الرئيسية » حضاريات » من لينين إلى بوتين: روسيا في الشرق الأوسط والأدنى- ألكسي فاسيليف- ترجمة د.محمد نصر الدين الجبالي (المقدمة 2)

من لينين إلى بوتين: روسيا في الشرق الأوسط والأدنى- ألكسي فاسيليف- ترجمة د.محمد نصر الدين الجبالي (المقدمة 2)

 نبدأ تقديم فصول من كتاب المستشرق الروسي الكبير ألكسي فاسيلييف “من لينين إلى بوتين: روسيا في الشرق الأوسط والأدنى”. وكنا قد نشرنا نبذة ومقدمة عن هذا المستشرق في مقالتين يمكنكم الاطلاع عليها على موقعنا على العنوانين:
http://ar.rusisworld.com/wp-admin/post.php?post=27435&action=edit
http://ar.rusisworld.com/wp-admin/post.php?post=29574&action=edit
وكذلك الجزء الأول من المقدمة. نتابع اليوم الجزء الثاني والأخير من المقدمة.
    …واشنطن. يناير 2011م. لقاء بين مجموعه من المستشرقين الروس والعلماء الأمريكيين. القنوات التليفزيونية عامره ببرامج التوك شو عالية المشاهدة حول الثورات العربية. ومراسل صحفي أمريكي يقف في ميدان التحرير مركز الأحداث العاصفة في مصر ويتحدث بكلمات صيغت بإتقان قائلا:” المتظاهرون هنا لا يعبرون عن أي مشاعر معادية لأمريكا”. فيما يشاهد في الخلفية يافطة كبيره كتب عليها بالعربية “إرحل إرحل يا جبان يا عميل الأمريكان”. إرحل!” وحينها توصل العلماء الروس إلى النتيجة  وقالوا – انتهى الأمر! وتحدثوا عن النمو المتوقع لنفوذ التيارات الإسلامية في العالم العربي.  ولم يعلق الزملاء الأمريكان بشئ وفضلوا الصمت.
    … ميدان التحرير. القاهرة. فبراير 2011م. مبارك يتنحى عن السلطة. والكاتب العربي الشهير وربما الأفضل في العالم العربي  جمال الغيطاني لا يخفي مشاعره ويقول: ” قبل أسبوع تقريبا من 25 يناير كنت مدعوا في حفل استقبال بالقصر الرئاسي بمناسبة الاحتفال بتوزيع قلادة النيل وهو أرفع الأوسمة في مصر. شعرت بصدمه عندما شاهدت في الفناء الملكي الخدم والمراسم وطابور المنافقين والمتملقين. بدا لي كل شئ ميتا ويائسا. سألت نفسي. هل سيستمر ذلك الوضع طويلا؟  سمعت يوم 24 يناير أن هناك دعوات عبر الانترنت لتنظيم مظاهره شبابية. ولكن نظرا لكوني انتمي للجيل القديم فلم أصدق ولم أثق بنجاح الانترنت في ذلك. وفجاه نجح الأمر! يا ألكسي! تم الأمر! وحدت الثورة بين الجميع المسلمين والأقباط ، الأغنياء والفقراء ، المثقفين والأميين. كانت تلك هبه وطنية عامه فلتكن هناك صعوبات ومعاناة وضحايا! لكن النظام القديم الميت لن يعود!”
“صديقي العزيز المخلص الشريف الموهوب بلا حدود. لكم وددت أن أصدقك! لكم وددت أن أؤمن بمستقبل ناصع لمصر التي اعشقها. لكني قادم من بلد عانى عبر قرن من الزمان الكثير من الثورات والثورات المضادة! وبكل حزن وأسف انظر الآن إلى ما آل إليه الوضع في بلدي”… لم أقل تلك الكلمات له حتى لا أؤلم مشاعره.
