الرئيسية » جماليات » نحو سينما تنقذ البشرية

نحو سينما تنقذ البشرية

بعد مرور أكثر من قرن وعشرين عاما من ميلادها، استطاعت السينما ان تكون كل شيء. اثرت العالم ومازالت بالأفكار والرؤى الطازجة وكذلك بالمعالجات المكررة الممجوجة. من افلام وصلت لقمة الانسانية لاخرى قدمت العنف والتوحش والقيم السيئة. ماذا عسى السينما ان تفعل اليوم، وما الدور المأمول لها ان تكون? السر دائما فى اللمسة الفردية للسينمائى وفى عبقرية المبدعين الذين يستطيعون الوصول لصيغ تترجم الجميل والانسانى فى كل صورة. لكن ثمة قائمة أولويات انسانية ارى ضرورة ان تسهم فيها السينما فى عالم اليوم والغد. لا أستطيع ان أرى هذا الزمان عاديا، بل مشرب الحمرة من الدماء والكراهية والبغضاء. ربما افضل للسينما ان تنتصر للجانب المضيء فى الانسان. سينما تستدعى الطاقة الايجابية حولها وبداخل من يشاهدوها لكى تجعلهم افضل كبشر. سينما كتعويذة سحرية تبحث عن الرقة والعذوبة كمن يبحث عن الماء فى صحراء قاحلة ومن يبحث عن كنز خفى فى مدى لا نهائى. سينما كالشعر لكن ليس فى موسيقاه بل فى موسيقاها الخاصة. سينما كالامل فى دراما نهاية الزمان. سينما كالنور فى سنوات عتمة الروح. سينما بسيطة لتمس أبسط المعانى داخل الانسان التى غطتها موجات الزحام اليومى للافكار والاخبار. سينما لمحبى السينما ولمن يريدون ان يحبوا السينما اكثر ويخافون من صعوبة اللغة عند كبار صناعها. سينما كفعل ايجابى يصلح من الحياة ويجعلها حياة تعاش وحياة تستحق أن تعاش. سينما فى صفاء الموسيقى تدخل تحت الجلد وتتسرب للوجدان وتسكن المنطقة الاعمق من انسانيتنا. سينما لا تجرحنا بل تدواى جروحنا. سينما لا تستغلنا بل تدفعنا للبحث عن حلول لوجودنا. سينما تقربنا من بعضنا اكثر ما تثرى روح الصراع بيننا. سينما لا تعمق خلافاتنا بقدر ما تعمق المحبة بيننا. سينما تجعلنا نتشارك فى كل ما يقربنا. تؤاخى بيننا. تبحث عن الصلات الاقوى ووشائج القربى بيننا. سينما هدفها بعث الخير فى النفوس وتفجير المحبة واستشعار الجمال. تصنع الجمال وتحياه وتبتكر صوره. سينما تستغل كل نعم الكون لتعيد اكتشاف الدنيا. سينما لا تدفع الى الانتحار ولا تدفع الى الاكتئاب ولا تدفع الى الخوف ولا تندفع الى الهوان. سينما ترفع من شأننا كبشر ولا تجعلنا منحطين. سينما تشعرنا بنعمة اننا بشر وتدفعنا لمعانى الحرية الكبرى فى هذا الكون. سينما مليئة بالالوان وليست أسيرة لون واحد خاصة اذا كان لونا قاتما. سينما تصالح الانسان.على نفسه وعلى من حوله وعلى الكون الذى يعيش فيه. سينما تحترم الكائنات الاخرى التى تشاركنا الحياة. سينما تعشق الطبيعة التى نحيا بسببها وتدافع عنها بنفس قوة دفاع الانسان عن ذاته الفردية. سينما فردية تعبر عن السينمائى لكنها متخلصة من انانيته ومن سجن الأنا الذى قد يدمر اسلوبه. سينما تمشى الى الامام لا الى الخلف. سينما تتجاوز الجراح ولا تلوكها. تفجر فى النفس أنهار العطاء للآخرين ولهذه الدنيا. سينما نضرة ليست متكلسة عفنة. سينما قادرة على الوصول بنا الى لا نهائية المحبة. سينما وثابة الروح. تؤمن بضرورة بعث الانسان من سجن تكنولوجيا العصر. سينما تعشق الخيال وتعتمده وتتفهم قيمته كمداد لازم لغذاء الكائن البشرى. سينما لديها ضمير ايا كان فهم اصحابها لمعنى الضمير. سينما تبتغى إصلاح العالم وإصلاح الظرف الانسانى البائس. سينما تقفز ولا تهادن. تختار ولا تنصاع. تبتكر ولا تقلد. تبحث عن المعجزة وتعيد تلاوة سفر التكوين. سينما تتأمل برفق و تأخذ وقتها فى التأمل. سينما تبحث ولا ترتكن الى الافكار المقولبة. سينما تتخذ كل وسيلة راقية ولا تلجأ لارذل ما فى الممارسات الانسانية لكسب ود الاخرين. سينما تأمل ان تجد سرا لفك تحجر القلوب. سينما بقوة تعبيرها تريد ان تحارب سينما اخرى تسهم فى ان يصبح البشر بشعين.

الأهرام : ١٢-١-٢٠١٩

اترك تعليقا