الرئيسية » حضاريات » من لينين إلى بوتين: روسيا في الشرق الأوسط والأدنى – الفصل الأول: الجذور (1) – ألكسي فاسيلييف

من لينين إلى بوتين: روسيا في الشرق الأوسط والأدنى – الفصل الأول: الجذور (1) – ألكسي فاسيلييف

 نتابع تقديم فصول من كتاب المستشرق الروسي الكبير ألكسي فاسيلييف “من لينين إلى بوتين: روسيا في الشرق الأوسط والأدنى”. وكنا قد نشرنا نبذة ومقدمة عن هذا المستشرق في مقالتين يمكنكم الاطلاع عليهما على موقعنا على العنوانين:
http://ar.rusisworld.com/wp-admin/post.php?post=27435&action=edit
http://ar.rusisworld.com/wp-admin/post.php?post=29574&action=edit

الفصل الأول

الجذور (1)

سنوقد من الأعالي حريقا عالميا

نحرق فيه كل برجوازي

حريق عالمي ينزف الدماء

إرحمنا يا رب السماءّ

ألكسندر بلوك

  قام البلاشفة بثورة أكتوبر في عام 1917م مستخدمين شعار “الثأر”. وقد تضمنت برامجهم وإعلاناتهم كماً ضخماً من الأفكار العدمية الرافضة للواقع. فقد رفضوا الحروب التي كبدت روسيا ما يزيد عن مليوني قتيل. كما رفضوا المزايا التي كانت تمنح لطبقة الملاك الذين كانوا يتحكمون فيما يزيد عن نصف مساحة الأراضي المزروعة. رفض البلاشفة أيضا البنى الديمقراطية التي كانت قد نشأت لتوها وتمثلت في حكومة مؤقتة وطبقه برجوازية روسية شابة ، لم تكن قد نجحت تماما في صياغة شكل للتعايش والتعاون مع طبقة العمال. وأخيرا رفضوا المنظومة السائدة أيام القيصر في العلاقة بين القوميات المختلفة.

  كانت الشعارات الراديكالية المتطرفة تخلب العقول والقلوب في ظل ظروف استثنائية سادت البلاد. كانت شعارات البلاشفه تسكر الألباب ونذكر منها : ” السلام للشعوب” و” الأرض للفلاحين” و” الخبز للجوعى” و” المصانع للعمال”.

  وقد تضمن إعلان حقوق الشعوب الروسية الصادر في 2 (15) نوفمبر 1917م ما يلي:

  • المساواة والسيادة لكل الشعوب الروسية
  • حق الشعوب الروسية في تحديد وتقرير مصيرها بشكل حر وحتى الانفصال التام وتشكيل دوله مستقلة.
  • إلغاء كل المزايا والقيود المفروضة على أساس قومي أو قومي ديني.
  • حق الأقليات القومية والجماعات الإثنية التي تقيم في روسيا في التنمية الذاتية وبكل حرية.[i]

   ولم تشهد الحقبة السوفيتية احترام أو الالتزام بأي من تلك البنود بلا استثناء. إلا أنه لا يمكن بأي حال تجاهل ونفي جاذبية مثل هذا الإعلان سواء في داخل أو خارج البلاد وخاصة في تلك الفترة الثورية.

  وقد تضمنت الكلمة التي توجه بها فلاديمير لينين في 20 ديسمبر1917م “إلى كل المسلمين الكادحين في روسيا والشرق” نفس الموتيفات سابقه الذكر. حيث تضمنت الوثيقة حقيقة كون العرب مثلهم مثل جميع المسلمين لهم الحق في أن يصبحوا ساده في بلدانهم وفي “بناء حياتهم الخاصة وفقا للنمط والنموذج الذي يناسبهم”[ii]

