الرئيسية » حضاريات » من لينين إلى بوتين: روسيا في الشرق الأوسط والأدنى – الفصل الأول: الجذور (4) – ألكسي فاسيلييف
Russian President Vladimir Putin delivers a speech during a meeting with Russian athletes and team members, who will take part in the upcoming 2018 Pyeongchang Winter Olympic Games, at the Novo-Ogaryovo state residence outside Moscow, Russia January 31, 2018. REUTERS/Grigory Dukor

من لينين إلى بوتين: روسيا في الشرق الأوسط والأدنى – الفصل الأول: الجذور (4) – ألكسي فاسيلييف

 نتابع تقديم فصول من كتاب المستشرق الروسي الكبير ألكسي فاسيلييف “من لينين إلى بوتين: روسيا في الشرق الأوسط والأدنى”. وكنا قد نشرنا نبذة ومقدمة عن هذا المستشرق في مقالتين يمكنكم الاطلاع عليهما على موقعنا على العنوانين:
http://ar.rusisworld.com/wp-admin/post.php?post=27435&action=edit
http://ar.rusisworld.com/wp-admin/post.php?post=29574&action=edit

الفصل الأول

الجذور (4)

…  وفي عام 1943م تم تدشين العلاقات الدبلوماسية السوفيتية المصرية رسميا.

و مع نهاية الحرب العالمية الثانية تغير ميزان القوى في العالم. أضحت القوات البرية السوفيتية الأكبر والأضخم في العالم في وسط أوروبا ومنشوريا. وبقيت ألمانيا واليابان يعانيان من تبعات الهزيمة والدمار. تراجعت فرنسا لفترة ولم تعد الدولة العظمى فيما جرت عملية سريعة لصبغ أوروبا الشرقية بالطابع السوفيتي وتحولت هذه المنطقة إلى معسكر اشتراكي يتألف من “دول الديمقراطية الشعبية”.

و في أمريكا وهي الدولة التي لم تمس أراضيها تقريبا أثناء الحرب وكانت تتمتع حينها بنصف القدرات الصناعية العالمية بالإضافة إلى السلاح النووي اعتقدت القيادة هناك أنه قد حان الوقت لهيمنه أمريكا على العالم. غير أنه كان عليها أن تواجه معارضة الاتحاد السوفيتي – الدولة التي ربما عانت الكثير أثناء الحرب ولكنها في الوقت نفسه تمكنت من بناء ترسانة عسكرية ضخمة.

  وفي الدول العربية تنامت قوة الحركات المعادية لفرنسا وبريطانيا. ولكن الكرملين لم يكن شديد الاهتمام بهذه البلدان. حيث كانت الأولوية لكل من الجارتين تركيا وإيران.

و في ظل نشوتها بالانتصار الساحق على العدو القوي وإدراكها لتفوقها العسكري الكبير قررت القيادة السوفيتية الحصول على أقصى حد من التنازلات من تركيا وخاصة فيما يتعلق بالسيطرة العسكرية على المضايق. وسرعان ما تم إلغاء معاهدة 17 ديسمبر 1917م. طالبت القيادة السوفيتية بقواعد في المضايق (الدفاع المشترك عن مضايق البحر الأسود) وإعادة كل من قورصا وأردغان إلى الاتحاد السوفيتي حيث كانت هاتان المنطقتان ضمن الإمبراطورية الروسية قديما وتم منحهما لتركيا بموجب معاهدة 1925م. وكانت المطالبة بهاتين القطعتين الصغيريتين وعديمي الأهمية ما هو الا أسلوب للمساومة على المطلب الأساسي وهو المضايق. وقد جهز ستالين قواته تحسبا للتدخل العسكري في تركيا ولكن الهجوم لم يتم حيث كان من الصعب القيام بتدخل عسكري في تركيا ولم يكن الاتحاد السوفيتي على استعداد حينها لمواجهة أمريكا وبريطانيا. بل أدى ذلك إلى نتائج عكسية أهمها تحول تركيا من سياسة الحياد إلى العداء الواضح للاتحاد السوفيتي وروسيا والانضمام إلى عضوية حلف الناتو ومن ثم المشاركة في كل التكتلات العسكرية المعادية للاتحاد السوفيتي في منطقة الشرق الأوسط والأدنى. وبدلا من دعم الأمن على الحدود الجنوبية ، حدث تدهور استمر لعقود في الموقف الاستراتيجي للاتحاد السوفيتي ، وأصبح الجيش التركي الذي يتألف من نصف مليون جندي جزءا من قوات الناتو وانتقل الجناح الجنوبي للحلف ليكون على تخوم الاتحاد السوفيتي وشيدت أمريكا القواعد العسكرية وقواعد الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية في تركيا (في 1961-1963م) والتي يصل مداها إلى أوكرانيا وجنوب روسيا والقوقاز والفولجا.

