الرئيسية » حضاريات » موسكو – أنقرة.. حقول ألغام وزهور

موسكو – أنقرة.. حقول ألغام وزهور

أحمد الخميسي
عشت في روسيا مدة طويلة في عهد اصطلح على تسميته” مرحلة الركود ” زمن ليونيد بريجنيف الذي منح نفسه أعلى جائزة أدبية عن كتب لاهي أدبية ولا هو كتبها، حتى شاعت نكتة أنه بعد أن نشر أحد كتبه سأل رئيس وزرائه عن رأيه في الكتاب فقال له رئيس الوزراء” عمل رائع ” ! فاستفسر منه بريجنيف:” يعني يستأهل أقرأه؟”! عشت أيضا جانبا من مرحلة التحولات العاصفة التي قادها جورباتشوف، ثم تسنى لي منذ خمس سنوات القيام بزيارة خاطفة إلي موسكو فرأيت روسيا وقد استقرت وغرست قدميها في الرأسمالية العالمية وراحت تتأنق وتضوي وتفوح بالعطر وتداري خلف أنوارها الساطعة بؤس الملايين. ورغم تناقضات السياسة السوفيتية حينذاك إلا أنني كنت قادرا على فك ألغازها أو بعض ألغازها. لكني منذ مدة طويلة أمسيت عاجزا عن تفسير الكثير من توجهات السياسة الروسية الجديدة. المعروف أن هناك بونا شاسعا بين الرؤى التركية والروسية للموضوع السوري، كما تتعارض المصالح الروسية في سوريا مع مصالح الدور التركي الذي فتح الحدود للمرتزقة وأمدهم بالمال والسلاح ليشاركوا في الحرب على النظام السوري، وبسبب ذلك كله تعرضت العلاقات بين البلدين لأزمات حادة ظهرت في الموقف التركي المناهض لروسيا في اقليم القرم، ثم بعد إسقاط الأتراك مقاتلة حربية روسية في نوفمبر 2015، واغتيال السفير الروسي في أنقرة. وبالرغم من اتساع حقول الألغام السياسية بين البلدين إلا أننا نقرأ يوم الجمعة 31 أغسطس تصريحا للرئيس أردوغان بأن تركيا ستتسلم أنظمة دفاع صاروخية روسية  “S-400″قريبا! في الوقت ذاته يعلن السياسي الروسي فلاديمير جيرينوفسكي أن تركيا لاتمانع في إقامة قاعدة عسكرية روسية على أرضها، وأن من الممكن إغلاق قاعدة إنجيرليك في جنوب تركيا الواقعة تحت سيطرة الناتو وتحويلها إلي الجانب الروسي. على الصعيد الاقتصادي قفز حجم التبادل التجاري بين البلدين من  اربعة ونصف مليار دولار عام 2016 إلي حوالي ثلاثين مليار دولار! وسبق ذلك الغاء تأشيرة السفر المتبادلة بين البلدين. نحن إذن أمام صورتين: إما أن العلاقات بين موسكو وأنقرة وردية ، أو أنها متفجرة ! وأظن أنها هذا وذاك في الوقت نفسه، فهي تتفجر بهدف تعديل مواقف الأطراف وتصبح وردية لاجتذاب الأطراف، ذلك أن روسيا ماتزال بالنسبة لتركيا القوة النووية الثانية في العالم، وكانت ومازالت الدولة الأضخم  مساحة بين دول الأرض قاطبة بكل ما يعنيه ذلك من ثروات وقدرات. أما تركيا فإنها بالنسبة لروسيا عضو حلف الناتو الذي ينبغي اجتذابه إلي الفلك الروسي وانتزاعه من الحلف. ورغم التباين الظاهر في سياسة كل بلد تجاه الموضوع السوري،إلا أن الموقفين يتلاقيان في المحصلة النهائية بانخراط أنقرة وموسكو في القتال المشتعل الذي يدور ليس بهدف اسقاط الرئيس الأسد، لكن لهدم سوريا وهو الهدف الأساسي الأهم من أي رئيس. أقول إن الموقفين يتلاقيان لأن الطرفين ينخرطان في الحرب وتوسيعها، وليس في وقف الحرب وإخمادها. أعني أنه كان على موسكو مع غيرها من القوى الدولية أن تضع خطة لحصار المنافذ البرية والبحرية التي تتلقى السلاح وتمر عبرها الجماعات الارهابية المأجورة بدءا من الاخوان المسلمين وقوات داعش وجيش الاسلام مرورا بكل الذين لم يطلقوا رصاصة قط في اتجاه إسرائيل عبر تاريخهم المخزي. لكن تغذية الأطراف الدولية المتصلة للحرب ترمي أو تؤدي فعليا لهدم سوريا وليس لاسقاط أو تبديل نظام، ومن هذا المنظور تتساوى كل الأدوار في الواقع الفعلي. الموقف ضد الحرب كان يعني حصار الحرب وليس تحويلها إلي ساحة لاختبار القوة، ولي الأذرع، والضغط لتغيير مواقف القوى المختلفة.
أيام الاتحاد السوفيتي كنا ونحن طلاب في جامعة موسكو نتردد مجموعة على        ” الحمام الروسي” الذي يقوم على حجرات” ساونا” ساخنة ومسبح بارد وسعف نخيل تضرب به الظهور لتسخين الجلد. في تلك السنوات كان ذلك الحمام متعة قومية رخيصة الثمن وعيدا صغيرا للعائلات وحفلة سمر للأصدقاء. هناك التقينا بمجموعة من العراقيين المهاجرين شكلوافي حينه جمعية أطلقوا عليها من باب الفكاهة اسم” جمعية ملعون أبو الوطن” واتخذوا من الحمام مقرا للاجتماع الأسبوعي! وحين قمت بزيارة خاطفة إلي موسكو منذ خمسة أعوام سألت زوجة أحد الأصدقاء هناك عن سعر دخول الحمام الروسي الآن بعد التحولات الاقتصادية، فقالت لي : أربعين دولار للفرد! همست لنفسي: الحمد لله إني لحقت الاشتراكية وشبعت نظافة في عهدها الرخيص. لاحظت زوجة صديقي شرودي فقالت تهون علي: يا سيدي والبانيو اللي في الشقة ماله  يعني؟! كدت أقول لها إنه لم يعد بوسعي الآن التمتع بمباهج الحياة الروسية الجديدة ولا بوسعي فهم السياسة الروسية الجديدة، فإما أنني كبرت، أو أن كل شيء قد تبدل، لكن المؤكد أن زمان كان كل شيء سهل!
الدستور المصرية – الاثنين 3 سبتمبر 2018

اترك تعليقا