    أصبحت كلمة التحرير أيقونه للثورة المصرية ورمزا للثبات والشجاعة والحرية. ثمانية عشر يوما متواصلة كان الميدان فيها يموج بالحماس والخطب الثورية والنقاشات والشعر والأغاني والاشتباكات مع الشرطة والبلطجية المستأجرين من قبلها وحتى مع سائقي الجمال. كانت كلمة “إرحل” تخرج من حناجر الملايين موجهه إلى الرئيس مبارك. اختفت الشرطة حينها. ووقفت الدبابات في محيط الميدان والشوارع الضيقة المحيطة. لم يتدخل الجيش في الأحداث. تنحى الرئيس مبارك. وماذا بعد؟ عاشت مصر بعدها أوقاتا صعبة.
    طرحت على نفسي سؤالا قديما: ” ماذا علينا في روسيا أن نفعل؟” وداهمتني إجابة واحده ” المهم عدم التدخل في أي شئون مصرية أو عربية!”
لم ننجح في تحقيق ذلك.
و تسعى روسيا في القرن الحادي والعشرين إلى العودة إلى الشرق الأوسط. وشاءت الأقدار أن يكون ذلك عبر البوابة السورية.
    …دمشق. أبريل 2016م. أثناء حوار لي مع السفير الروسي الكسندر الكسندرفيتش كينشاك بمكتبة. وبين وقت وآخر نسمع صوت اطلاق نار من مدفعية ثقيلة. قال السفير وهو يشرح لي ما يدور هناك: “يضربون أهدافا في ضواحي دمشق على بعد خمسة كيلومترات تقريبا – سبعه كيلومترات من هنا. حيث يسيطر المقاتلون أو قوات داعش أو جبهة النصرة على الأحياء في تلك المناطق. ويحاصر الجيش هذه الأحياء بما تبقى فيها من سكان”. ” هل لي أن أصل إلى الجبهة؟” .” لا. فأنا مسئول عن أمنكم. ولا يمكنكم التنقل في المدينة إلا في سيارة السفارة فهي مدرعة وآمنه”
    عند الحدود السورية اللبنانية استقبلنى عناصر من القوات الخاصة الروسية بصحبه سيارتين مدرعتين. وكانوا جميعا يرتدون زيا أسودا ويحملون الأسلحة الآلية وأجهزة لاسلكي. أقلوني إلى فندق في وسط العاصمة دمشق ثم ذهبت حسب الاتفاق في إحدى السيارتين إلى السفارة والتي يحيط بها سياجان أمنيان: سوري خارجي وروسي في الداخل. أما الممرات والمداخل فهي بين جدران عالية من الخرسانة المسلحة. وتم غلق الشارع أمام السفارة أمام حركة المرور. وتم استخدام السيارة المدرعة في تنقلاتي  في المدينة وأثناء لقاءاتي وزيارتي للجامعة.
    ما العمل. النظام هو النظام. الفضول يقتلني. استقللت تاكسي وووافق السائق في مقابل بعض المال أن يذهب بي إلى محطة الباصات والتي يمكن منها السفر إلى مدينة الرقة عاصمة مقاتلي داعش. ( أي أن الحافلة تمر عبر جبهة الحرب الأهلية) ورأيت هناك كافيتيريا مزدحمة بالناس وحواري المدينة القديمة الصاخبة ثم أقلني التاكسي إلى مواقع الجيش السوري حيث كانوا يغلقون طريق المرور إلى مخيم اليرموك الفلسطيني سابقا. والمخيم ليس خياما بل أحياء قديمة ضمن مدينة دمشق الكبرى. وبعد القتال الذي اندلع بين تنظيمين إسلاميين تمكنت داعش من السيطرة على جزء من المخيم فيما احتلت جبهة النصرة جزء آخر. وهناك أحياء أصبحت خاوية تماما من البشر واستخدم المقاتلون الأنفاق بهدف التستر والاختباء.