  حمل البلاشفه إلى الشعوب المعذبة والغاضبة فكره رسالة النجاة والإنقاذ وقدموا أنفسهم كونهم مملكة الرب على الأرض والتي منحت اسما جديدا غير معروف وغامضا وهو “الشيوعية”. وهي ترمز إلى مجتمع يقوم على توفير الحرية والمساواة والعدالة والحياة الكريمة والحب. الطريق الوحيد هو السير خلف البلاشفة والإيمان بهم. هذا الرفض الشامل لكل ما هو قديم سواء السلطة أو الملكية الخاصة أو القانون أو الأخلاق أو الدين قد سمح بهدم العالم السابق من الأساس وباستخدام كل الوسائل الممكنة والمتاحة لتحقيق ذلك. كانت الحضارة السابقة والحياة الإنسانية نفسها ينظر إليها في أفضل الأحوال بوصفها مادة بناء لتشييد سور يحيط بحديقة غناء رائعة في المجتمع الشيوعي. وفي أسوا الأحوال كانت تبدو كسماد لزراعة وتخصيب هذه الحديقة. فأي مجتمع كانوا ينوون بناءه؟ وكيف سيتم ذلك؟ لم يكن أي من “الثوريين المحترفين” المؤمنين بضرورة هدم النظام السابق والقادرين على ذلك ليعرف ماذا عليه أن يفعل بعد ذلك. لكن الزمن قد أظهر ثبات شكل الدولة الجديد لعقود وما صاحب ذلك من دكتاتورية حزبية وقدره النظام الجديد على توفير قاعدة مجتمعية تجسدت في جزء من الطبقة العاملة ثم في طبقة البروليتاريا (اللومبنبروليتاريا كما يطلق عليها حديثا)

  أصبحت تلك الموجه الشاملة ومتعددة الجوانب والتي تعمل تحت شعار الفكرة والرسالة عنصرا أساسيا مكونا في النظام الجديد جنبا إلى جنب بجوار آله القمع والاضطهاد. ومثلت الأيديلوجيه الشيوعية من نظرية الماركسية اللينينية وحتى دعايات الصحف والراديو الأساس الخرساني الذي يربط بين تكتلات النظام منفردة وبين الأشخاص الأحياء الذين هم في حاجه إلى دين جديد وعقيدة جديدة والاستفادة من مثلها العليا في تبرير سلوكياتهم وتصرفاتهم وأحيانا كثيرة – جرائمهم.

  ولكن تلك المبادئ والمثل قد أصابت بعدواها الكثير من الأجيال من السوفيت وخاصة طبقة الإنتلجينتسيا الجديدة والمفكرين اليساريين في الغرب والمناضلين من أجل التحرر الوطني في الشرق. “كانت البيانات الصادرة من الدولة الناشئة تمثل ظاهره جديدة على البشرية” هكذا كتب عالم التاريخ المصري ش. الشافعي بعد مرور سنوات عديدة. “السلام بين الشعوب” ” أيا بروليتاريي العالم اتحدوا!” “ايا أيها الشعوب المستعمرة. تحرري!” “إننا نقدم دعمنا المادي والمعنوي لكل شعب يسعى للتحرر”. “لأول مرة في تاريخ البشرية تظهر دولة عظمى لا تسعى لاستعمار أحد أو احتلال أحد أو استغلال أحد. وقفت الدولة في صف كل القوى التحررية في العالم. هذه الدولة الحديثة اقترحت على سعد زغلول مساعدته وتقديم السلاح له ولكنه خاف وأجابها بالرفض”[iii] (إبان الأحداث الثورية في مصر عام 1919م استخدمت اللفظة الروسية “سوفيت” حيث أطلقت على بعض أجهزة السلطة المحلية حينها)

  اقتبست الأفكار والمثل الدعائية من واقع المجتمع السوفيتي إلا أن ذلك لم يقلق كثيرا مؤيدي الاشتراكية في الغرب والمناضلين من أجل الحرية في الشرق. أولا لأن الأغلبية العظمى من “أصدقاء الاتحاد السوفيتي” لم يكونوا على دراية بهذا الواقع وكان مصدر إلهامهم البروشورات الدعائية والمعلومات المنتقاة بعناية. ثانيا: لم يشأ احد أن يتعرف على هذا الواقع ، فقد كانوا في حاجه إلى أفكار وشعارات وأمثله تدعم نهجها وسلوكها السياسي الخاص أو مرتكزاتها. ثالثا: من وجهة نظرهم وبهدف تحقيق مستقبل مشرق للإنسانية كان الروس وغيرهم من شعوب الاتحاد السوفيتي على استعداد لاقتسام المعاناة مع شعوب العالم. وكانت أي فكرة أو رسالة تستوجب التضحية وهي تضحية مبرره وخاصة لو لم تكن أنت من يضحى. رابعا: أن ألأهم هنا كان السلوك السياسي الفعلي للاتحاد السوفيتي على الساحة الدولية والذي كان يلقى دعما طالما يتفق ومصالح وأهداف وأمال الثوريين شرقا وغربا وكذا النخب السياسية الجديدة التي وصلت إلى سدة الحكم فيما بعد.

