا كأنما تلوم نفسها على شيء وقالت: ” اسمعوا من فضلكم. إذا جلستم للدراسة فساعة واحدة فقط ثم انهضوا وقوموا بتمارين رياضية لمدة عشر دقائق. أتسمعون؟ هذا مهم جدا”. وهزت رأسها يمنيا ويسارا بأسف لأنها لم تلفت أنظارنا إلي ذلك من قبل. حينذاك أدركت أن الحياة هنا لم تكن صعبة علينا وحدنا، نحن أبناء الشمس، بل وعلى بنات الشمال البارد.
قطعت بنا نينا أندرييفنا مرحلة في تعلم اللغة وصارت تسقينا إياها من خلال النصوص الأدبية. تقرأ وتشرح لنا مقاطع سهلة صغيرة من شعر بوشكين ، وليرمنتوف، وبلوك، وغيرهم من كبار الشعراء وتدعونا إلي حفظها. ذات يوم طلبت من كل منا أن يقف ويسمع ما حفظه. قمت وألقيت عدة أبيات من قصيدة  ” كونستانطين سيمونوف” انتظريني:”حينما يسأم المنتظرون، انتظريني، انتظريني لأني سأعود إليك، شرط أن تنتظري إلي النهاية، أما الذين لم ينتظروا فإنهم لن يدركوا أبدا أنك بانتظارك هذا قد أنقذتني من النيران”، ثم نهضت ماريا وشرعت تقرأ من قصيدة رسول حمزاتوف: ” نجوم كثيرة وقمر واحد، بلدان كثيرة ووطن واحد”. تلجلجت عند جملة”وطن واحد”. أعادتها بحروف متقطعة وملامحها ترتجف ثم جلست تبكي. اندفعنا نحيط بها وهي تشهق ودمعها يجري. تطلعت نينا أندرييفنا بأسى إلي ماريا. واندفعت سايمي تظهر الجانب الطيب فيها فطوقت كتفي ماريا بذراعها وهتفت فيها: ” أنا أيضا أحن إلي وطني. وعندي كوستاريكا هنا”. وسددت طرف إصبعها تشير إلي قلبها: ” هنا. وطارق وموبوتو، كلنا نحن لبلادنا، لكن عما قريب سننهي الدراسة ونرجع”. وهيم في الجو شعور دقيق بالغربة تجمع في غيمة من الذكريات. اعتذرت ماريا عن انفعالها وأخذت تضحك وهي تمسح عينيها. أغلقت نينا أندرييفنا الكتاب الذي كان بيدها، وانهمكت تستفسر من ماريا عن أحوال أسرتها ووالدتها وكيف تعيش. وللمرة الأولى نسمع ماريا تتحدث بطلاقة من دون تأتأة أوثأثأة وتحكي بحيوية عن نوادرها مع أخيها الأصغر” ماركو”.
حل شهر فبراير وأطل وجه السماء دافئا. راحت كتل الثلوج تنزلق من على أسطح السيارات المركونة وتتساقط على الأرض متحولة إلي خيوط ماء، وأخذ الجليد الذي كان يطبق على جذوع الشجر في الذوبان. نضرت بواكير الربيع، واعشوشبت الأرض بالخضرة،وتفتحت الزهور صغيرة صفراء وحمراء على فروع الأشجار، ولم يعد يفصل بيننا وبين الامتحانات سوى ثلاثة أشهر فتضاعفت ساعات الدرس والتفتيش عن الكلمات في القواميس وتوجيه الأسئلة إلي نينا أندريفنا. حالة انهماك تتوتر فيها كل قوى الانسان ليصيب هدفا محددا.