و يرى الخبراء الأمريكيون أن مطامع ستالين في المضايق كانت من أهم الأسباب في اندلاع الحرب الباردة. فقد تحدث الرئيس الأمريكي ترومان أمام أعضاء الكونجرس في مارس 1947م عن ضرورة تقديم الدعم العسكري والاقتصادي لكل من تركيا واليونان من أجل الحفاظ على حريتهم واستقلال قراراتهما. وقد أطلق على هذا الخطاب “نظرية ترومان” ويعتبره الخبراء تدشينا للحرب الباردة في علم التاريخ الغربي على الرغم من أن الكثير من الباحثين يربطون ذلك بخطاب تشرشل في مارس 1946م.

  وقد أدت المواجهة مع تركيا إلى وقوع الكثير من الضحايا الأبرياء حيث تم نفي عشرات الآلاف من الأتراك المقيمين على أراضي جورجيا إلى آسيا الوسطى. وقد تم تشريدهم مرة أخرى في عام 1989م وتهجيرهم إلى مناطق مختلفة في الاتحاد السوفيتي حيث رفضت جورجيا استقبالهم مرة أخرى.

و قد اتسمت السياسات السوفيتية تجاه إيران أيضا بالخطأ وعدم المسئولية. حيث انسحبت القوات الأمريكية والبريطانية من إيران في ديسمبر 1945م واضطر الاتحاد السوفيتي إلى إنهاء الانسحاب خلال ستة أشهر ومع حلول شهر مايو 1945م. وكان قد سعى إلى المماطلة في الانسحاب حيث كانت هناك رغبه في إبقاء إيران تحت النفوذ السوفيتي وكان ستالين يري في ذلك هدفا عظيما. فقد رأي أمامه بلدا ضعيفا من الناحية العسكرية نشطت فيه التيارات اليسارية من خلال حزب العمل بالإضافة إلى تنامي نشاط الحركات الوطنية الانفصالية في اذربيجان الإيرانية وكردستان الإيرانية. وتم إعطاء الضوء الأخضر لتأسيس جمهوريات أذربيجانية وكردية أملا في وضعهما تحت السيطرة والنفوذ السوفيتي ما يمثل ضغطا دائما على إيران.

  غير أن ستالين عاد مرة أخرى وأخطأ في حساباته. لم تكن هناك في تلك المناطق قوى مستعدة للنضال من أجل تأسيس حكومات مستقلة. وعلى الرغم من التنوع الإثني الكبير في إيران الا أن القوى الداعمة لمركزية السلطة في هذا البلد كانت أقوي بكثير من الداعمة للانفصال. وقد بعث الرئيس الأمريكي هاري ترومان مذكرة إلى ستالين تضمنت تحذيرا مباشرا بضرورة سحب قواته من إيران. وكانت أمريكا في تلك الفترة تستعرض من وقت لآخر قدراتها النووية التي لم يكن الاتحاد السوفيتي قد توصل إليها بعد. ولم يكن ستالين يرغب في مواجهة مباشرة مع الغرب بسبب إيران. وتم سحب القوات السوفيتية وتمكن جيش الشاه من دحر القوى الانفصالية بين الاذر والكرد.

و سعيا للحفاظ على ماء وجهه والحصول على أية مزايا أو تسهيلات اقتصادية من إيران وقعت الحكومة السوفيتية مع رئيس الوزراء الإيراني قوام السلطان معاهدة يمنح بموجبها الاتحاد السوفيتي حقوق تنقيب نفطي وغيرها من المزايا في شمال إيران. غير أنه وبعد انسحاب القوات السوفيتية والقضاء على ما سمي الجمهورية الأذربيجانية والكردية من قبل الجيش الإيراني رفض البرلمان الإيراني التصديق على المعاهدة. واتسمت العلاقات الإيرانية السوفيتية بالعداء على مدى سنوات طويلة. ولكنها رغم ذلك كانت أقل عدوانية من نظيرتها مع تركيا. فقد كان للتناقضات بين إيران وبريطانيا بسبب النفط والاتفاقيات المجحفة أثر كبير في جعل العلاقة مع بريطانيا أكثر عدوانية الأمر الذي كان من شأنه أن يسمح لسياسة سوفيتية حكيمة وعقلانية تجاه إيران لاحقا من تحقيق مكاسب كثيرة. غير أن الزعيم السوفيتي كان خاضعا لنظرية الداء للبرجوازية الوطنية وكل القوى الإصلاحية في آسيا وإفريقيا التي كانت في رأية تعادي وتقف أمام مصالح الشيوعية والتحرر الوطني.

