الرئيسية » سياسة واقتصاد » نافذة من موسكو.. هل للأحزاب الشيوعية العربية مستقبل؟

نافذة من موسكو.. هل للأحزاب الشيوعية العربية مستقبل؟

 د. فالح الحمـراني

هذا السؤال الكبير يطرحه الباحث الروسي البروفيسور “جريجوري كوساتش” في دراسة نشرها على موقع ” المجلس الروسي للشؤون الخارجية”. و الدراسة ما كانت لتؤخذ على محمل الجد لو أن كاتبها لم يكن كوساتش، الذي أمضى سنوات طويلة في مراقبة ودراسة الحركة الشيوعية العربية والعمليات السياسية في البلدان العربية، وكان مدرساً لأكثر من 10 سنوات في القسم العربي لـ”المدرسة الحزبية” التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي السابق، والتي كانت تعد الكوادر للأحزاب الشيوعية، وله عشرات المؤلفات عن التطورات السياسية في العالم العربي بما في ذلك دراسة تحت عنوان “الشيوعيون العراقيون الأوائل في الكومنترن” و “شيوعيو الشرق الأوسط في الاتحاد السوفياتي” و” الشيوعيون في سياق البعث القومي في سوريا” ألخ.

ويستخلص كوساتش في دراسته الواسعة التي تناولت بمختلف الأوجه الأحزاب الشيوعية في مصر وسوريا وفلسطين والعراق وتونس والجزائر والمغرب والسودان ونواة أحزاب شيوعية في السعودية والبحرين ألخ، أن وضع وآفاق تلك الأحزاب، وعلى الرغم من أنها حافظت على وجودها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في بعض بلدان العالم العربي، لا يبعث على التفاؤل. وأوضح أن “هذه الأحزاب تتغير وتتطور ( تبعاً للوضع في هذا البلد أو ذاك، ولمستوى الثقافة السياسية)، وأنها أما اتجهت نحو الاشتراكيةـ الديمقراطية أو باتجاه الانغلاق في أطر أيديولوجية القومية العربية الضيقة، أو التحالف مع قوى سياسية ذات شأن سياسي أكبر”.

وشكك الباحث الروسي في إمكان تطورها بشكل آخر موضحاً أن “زمن الماركسية الكلاسيكية مضى”. متسائلا عما اذا كانت ثمة إمكانية لتطبيق نظريتها في بلدان “الأطراف الرأسمالية”، والعربية من بينها. ولكنه لا يشك في أن تركات العولمة السلبية، وغياب الحريات الديمقراطية، واستشراء الفساد الحكومي، والمحسوبية ستحافظ لفترة زمنية على استمرارية وجود الأحزاب الشيوعية في العالم العربي. ولكنه يشكك ” في أن تستطيع هذه الأحزاب الحفاظ على تنظيماتها واستقلالها الأيديولوجي، في ظل استمرار الصحوة الدينية ونهوض حركات الأقليات المهمشة سابقا، الداعية للانبعاث القومي”.

عند تناوله الحزب الشيوعي العراقي أشار إلى تاريخ التحالفات الخاسرة التي أقامها الحزب منذ سبعينيات القرن الماضي مع مختلف الأحزاب والتيارات، منوهاً بآخرها أي تحالفه مع تيار السيد الصدر. وقال إن هذا التحالف كان نتاج تطور الحزب بعد سقوط النظام الدكتاتوري، منوهاً الى أنه وعلى الرغم من أن الغرض من هذا التحالف كان ” خدمة الجماهير الكادحة” ( التي تشكل قاعدة التيار الصدري) “أن يلعب الشيوعيون مرة أخرى دور الأخ الأصغر في التكتل الذي تشكّل حديثاً” في إشارة إلى دورهم الثانوي خلال تحالفهم مع حزب البعث المنحل، وإلى أن “هذا الطريق وحسب يمكّنهم من تحقيق مشاركة في السلطة”.