Картинки по запросу ‫اللغة الروسية‬‎
اليوم بدأنا الدرس من دون موبوتو الذي دخل بعد قليل متجهما على غير عادته، ومن دون مقدمات خبط سطح المكتب بدفتر في يده وخاطب نينا أندرييفنا بانفعال:   ” معذرة، لكنني لن أكمل تعليمي هنا”. دهشنا جميعا من كلماته لأنه كان أكثرنا تفوقا وقدرة على التحصيل. سألته نينا أندرييفنا بقلق واستنكار :” ما هذا الذي تقوله ياموبوتو؟ لماذا تريد قطع دراستك؟!”. أجابها وهو واقف يرفض الجلوس: ” لأني أسود”. فاجأتنا الكلمة كالقنبلة. فقد ألفنا في الكلية التحضيرية أننا معا من دون تمييز من مختلف الأعراق والألوان واللغات. قال موبوتو: ” الناس يتطلعون إلي، أينما كنت، في المحلات وفي محطات المترو والباصات باستغراب كأني عجبة! ” وأضاف بذهول من يرى المشهد العجيب:” وليت الأمر اقتصر على النظر. مساء أمس في محل الخبز اقترب مني صبي صغير كان مع والدته. بلل طرف إصبعه بلسانه ثم مر به على سطح كفي ليتحقق إن كان سوادي لون طبيعي أم صبغة تزول بالماء”! حل علينا صمت الشعور بالصدمة والحزن. تقدمت نينا أندرييفنا نحو موبوتو بوجه شحب من الفزع والذهول وهي تقول له: ” لا تزعل ياعزيزي. لا تزعل. اعلم فقط أن الروس لم يشاهدوا من قبل مواطنا أسود”. وهزت كتفيها بحيرة كأنما تعتذر عن شيء ما: ” لم يكن عندنا سود حتى بدأت البعثات الدراسية مؤخرا”، وهزت رأسها هزة تقطر بالأسف: ” لكنهم لا يقصدون شيئا سيئا ياعزيزي. صدقني”. استدارت إلينا تخاطبنا وأمارات الحزم على وجهها: ” عيب جدا أن تحدق مباشرة بشخص،أي شخص، في كل الحالات عيب جدا. إذا لفت إنسان انتباهك لسبب أو آخر فيمكن أن تتطلع إليه فقط على هذا النحو”. رفعت رأسها لأعلى، وثبتت وجهها أمامها، ثم حولت عينيها الاثنتين تماما إلي اليمين من دون أن تتحرك. انفجرنا جميعا في الضحك وقهقه موبوتو وهو يهز قبضته صائحا:          ” هاهاي! انظر يارجل ماذا تفعل نينا أندرييفنا؟! هههاي! كيف تفعل هذا؟!”. اقتربت منه نينا أندرييفنا وقالت بجدية وبحيث نسمعها كلنا : ” أنت جئت من بلدك لتدرس فلا تدع شيئا يقف في طريقك”. وبسطت ذراعها نحو البنات الأربع: ” ثم انظر.. كم تحبك بنات المجموعة؟!”. صاحت سايما:” طبعا نحبك.. أنت إنسان رائع ياموبوتو”. احمر وجه هيلفي قليلا ولم تقل شيئا. وأمنت ماريا على ماسبق : ” إ.. إ.. را.. را.. إنسان رائع”. ضمت نينا أندرييفنا كفيها وهي تقول:” الآن يا أعزائي، إني أدعوكم إلي الغداء عندي في البيت. غدا”. نظرت هايفى إلي موبوتو نظرة دافئة سعيدة كأنما تقول له:”المعلمة نفسها تحاول أن تطيب خاطرك. أترى كم أنت عزيز؟”.
في اليوم التالي بعد انتهاء الدروس خرجنا إلي الشارع. تقدمتنا نينا أندرييفنا مثل دجاجة مندفعة ونحن نهرول خلفها مثل أفراخها. صعدنا إلي عربة الترام وقطعت لكل منا تذكرة. بعد عشرين دقيقة هبطنا واتجهت بنا إلي عمارة سكنية. توقفت بنا أمام باب شقتها ودقت الجرس. استولى علينا الفضول لأنه لم يسبق أن دخلنا منزلا روسيا. فتحت لنا امرأة مسنة ممتلئة على رأسها منديل معقود وفوطة مطبخ مدلاة من بين أصابعها. عرفتنا بها نينا أندرييفنا : ” أمي”. خلفها وقف صبي وفتاة صغيران يزيحان أطراف فستان الجدة، متأنقين برباطي عنق أحمرين زاهيين، يهزان لنا رأسيهما بأدب وسرور. قالت نينا أندرييفنا: ” ولداي. مكسيم وتانيا”، ثم مضت أمامنا إلي الصالة وكان واضحا أن الشقة صغيرة لكنها نظيفة ومرتبة. جلست البنات الأربع على كنبة وجلست أنا وموبوتو على مقعدين متجاورين في مواجهة المعلمة. جلنا بأبصارنا نستشكف ما حولنا بفضول. أثاث بسيط ومكتبة لصق الجدار وصور أدباء روس على الحائط تتوسطها صورة بوشكين بحجم كبير. باعدت نينا أندرييفنا ما بين ذراعيها مبتسمة تقول: ” هكذا نعيش”. وراحت تسأل كل منا عما ينوى عمله بعد انهاء الجامعة، وما إذا كانت فرص العمل في بلادنا متوفرة أم لا. قلت لها:”أتمنى، لو استطعت بالطبع، أن أترجم الأعمال الأدبية إلي لغتنا”. قال موبوتو إنه يحلم بأن يصبح مهندسا يقيم الجسور والكباري. ضحكت عايدة ضحكة من ليس بيده الأمر وهي تقول إنها ستعمل حيث تضعها الحكومة في الريف، في الجامعة، في مصنع. شرحت هيلفي صعوبة العثور على عمل في هلسنكي واستدركت تقول : لكني أود لو عملت مترجمة في الأمم المتحدة. رجعت نينا أندريفنا برأسها للخلف قليلا وقالت: ” المهم أن تقوموا بما تحبون القيام به. لا تفعلوا شيئا من دون رغبة”.