   ولم تكن رؤيته خاطئة في إيران وتركيا فحسب بل في إسرائيل أيضا. وسوف نتحدث تفصيلا في فصل منفصل عن العلاقات السوفيتية الإسرائيلية.

و هنا أود الإشارة إلى أن الأمل في اعتبار إسرائيل صديقا للسوفيت في منطقة الشرق الأوسط كان ضعيفا دائما ولم يجد يوما ما يدعمه. وقد أدى الفشل السياسي في العالم العربي إلى تصاعد لهجة معادية للسامية داخل الاتحاد السوفيتي.

و قد كتب المنظر الحزبي والأكاديمي ي. جوكوف: ” إن فضح الأيديولوجية البرجوازية القومية الرجعية في مختلف أشكالها يسرع من عملية التحرر الوطني والاجتماعي لشعوب البلدان المستعمرة والتابعة…”. وأشار إلى أن الإصلاحيين في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة يصرون على البقاء بعيدا عن الصراع بين المعسكرين وعلى اتباع سياسة الحياد وعدم الانحياز تجاه الصراع الأيديولوجي بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية. وفي الوقت نفسه يطلقون الأكاذيب في حق الاتحاد السوفيتي ويدعمون بشكل قوي القوى الاستعمارية. [i]

  وبعد مرور عدة سنوات وفي معرض حديثه عن تلك البلدان وصف وزير الخارجية الأمريكي ج. دالاس موقف الحياد بأنه غير أخلاقي. [ii]  وأخذ علماء الاجتماع الروس لفترة يكررون هذه المقولة. حتى أن الزعيم الإيراني البرجوازي القومي محمد مصدق اتهم بأنه ” خادم للامبريالية” أما جمال عبد الناصر المعارض للغرب فقد وصف بكونه عميلا أمريكيا وفاشيا.

و قد عكست توجهات الدعاية السوفيتية والتصريحات الرسمية منطق تفكير القيادة السوفيتية. فقد أصبح الحلفاء السابقون في الحرب ضد الألمان واليابانيين أنفسهم منقسمين إلى معسكرين وجبهتين ضمن حرب جديدة وهي الحرب الباردة. أصبح هناك عالم القطبين وصار له لونان : أسود أو أبيض. إما هم وإما نحن. قوى السلام والتقدم وقوى الحرب والرجعية. لم يكن هناك حديث عن عالم ثالث. كانت تلك هي نظرة القيادة السوفيتية ورؤيتها وهي الرؤية نفسها عند القيادة في واشنطن.

  وأكد علماء الاجتماع السوفيت أن الرأسمالية قد دخلت المرحلة الثانية في أزمتها الشاملة ، وأن الشيوعية ستسود قريبا ومعها مستقبل مشرق للبشرية. وتحدثوا أيضا عن قرب قيام الثورات الاشتراكية. وأنها ستهب في شكل انقلابات عسكرية وحروب أهلية يقوم بها الكادحون تحت قيادة الشيوعيين ضد البرجوازية المحلية والأجنبية. وأن العلاقات الدولية ما هي إلا شكل من أشكال الصراع الطبقي. ومع الوضع في الاعتبار أن الحرب هي ممارسة سياسية بوسائل أخرى فإن البلدان الرأسمالية بقيادة أمريكا تستعد للحرب ضد الاتحاد السوفيتي لأن الإمبريالية تعي أن الاتحاد السوفيتي وغيره من البلدان الاشتراكية يمثلون قاعدة لدعم البروليتاريا في الغرب والحركات الوطنية التحررية.

  وبالتالي فإن كل من الاتحاد السوفيتي وحلفائه مضطرون للتحول إلى المعسكر المسلح لصد الامبريالية والاستعداد للحرب القادمة لا محالة. وكما قال لينين فإن نضال الشعوب من أجل التحرر من الاستعمار وشبه الاستعمار يضعف من الامبريالية ، ولذا فهو يستحق أن يلقي الدعم من الدوله الاشتراكية الأكبر ومن كافة دول المعسكر الاشتراكي في العالم. وسوف يتحقق النصر في المعركة إذا ما تمت تحت قيادة الثوريين الشيوعيين المشتعلين حماسة لا الخدم والخانعين.

  وفي عام 1949م وبعد سنوات من الحرب الأهلية انتصر الشيوعيون في الصين وذلك على الرغم من تعامل ستالين ببعض التخوف من العملاق الشيوعي القادم الذي يقع على تخوم الدولة السوفيتية. ودارت حروب مشابهه في كل من كوريا والهند الصينية. وكانت القوة وحدها هي من يحدد مصائر الشعوب وتقدمها نحو مستقبل مشرق.