وقال إن اختلاف الأولويات الاجتماعية بين الشيوعي والتيار الصدري تثير العديد من الأسئلة : فأولويات الحزب الشيوعي العراقي، على حد قناعته، علمانية، بينما التيار الصدري دينية. وان سعي الكيانين للتقليل من النفوذ الإيراني في العراق تنطلق من توجهات مختلفة. وأوضح قائلا: “إذا كان تقارب السيد الصدر مع السعودية قد حدد موقفه المعارض لإيران، فأن الحزب الشيوعي العراقي يعلن أنه خصم ” للأنظمة العربية الرجعية”.

ولفت الباحث الروسي أيضاً إلى إن تحالف الشيوعي مع التيار الصدري لم يتأسس على أساس توافق حزبي داخلي. مشيراً إلى أن العديد من خلايا وهيئات الحزب الشيوعي، الناشطة في داخل العراق وخارجه، عبرت عن عدم موافقتها على نهج قيادة الحزب. وحسب تقييمه “فإن الحزب الشيوعي طرح شروطاً بعد الانتخابات لديمومة التحالف، تتضمن على وجه الخصوص مطلب تراجع التيار الصدري عن تشكيل هيئات السلطة التنفيذية بالمشاركة مع منافسي تحالف “سائرون” في الانتخابات، برهنت على هشاشة التحالف الشيوعي ـ الشيعي”.

وفي تحليله لخلفيات التحالف الشيوعي/ الصدري أشار إلى أن الحزب الشيوعي العراقي برر نهجه بان الماركسية تطالب بالانفتاح على “الاتجاهات والميول الجديدة” واتهم النموذج السوفياتي للاشتراكية بـ” بالانغلاق والانعزال”. وإن الحزب الشيوعي العراقي لم يستبعد تحوله إلى حزب “اتحاد الشعب”، مؤكداً (أي الحزب) أن مواقفه السابقة بشأن قضايا الديمقراطية الاشتراكية لم تكن صحيحة. وراح الحزب ينظر إلى الاشتراكية كهدف “بعيد المدى” وفضل التركيز على “التحول الديمقراطي” في العراق. وأضاف” وجرت الدعوة في جزء من هذه التحولات إلى الفيدرالية بحيث تشمل المناطق الشيعية”.

وقال كوساتش إن فكرة الفيدرالية قربت الحزب الشيوعي العراقي من الساسة الشيعة. وبالاعتماد على هذا التقارب، وبتقويمه للتركات السلبية لتعديل قانون الانتخابات، رأى الحزب الشيوعي ضرورة الابتعاد عن التحالفات مع الساسة الشيعة المدنيين، والتعاون مع التيارات التي تستند إلى “الجماهير العريضة المحرومة وقادتها الحقيقيين”. وان نجاح داعش دفع الحزب الشيوعي بقوة أكبر في هذا الاتجاه.

ومن التحالفات الخاسرة للحزب الشيوعي أشار الباحث بصورة خاصة إلى تحالفه مع حزب البعث المنحل في 1972 في إطار ” الجبهة الوطنية التقدمية”. منوهاً بإن هذا التحالف أحدث تغيراً جذرياً في وضع الحزب حينذاك. فبعد أن كان للحزب الشيوعي العراقي في بداية السبعينيات، ورغم انه نشط سرياً، هيئات حزبية شملت معظم مناطق العراق، وصحافة مؤثرة، وموقع بارز وسط دوائر النخبة المثقفة المبدعة، والنقابات وحركات النساء والشباب، اضطر بعد التحالف مع البعث لحل منظماته الديمقراطية والاجتماعية، ووافق على سياسة البعث الداخلية والخارجية”. ودمرت حكومة الدكتاتور صدام حسين الحزب الشيوعي العراقي في 1979 بعد أن اتهمت الحلفاء الضعفاء في الجبهة الوطنية التقدمية بتشكيل خلايا عسكرية. وجرت إبادة القسم الأعظم من أعضاء وأصدقاء الحزب، أو اضطروا للهجرة للخارج، أو انتقلوا إلى كردستان العراق حيث شاركوا إلى جانب الكرد في الكفاح المسلح ضد الديكتاتورية.

اترك تعليقا