بعد قليل دخلت الوالدة تحمل صواني الطعام ومن خلفها الطفلان اللذان أحاطا بمقعد نينا أندرييفنا وراحا يختلسان النظر إلي موبوتو فبادلهما النظرات مبتسما. شرعنا نأكل من طبق” بلميني” شهية وهي قطع عجين كل قطعة بحجم عقلة الإصبع ملفوفة على لحم مفروم، وشُربة”بورش” الروسية الصميمة،وبطاطس مهروسة بالثوم والزيت ودجاج محمر. أكلنا بنهم دفعني لأن أقول:” لابد أن يغضب واحد منا مرة في الأسبوع فنضمن غداءنا هنا”. ضحكت نينا أندرييفنا، وفجأة هتفت لعايدة بنبرة احتفالية:”آها.. يالجمالك ياعايدة!ها هو الزر المقطوع يعود إلي قميص طارق! نعم. نعم. لهذا خلق الأصدقاء!”. حل الدور على أقداح الشاي مع البسكويت. رفعت نينا أندرييفنا بصرها إلي صورة بوشكين خلفها وقالت وبيدها فنجان الشاي:” ألا تلاحظون أن شعر رأس بوشكين مجعد منفوش؟”. كنا قد شاهدنا الصورة من قبل لكننا لم ننتبه إلي ذلك. أضافت نينا أندرييفنا: “هذا لأن أصوله أفريقية حبشية”. سددت نظرة إلي موبوتو وأردفت:” إنه أسمر. ولو أنه توقف عن كتابة الشعر لأن أحدا ضايقه لما كانت روسيا قد أمست اليوم بهذا الجمال”. تمتمت هيلفي بمقطع من قصيدة بوشكين:” لتثق ياصديقي.. ستشرق ثانية نجمة السعادة الساحرة”، فعلقت نينا أندرييفنا بقولها : ” نعم. لكل منا نجمة سعادة عليه أن يفتش عنها أينما أخفاها الضباب”. والتمعت في عينيها نظرتها المتوهجة كالذهب الملتهب.استمتعنا كثيرا بالجلسة وشكرنا المعلمة ووالدتها وطفليها الصغيرين اللذين وقفا في وداعنا بذات الابتسامة واللطف وقد تشابكت أياديهما وهما يكرران:” تعالوا إلينا كثيرا”.
بحلول شهر مايو تخلى الربيع عن تردده واستوى صيفا. رأينا الشمس وهي تبدد الغيوم وتشيع الدفء. أخيرا تخلصنا من المعاطف الشتوية الثقيلة والقلنسوات المصنوعة من الفرو والقفازات المبطنة والأحذية المرهقة التي تجرها بقدميك كأنها جذع شجرة. شرعنا نرتدي القمصان الصيفية والأحذية الخفيفة لكن مع الاحتفاظ طول الوقت بمظلة لأن أحدا لا يدري متى أو أين قد تمطر في روسيا. تبقى القليل حتى نهاية العام الدراسي فعكفنا على مراجعة ما درسناه، ثم أدينا الامتحانات واجتزناها جميعها. أقامت لنا إدارة الكلية حفل وداع طلابي حضره المعلمون والإداريون، وجمعتنا خلاله منضدة واحدة مع نينا أندرييفنا. ودعناها، وكنا من دون أن ننتبه نودع بعضنا البعض، والعام الأول من وجودنا في روسيا، وذكريات صغيرة عزيزة نمت رغم الجليد.