    أمسك الضابط الشاب بجواز سفري وتصفحه سريعا وبعد حديث طويل ومحاولات منى لإقناعه واتصالات هنا وهناك وافق أخيرا على اصطحابي إلى نقطه مراقبه. ” بشرط ألا تتحرك ولو خطوة دون موافقة مني. هناك قناصة يقفون على جهة الأخرى”. أجبته قائلا :” حاضر”. سرنا في خندق عميق وعبرنا إلى منزل غير مأهول ومن داخله وبالاستعانه بالمنظار تمكنا من مراقبه المنطقة  التي يسيطر عليها المقاتلون من خلف جدران البيت. رأيت مساحه فضاء مفتوحة ومحاطة من جميع الجوانب بمنازل شبه مهدمه وبقايا حطام سيارات متفجرة. ” نحن نقوم بالمراقبة وإذا لاحظنا أي حركة نرسل الإحداثيات إلى قوات المدفعية فيستهدفون الموقع المحدد”. لم يسمحوا لي بالبقاء طويلا. وكرر لي الضابط أثناء وداعه لي عبارات الشكر والامتنان لروسيا وردد تقريبا كلمة بكلمة ما قاله الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه الأخير. من الواضح أن القائمين على التوجيه السياسي في الجيش السوري يقومون بعملهم على الوجه الأكمل.
    كانت سوريا ساحة أظهرت من خلالها روسيا إمكاناتها وقدراتها العسكرية للمرة الأولى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وقد أثارت زيارتي لها الكثير من التساؤلات لدي سواء حول هذا البلد أو حول منطقة الشرق الأوسط والأدنى قاطبة. وسأحاول الاجابه على بعض منها في الجزء الثاني من الكتاب والذي يحمل عنوان ” حدود البرجماتية”
    واسمحوا لي أن أخرق قليلا التسلسل التاريخي للأحداث وأتطرق إلى زيارتي إلى الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر عام 2015م. فقد كان هذا البلد تحديدا مع عمان يمثل هدفا ساميا للثوار في ظفار والذين كانوا يأملون في تأسيس “مجتمع اشتراكي سعيد” في هذه المنطقة.
    …الجزيرة العربية. ديسمبر 2015م. ارتفع المصعد بلا ضجيج يذكر إلى الطابق الحادي والستين بعد المائة في أعلى ناطحة سحاب في العالم وهو برج خليفة. ويحتوى المبني على مائتي طابق بإجمالي ارتفاعات تبلغ 828مترا. ويمكنك الاستمتاع من أعلي البرج بالنظر إلى جمع كبير من ناطحات السحاب “القصيرة” والتي يبلغ ارتفاعها في المتوسط من 60-70 طابقا. شبكات الطرق ذات المستويات المختلفة لتوزيع التدفقات المرورية على الطرق السريعة. وتنظر إلى الشرق فترى البحر وإلى الغرب تجد الصحراء. هناك كانت تقبع كهوف طينية فقيرة يقطنها الصيادون وخيام للبدو عندما قدمت أول مره في عام 1969م وكنت حينها أول سوفيتي أو ربما أول روسي في التاريخ يزور الإمارات العربية المتحدة بعد إعلان استقلالها مباشره.
    ويمكنك التنقل بين طوابق البرج الذي ربما يعتبر أول مدينة عمودية في العالم تستطيع استيعاب ما يزيد عن خمس وثلاثين ألف إنسان. يحتوى البرج على شقق وفنادق ومكاتب ومطاعم ومحال تجارية وجميع الخدمات المعيشية الضرورية. ويمكنك الهبوط إلى شرفة الفندق في الأسفل والاستمتاع بغروب الشمس وفي نفس الوقت بتراقص النوافير أمام البرج على أنغام الموسيقى العربية وموسيقى الجاز على بحيرة صناعية وردية اللون. كما يمكنك الاستمتاع بالتجول بين صفوف لا تنتهي من المحال التجارية بمختلف إحجامها.  ويمكنك أيضا أن تجلس على مقهى وتطالع الصحف الروسية وكذا الصحف المحلية كبيره الحجم باللغتين العربية والانجليزية. وفي الفندق يمكنك في المساء أن تشغل التلفاز وتختار واحده من مئات القنوات.و تجد نفسك وقد غرقت في بحر من المعلومات الحقيقية (و الكاذبة) وطوفان من الإعلانات عن سيارات ومجوهرات وأحذية وساعات وعطور ومعارض فنية وحفلات موسيقية ورحلات وكل ما يمكن بيعه.