  لم يكن البلاشفه الذين استولوا على السلطة في روسيا على دراية كافية بالشرق. ولم تسعف خبره بعض قادة ثورة أكتوبر الذين عملوا في مناطق الفولجا المسلمة وما وراء القوقاز في إجراء تحليل ناجع لمواقف واتجاهات التنمية الاجتماعية والسياسية في الشرق. وتحت وطأه العجز عن الفهم حاول البلاشفه فرض الشعارات والنظريات اللينينية على الواقع المعقد لبلدان آسيا وإفريقيا. وكانت معظم الأبحاث والدراسات ( وأغلبها سياسية) والتي أجراها العلماء السوفيت المتخصصون في الشرق منذ الثورة وحتى التسعينيات من القرن العشرين تعتمد على نتائج بحوث علماء غربيين متعاطفين مع الفلسفة الماركسية اللينينية.

  غير أن ذلك لم يعيق استمرار تأثير الدعايا والشعارات البلشفية ولفترات طويلة سواء التى استخدمت بشكل مباشره أو ما أدرج منها ضمن “نظرية علمية”. والسبب في ذلك يتكشف من خلال التحليل العميق ودراسة الحقائق ومقارنه الحجج أو عن طريق الإمساك بجوهر القضية وسبل حلها. تمثل هذا الجوهر في رفض البلاشفة لكل ما هو سابق عليهم في النظام العالمي بما في ذلك النظام الاستعماري والتبعية السياسية. ومن السهل أن نقف اليوم وننتقد النظرية اللينينية حول الإمبريالية. وهناك العديد من الدلائل يمكن أن نوردها لإثبات أن النظام الاستعماري مثل ظاهرة أكثر تعقيدا مما بدا عليه الأمر في كتب ر. جيلفيردينج وأ. جوبسون والتي ضمنها لينين في كتاباته. الأمر الأهم هنا هو أن النتيجة السياسية التي يمكن أن نخرج بها من هذه الفرضيات تتلخص في فلسفة نفي القديم والدعوة لهدمه أي للتدمير الثوري لهذا النظام العالمي الذي يحق فيه لشعب أن يحرم شعبا آخرا من استقلاله السياسي أو يفرض قيودا عليه. ويتبع ذلك النتيجة العملية والتي تمثل في الاعتراف بشرعيه وقانونية أي شكل من أشكال النضال ضد النظم الاستعمارية وشبه الاستعمارية ومن أجل التحرر الوطني وحق الشعوب والأمم في تقرير مصيرها والحصول على استقلالها السياسي.

  اتسقت شعارات لينين وأتباعه بشكل كامل أو جزئي والمساعي السياسية لقادة الحركات الوطنية التحررية وخاصة الأكثر راديكالية منها والتي تعبر عن طموحات الشعوب. وعني ذلك أن زعماء بريطانيا وفرنسا قد أخطئوا عندما اعتبروا أن انتصارهم على ألمانيا وحلفاءها في الحرب العالمية الأولى هو مبرر لشرعنه طموحاتهما الاستعمارية وسعيا للإبقاء وتوسيع إمبراطوريتهما الاستعمارية في الشرق الأوسط والأدني. وأنهما بذلك يسيران ضد مسار التاريخ وضد مساعي الشعوب المتزايدة للحصول على استقلالها السياسي.

  وقد كتب فلاديمير لينين قبل ثورة أكتوبر 1917م يقول أن رسالة الاشتراكيين هي دعم نضال الشعوب المقهورة من أجل ان تحصل على التحرر الوطني الكامل وأن هذا النضال مشروع ” بكل أشكاله حتى لو وصل الأمر إلى الانتفاضة المسلحة أو الحرب…” [iv] ولم يرد في خطب قادة الحزب الشيوعي السوفيتي حديث عن الطرق السلمية في النضال إلا بعد مرور أربع عقود كاملة.

  ويرى لينين أن روسيا السوفيتية ملزمة ببناء علاقاتها مع الدول الناشئة انطلاقا من المقاطعة الكاملة للسياسة الوحشية التي تنتهجها الحضارات البرجوازية والتي تبنى على إثراء عدد قليل من الدول على حساب ملايين المستعبدين في بلدان أسيا وغيرها من البلدان الصغيرة.[v] وحينها تم التركيز على حقيقة ضرورة اتحاد البروليتاريا المنتصرة في الاتحاد السوفيتي أي البلاشفة مع قادة الشعوب المقهورة في الشرق والتي تناضل ضد الامبريالية أي ضد الغرب.