  وقد أثار ظهور الأسلحة النووية مسألة تقنيات إنتاجها. وبالطبع لم يكن ستالين يخشى أيه تضحيات غير أن الاستخدام المحتمل لمثل هذا النوع من الأسلحة كان يهدد بقاء الجنس البشري كله.

  وقد مثل ظهور السلاح الذري في أمريكا وإعلان واشنطن عن فعاليته وقدراته تهديدا مباشرا للأمن القومي للاتحاد السوفيتي ومواقعه الاسترتيجية في العالم. ووضعت الدولة نصب أعينها إنتاج سلاحها النووي الخاص ومن ثم مضاعفة ترسانتها النووية ووسائل نقلها ومداها لإصابه أهدافها. حتى الدول “الليبرالية” انتهجت المسار نفسه فلم يكن لديها خيار ، حيث تحولت كل من انجلترا وفرنسا إلى دول نووية بهدف دعم وزنها السياسي في السياسة العالمية.

  واستطرادا نشير إلى أن هذه المواجهة الحادة التي بدأت بعد إعلان الرئيس الأمريكي ترومان للحرب الباردة في مارس 1947م قد عكست ليس فقط الرؤية التي تقسم العالم بين أبيض وأسود بل والأسلوب الخاطئ في التعامل مع الاتحاد السوفيتي. وقد ساعدت سياسة الغرب على اتحاد أطراف النظام السوفيتي وتطوير القطاع الصناعي والعسكري وتنمية الاقتصاد والاهتمام بالعلوم.

  ومن الملاحظ هنا أن السياسة السوفيتية والدعاية في فتره حكم ستالين التي كانت بعيده عن واقع الأحداث في الشرق الأوسط والأدنى قد حققت العديد من النقاط الايجابية في البلدان العربية حيث أصبحت سمعة الاتحاد السوفيتي أقوي بكثير. وقد دعمت موسكو المطالبات بانسحاب القوات البريطانية من مصر ومنح لبنان وسوريا استقلالهما ومن بعدهما ليبيا. وقد شهدت الفترة من 1952- 1955م مشاركة فعالة من قبل ممثلي الاتحاد السوفيتي في الأمم المتحدة اثناء مناقشه قضايا استقلال المغرب وتونس ودعموا جهود هذين البلدين في سبيل الحصول على استقلالهما.

  وقد استمرت الحكومة السوفيتية في تجاهل احتياجات شعبها ووفرت موارد للتصدير لبيع منتجاتها للبلدان العربية مقابل سلع ربما تكون ضرورية للاتحاد السوفيتي ولكنها ليست أساسية بل سلع ترفيهية وثانوية. حيث كانت البلاد نعاني من نقص في المنتجات الغذائية. وفي عام 1948م وفي ظل النقص الغذائي وافق الاتحاد السوفيتي على إمداد مصر بمائتين وخمسة وثلاثين ألف طن قمح في مقابل 38 ألف طن قطن مصري. [iii]

  وفي عام 1951م اقترحت حكومات كل من أمريكا وانجلترا وفرنسا وتركيا على البلدان العربية وإسرائيل المشاركة فيما سمي بقيادة الشرق الأوسط للدفاع المشترك عن بلدان الشرق الأوسط والأدنى.و قد تضمنت هذه الخطة إيفاد البعثات العسكرية الغربية ونشر قوات أجنبية على ارضي هذه الدول وتقديم قواعد عسكرية تستخدم من قبل قيادة الشرق الأوسط. وقد قدمت الحكومة السوفيتية مذكرة انتقدت فيها بشدة هذه الخطة. وإليكم ما أذاعه راديو القاهرة في تلك الأيام: ” إن مصر توافق تماما على ما جاء في المذكرة السوفيتية عن أن مشاركة البلدان العربية في قيادة الشرق الأوسط ستحد من سيادة هذه البلدان وتخضعها لمصالح الدول العظمي التي تتسم بالأنانية” [iv] وقد قامت القيادات في كل من سوريا ولبنان بتصريحات مماثلة.

  وفي العشرين من أكتوبر 1951م نشرت الصحيفة القاهرية النافذة “المصري” والتابعة لحزب الوفد مقاله جاء فيها : ” إن أحداث الأيام الأخيرة تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن مصر عليها ألا تنتظر شيئا إيجابيا من الدول الإمبريالية…و لم يعد أمام مصر إلا أن تولي بوجهها إلى حليف جديد يدعم سياستنا ويستطيع مساعدتنا على تحقيق أحلامنا القومية” [v] وفي شهر مايو 1951م صرح عضو البرلمان السوري عبد اللطيف يونس : ” إننى أطالب الحكومة السورية وحكومات البلدان العربية الأخرى أن تسارع بتوقيع اتفاقيات مع الإتحاد السوفيتي”.[vi]

اترك تعليقا