    لا. لا يمكني وأنا في هذا العمر أن أتصرف كشاب رومانسي في السابعة عشره. لكن النفس أمارة بالسوء دوما وخاصة عندما تشاهد إعلانا عن وجبه عشاء لفردين تبلغ قيمته 600 ألف دولار في مدينتين على طرفي العالم. ادفع وستحصل على خدمة “شامل كل شئ” : الطيران لفردين على الدرجة الأولى وربما بطائرة خاصة  تطير بك إلى الطرف الأخر من العالم وغرفه في فندق والمشروبات والطعام. وغير بعيد من هنا وفي اليمن المجاور يعتبر محظوظا من يعيش في كوخ ولديه بعض الحبوب في جوال مرفوع ومربوط بحبل على عارضه خشبية حتى لا تلتهمه القوارض. الكثيرون هناك يعانون من نقص المياه والطعام وكثيرا من ينام الأطفال دون عشاء وهم عراه والذباب يغطي وجوهم
    وها هو خبر عن مباراة للهوكي بين فريق الروس المقيمين بالإمارات مع نظرائهم السويديين. لاحظت وجود أحذية التزلج في الصندوق الخلفي لسيارة أحد الموظفين الشباب العاملين في القنصلية العامة الروسية. وقد شرح لي لاحقا أنه يمارس رياضة الهوكي طوال العام ويلعب ضمن منتخب الجالية الروسية وهناك عشرات الفرق المنافسة لهم. وهكذا وتحت درجة حرارة تتراوح بين 45-48 مئوية توفر قصور الجليد الإمكانية للتدريب وممارسة هذه الرياضة. ما العجب في ذلك؟ فالإمارات لديها محطات مترو فوق الأرض مكيفة الهواء وكذا جبال ثلجية صناعية لممارسة التزحلق على الجليد.
    وفي عام 2014م زار الإمارات حوالي ستمائة ألف  روسي أنفقوا 1.2 مليار دولار وانخفض الرقم قليلا في العام التالي 2015م. وأغلب هؤلاء من السياح ورجال الأعمال والوزراء. ليس هؤلاء فحسب فقد سمعت بنفسي في أحد الفنادق الفاخرة صوت رجال روس يصيحون ضحكا بصوت عالي وبلغة روسية وعندما سألت أخبرني النادل أنهم من كبار رجال المافيا النافذين في روسيا. فهنا لا أحد يحاسبهم وهم أيضا لا يمسون أحدا بسوء. ولكنهم ببساطه – زبائن  أسخياء جدا”
    وفي إمارة الشارقة قامت إحدى العائلات بتشييد وإنارة كنيسة القديس فيليب. هناك من يأتي هنا ليستشعر الهدوء وبروده الجو في الكنيسة الأرثوذكسية الوحيدة في الجزيرة العربية، وهناك من يزورها ليعترف بذنوبه ويغتسل منها.
    وقد انتهى لتوه في الإمارات معرض بيع المعدات العسكرية ويحمل اسم ” دبي إير شو 2015″. وقد مثل روسيا في المعرض خمس وعشرون شركة قامت بعرض أكثر من مائتي نموذج لتقنيات عسكرية حديثة بداية من المقاتلات متعددة المهام حتى أنظمة المراقبة والاتصال. ولم يقتصر نشاط المعرض على البيع فحسب بل قامت شركة “روستيخ” بتأسيس شركة مشتركة بالتعاون بين الشركة القابضة الإمارتية “توازن” وذلك لإنتاج الذخيرة  بما فيها للدبابات القتالي هبي ام بي 3.