فيما بعد تم توزيعنا على الكليات حسب الرغبات. دخلت كلية الأدب واللغة وانخرطت في الدراسة، وتكونت علاقات صداقة جديدة ولم أعد أرى من زملاء التحضيرية سوى موبوتو الذي كان يظهر من حين لآخر مقهقها، نجلس معا في كافيه بالجامعة نأكل ونشرب ونأتي على ذكر البنات الأربع و نينا أندرييفنا. في المرة الأخيرة جاءني بصحبة هيلفي وأخبراني أنهما سيتزوجان، وكانت هيلفي خلال ذلك تشد على ذراعه بسعادة وقوة. لم ألتق بعايدة كثيرا، لكنها زارتني مع شاب كوبي وقدمته إلي قائلة : ” صديقي كارلوس”، ثم مالت برقبتها يمينا ويسارا ورفعت حاجبيها بما يعني ” وداعا يا عزيزي. هذه هي الحياة”.
في العام قبل الأخير من سنوات الجامعة كان هواء الثلوج البيضاء قد سكن رئتي، بعيدا، بعمق، وتقطرت في روحي اللحظات التي كنت أخرج فيها ليلا إلي الشوارع فأرى الحدود تغيم بين الأرض والسماء، ويسود الهدوء الغريب فتكاد أن تسمع تنفسك وأنت ترقب الضباب من زفيرك ومن حولك ثلوج بيضاء ممتدة تحت أعمدة الضوء الشاحبة الزرقة، فتشعر أنك وحدك، أنك لا ترى العالم، لكنه يراك، أنك ذرة  في كون شاسع، عابرا، عاريا، تحت قدمي اللانهائية، فتفكر في مغزى وجودك فريدا في هذا الكون المهول، وتوشك أن تركع على ركبتيك في الثلج من الرعب، والدموع، لأنك لا تفهم مغزى كل ذلك.
أنهيت دراستي وعندما حجزت بطاقة الطائرة لأرجع إلي بلدي قررت أن أعرج على الكلية التحضيرية لأودع نينا أندرييفنا مرة أخيرة. هناك قال لي الموظفون في الإدارة إنها لم تعد تعمل لديهم، وإنهم لا يعلمون عنها شيئا منذ فترة طويلة. أثارت قلقي تلك النبرة الجافة التي تحدثوا بها عنها، ولم أدر ماذا حدث لها، ولا أين هي، ولم أعثر أيضا على وسيلة للاتصال بها. رجعت إلي مصر والتحقت بالعمل في إحدى الجامعات الاقليمية، وكانت لدي أحلامي، لكني صادفت مصاعب عديدة داخل قسم اللغة الأجنبية، عرقلت خططي وترقيتي في الجامعة، بينما ترأس القسم شاب صغير كانت له واسطة قوية. انشغلت عن ذلك بأحوال منزلي وأسرتي الصغيرة. بعد نحو ثلاثة أعوام تلقيت اتصالا من موبوتو. لم أدر كيف حصل على رقمي، وسألته بدهشة فقهقه قائلا ” موبوتو لا يعرف المستحيل”. أخبرني أنه يعيش مع هيلفي في هلسنكي وأنه قرر- بما أنه أسمر – أن يصبح أمير شعراء فنلندا كما فعل بوشكين في الروس! دعاني لزيارته ووعدته أن أحاول. حينما أنهينا المكالمة خطرت لي ماريا وعايدة وتساءلت إن كانت سايما الطيبة مازالت تهرول خلف شخص ما أم أنها قد وجدت أخيرا طريقها الخاص. شعرت بالأسف لأنني لا أعرف شيئا واضحا عنهم. زادت على أعباء الأسرة والعمل ولم أحقق شيئا مما خططت له كأنما اشتبكت قدماي بشرك لم أتحرر منه. وكنت كثيرا ما أتذكر نينا أندرييفنا وتستولي على رغبة قوية أن أعرف أين هي الآن؟ كيف تحيا؟ وكيف تبدو بعد انقضاء ذلك الزمن؟ ترى هل خبا في عينيها نور الحنان وحلت نظرة التعب والأسى؟ أم أنها مازالت تتطلع إلي النجوم بنظرتها المتوهجة كالذهب الملتهب؟
***

اترك تعليقا