  كان لينين على قناعة أن الطبقات الحاكمة في الغرب تستمد قوتها وثروتها من استغلال البلاد المستعمرة ولما كانت هذه الطبقات هي العدو الرئيسي للبلاشفة فإن هناك حاجة ماسة إلى توفير السبل لإضعافها وأولها حرمانها من مستعمراتها. والمثير للاهتمام هنا أن من بين واحد وعشرين شرطا وضعها لينين لقبول كيان ما في عضوية الشيوعية العالمية هو أن يلتزم الحزب الراغب في الانضمام “بالكشف عن جرائم الإمبرياليين في المستعمرات وأن يقدم الدعم بالأفعال لا بالكلمات لكل حركة تحررية داخل المستعمرات وأن يطالب بطرد القوى الإمبريالية المحلية من داخل البلد المستعمر…”[vi] وينظر لينين إلى العلاقة بين كل حزب شيوعي والحركة الوطنية التحررية بوصفها مؤشرا هاما على إخلاص الحزب لمبادئ الأممية البروليتارية أو بعبارة أخرى الإخلاص لروسيا السوفيتية أو بمعنى أدق لحزب البلاشفة الذي أصبح على رأس السلطة فيها وبعبارة أكثر دقة لقيادات هذا الحزب.

  وقد ظهرت فكره المحيط المعادي في سنوات الحرب الأهلية والتدخل الأجنبي. وكان الأعداء يحيطون بنا على الحدود والجبهات وكانت الثورات البروليتاريه على وشك أن تطيح بهذه الأنظمة جميعا ، ونقصد هنا الثوار البلاشفة في كل من فرنسا وانجلترا وألمانيا. تلك الرؤية الكارثية للعالم قد رسمت للقيادة السوفيتية ملامح عصر الحرب الأهلية التي قامت بها البروليتاريا ضد البرجوازية في البلدان الرأسمالية الكبرى والمرتبطة الحركات الوطنية التحررية التي قامت بها الأمم المضطهدة.” قال لينين أن الثورة الاشتراكية لن تكون مجرد نضال للبروليتاريا الثورية في كل بلد ضد الطبقة البرجوازية في هذا البلد. بل ستمثل نضال كل الشعوب والبلدان المستعمرة والتابعة ضد الإمبريالية الدولية” [vii]

  ويرى زعماء روسيا السوفيتية أن الحركة الوطنية التحررية تضرب قواعد وأسس الامبريالية في الصميم مما يؤدي إلى فقدانها فرص نهب المقدرات والاحتياطيات التي تجمعت من عرق الشعوب وكذا الثروات المعدنية والأراضي ذات الأهمية الإستراتيجية. في ظروف كهذه تفقد الامبريالية مصادر هامة للحصول على أرباح ضخمة تجنيها نظير استغلالها لمستعمراتها كما تتضاءل مساحه أسواقها الخارجية وفرص إثراء قياداتها ما يوفر الظروف الملائمة لنضال الطبقة البروليتارية في داخل البلدان الرأسمالية ضد حكوماتها ويقوي من الصراعات الطبقية الداخلية.و لم يورد لينين بطبيعة الحال من الأرقام أو الأدلة ما يؤكد هذا الدور الاستعماري للغرب. ولم يكن في حاجة إلى ذلك بطبيعة الحال. كانت البروليتاريا المنتصرة في روسيا السوفيتية في حاجة إلى حليف ولو تعذر الحصول عليه فإن الضرورة تقتضي أن نصنعه.

  كما عملت ماكينة الدعاية على الترويج للمسار المعاكس. فقد كانت نجاحات الحركة الوطنية التحررية في أي بلد تعتمد على نجاح روسيا السوفيتية وطبقة البروليتاريا في بلدان الغرب المتقدمة. فقد أشار لينين إلى أن ” روسيا تدعم بدون شرط أو قيد أي مشترك ديمقراطي يعارض ويناهض الاضطهاد والظلم في داخل أي مجتمع برجوازي..”[viii] فكل مقاومة تقوم بها روسيا السوفيتية للغرب وكل نضال تقوم بها بروليتاريا الغرب ضد الطبقة البرجوازية في دولها من شأنها أن توفر الظروف المناسبة لكفاح تحرري ناجح للشعوب المقهورة كما يضعف من مواقف الإمبريالية ويفقدها مصادر قوتها ويقيد من حريتها في الحركة والتصرف في داخل مستعمراتها ومناطق نفوذها. (يتبع)

اترك تعليقا