    وقد شاركت في الإمارات في المؤتمر الدولي للأمن في منطقة الخليج العربي والذي قام بتنظيمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية. وقد شارك بالمؤتمر أكثر من 300 ضيفا من مختلف الجنسيات. واتسمت مشاركاتهم بالجدية. وتناولت المداخلات أكثر القضايا الملحة سواء الاجتماعية أو الأمنية أو الاقتصادية أو الدينية. وقد أهداني مدير المركز السيد جمال سند السويدي كتابه والذي يحمل عنوان ” من القبيلة وحتى الفيس بوك: وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية”
    وتتميز الإمارات وجيرانها قطر والكويت بظاهره فريدة وهي قله عدد السكان الأصليين والتي انهالت عليهم ثروات نفطية ضخمة. وقد استطاع القادة الذين توارثوا تلك البلاد من الاستفادة بشكل عاقل من هذه الثروات. واجتذبوا في سبيل ذلك أفضل الأيدي العاملة الأجنبية وأقلها كلفة. ويبلغ نسبتهم في الإمارات أكثر بعشر إضعاف من عدد المواطنين الإماراتيين المحليين.
    ولكن ليست تلك هي القضية. فالمهم هنا هو معرفه ما تحتاجه روسيا من هناك. والإجابة في منتهى البساطة. نحتاج إلى تبادل تجاري متبادل وتصديرا لأسلحتنا ومشاريع اقتصادية مشتركة والسياحة وجذبا للاستثمارات من الإمارات إلى السوق الروسي. لا مكان للايدولوجيا هنا. بالتأكيد تهتم روسيا باستقرار منطقة الخليج على الرغم من الحاجة إلى تناول من نوع خاص للرؤية الروسية لمعايير تحقيق هذا الاستقرار.
    وفي أثناء عملي على انجاز الجزء الثاني من هذا الكتاب أدركت أن كثير من أسرار وآليات اتخاذ القرارات في فتره ما بعد جورباتشوف تبقى عسيرة على الفهم. وأصبح العثور عليها أكثر صعوبة مما قبل حين كان رجال الدول السوفيت يسمحون لأنفسهم بالحديث بصراحة أكثر. أما الدبلوماسيون الحاليون وكذا رجال المخابرات يتحفظون كثيرا في الحديث حتى تحت أسماء مستعارة.
    ولذا لا يمكني ألا اذكر بامتنان الحوارات التي اتسمت بثراء المضمون وساعدتني في فهم الكثير من الأمور. وجرى في مبنى الغرف التجارية والصناعية وآخر بمكتب في مركز  التجارة الدولية مع السيد يفجيني مكسيموفيتش بريماكوف. وهو زميل سابق أثناء عملى بصحيفة البرافدا وأكاديمي وعالم سياسة واقتصادي وكاتب اجتماعي عمل رئيسا لجهاز المخابرات ثم وزيرا للخارجية ثم رئيسا للحكومة الروسية. وبعد أن قام بوريس يلتسين بتحريض من أفراد عائلته الأثرياء بإقالته عمل بريماكوف لسنوات طويلة رئيسا لاتحاد الغرف التجارية والصناعية.  وقد حضرت الاحتفال ببلوغه الثمانين ضمن “دائرة ضيقه” من الضيوف بلغت المائتين وكان الرئيس بوتين حاضرا ووصف بريماكوف بأنه “مواطن عظيم”. ثم نطق بالعبارات التالية تقريبا:” في السنوات التي كانت فيها روسيا على حافة الانهيار التام ظهر رجال من نوعية بريماكوف أنقذوها في اللحظة الأخيرة”. ثم قاما سويا بغناء أغنية عن ليننجراد ” المدينة التي تعلو النهر المتدفق…”
    كما التقيت في حوارات عديدة مع إيجور ايفانوف وزير الخارجية الأسبق وسكرتير مجلس الأمن الروسي. وجرت لقاءاتنا في شارع ماليا ياكيمانكا في مكتبه بمركز المجلس الروسي للشؤون الدولية والذي قام بتأسيسه.
    وقد ساعدني كثيرا في فهم دور الطاقة في السياسة الخارجية الروسية السيد يو. شافرانك وزير الطاقة والوقود والرئيس الحالي لمجلس اتحاد منتجي النفط والغاز في روسيا.
    ورغم تقاعده ومرضه الشديد ألا أن السيد أ. كوليك رئيس فرع  الاستخبارات الروسية في الشرق الأوسط الأسبق قد احتفظ بذاكرته القوية اليقظة وأرائه وحتى اتصالاته وعلاقاته واتسم حديثنا بالصراحة. ويعد من القليلين الذي ظل يقطن في شقه من عصر خروشوف ولم ينتقل إلى مكان أرحب وأكثر رقيا ويليق بمكانته كلواء في الاداره الرئيسية لجهاز كي جي بي.
    ولم يعترض صديقي القديم الدمث رافايل عين الدين على إجراء حوار معه ويشغل منصب رئيس الاداره الروحية لمسلمي الجزء الأوروبي من روسيا ورئيس مجلس الإفتاء الروسي. وقد استقبلني بمكتبه المقابل للمسجد الجامع بمدينة موسكو والذي يعد تحفه معمارية. وبالقرب منه تقع الكنائس الأرثوذكسية والمجمع الكنسي الارمني والملعب الأولمبي ما يعتبر رمزا دالا على آمالنا وأحلامنا جميعا كمواطنين روس في التعاون والتلاحم . ربما لا ينقص المكان فقط سوى معبد يهودي وآخر بوذي.
    وقد انتهيت من الفصول التي تتناول العلاقات الروسية المصرية قبل عام 2011م واستفدت فيها من نتائج رساله دكتوراه قام بها نائب وزير الخارجية  وسفيرنا الأسبق في القاهرة ميخائيل بوجدانوف وكان للمؤلف شرف الإشراف على هذه الرسالة.
كما شاركني فعليا في طرح الكثير من الآراء السيد ب. ستيجني السفير الأسبق في الكويت وتركيا وإسرائيل وهو عالم ومؤرخ وعمل” كدبلوماسي” مستعار في الجزء الأول من الكتاب حيث تنسب معظم المقالات إليه تحديدا.
    وقد وافق زميلي السابق في صحيفة “البرافدا” ثم في مجله “آسيا وإفريقيا اليوم” والعقيد بالإدارة الرئيسية لجهاز كي جي بي ي.روساكوف  على تحرير الجزء الأول من الكتاب. ليس هذا فحسب بل منحنى لقاءا صحفيا بشخصيته الحقيقة وساعدني في إلقاء نظره على الأحداث من “وجهه النظر الأمريكية”
    كما شارك زملائي المستشرقون أ. كوروتايف ول. ايسايف وأ. تكاتشينكو ون. فيلين ول. رافاندي فادان وأ. خودونوف والقنصل العام الأسبق في اسطنبول ل. مانجوسين في مناقشه مقتطفات بعينها في الكتاب وأمدوا المؤلف بالحقائق والأحداث.  وبذل السيد أوليج تيتيرين نائب المؤلف في رئاسة مجله “آسيا وإفريقيا اليوم” الكثير من الوقت والجهد في تحرير الجزء الثاني من الكتاب
    وقد ساهم مساعد المؤلف س.تشوكانوف بجهد كبير في جمع المادة الضخمة من الحقائق والوقائع الضرورية لوضع الكتاب. كما تعهد بالمراسلات باللغات الروسية والانجليزية والعربية. لا أجد ما يكفي من عبارات الشكر والامتنان حتى أوفيه حقه وجهده الدؤوب والذي لم يمنعه من مواصلته إلا موته إثر مرض خطير.
    قام بترجمة الكتاب إلى اللغة الانجليزية س. كوستيليانيتس والذي قام أثناء عمله بتدقيق الصياغة والحقائق الواردة بالنص الروسي.  أما الترجمة إلى العربية فقام بها محمد نصر الجبالي أستاذ اللغة الروسية وآدابها بجامعة عين شمس. وبالطبع لا يمكن تجاهل العمل الدؤوب والمتفاني الذي تقوم به مساعدتي س. بولينينا وهي الوحيدة التي استطاعت فك طلاسم الخط مع الإملاء السريع. وبدونها  لم يكن هذا الكتاب ليظهر للنور.
    وهكذا يمكن القول بأن هذا الكتاب هو نتاج لجهد جماعي. وإذا كان لكل مشارك سواء من الضيوف أو الزملاء أو المعاونين الحق في اقتسام المزايا،  فإن كل النواقص والهنات لا يتحملها سوى المؤلف وحده.

اترك تعليقا