الرئيسية » حضاريات » من قلد غيره نسى اصله… وفقد قراره المستقل 

من قلد غيره نسى اصله… وفقد قراره المستقل 

يبدو أنني سأتحول من كتابة المقالات السياسية والتحليلات الاقتصادية وغيرها إلى المقالات الأدبية التربوية لأن فيها عبرة لمن يعتبر. هي قصص لعل المسؤولين في العالم الثالث يستفيدون منها ويعتبرون. ذات مرة، سُئل حاكم ولاية إيلينوي الأميركية، سادس أكبر ولاية أميركية يبلغ عدد سكانها 14 مليون نسمة والدخل المحلي الإجمالي للولاية يصل إلى 550 مليار دولار أميركي والتي تحتضن بين جنباتها شيكاغو وهي ولاية الصناعات الثقيلة والاتصالات والطيران في الولايات المتحدة، لماذا تركب المواصلات العادية (تكسي أو باص أو مترو أو حتى دراجة هوائية)؟ فأجاب، وكيف أعرف مشاكل الناس وأنا أركب سيارتي ذات الزجاج المعتم؟

هذا حاكم. لا نريد المقارنة بين هكذا مسؤول يستطيع أن يضع في جيبه مليارات الدولارات  من العقود الوهمية والحقيقية من المقاولين وكبريات الشركات وبين المسؤولين في دول العالم الثالث – بالطبع إلا من رحم ربي.

فجزء من المسؤولين في الدول النامية والعربية يدرسون خارج بلادهم ويتعالجون خارج دولهم أيضاً وعندما يريدون السياحة يتوجهون غرباً وشرقاً ويحثون الناس على السياحة الداخلية. لا بد للمسوؤل أن يكون قدوة لغيره.

بالعودة إلى إلينوي فإن اقتصادها يتحكم بالولايات المتحدة والعالم في مجال الطيران والاتصالات، وحاكمها كان يردد دوماً شعار: “الحسنة للجميع والسيئة للفرد”.

في الماضي، قال أيسوب توفي، وهو كاتب إغريقي: ” نحن نقوم بشنق صغار اللصوص و نعين كبارهم في مناصب رسمية”، أليس هذا هو الحال في الكثير من دول العالم الثالث اليوم؟ أليس هذا هو سبب تراجع المعنويات لدى الكثير من الشباب في تلك الدول وفقدان الحافز والدافعية للعمل والإبداع؟ أليس هذا هو السبب في أنهم باتوا اليوم يعيشون على المخدرات التي يستوردها حصراً مسؤولون في تلك الدول لكي ينسى هذا النشأ ماضيه، وحاضره ومستقبله إن كان له بقية مستقبل؟

من حكم هذا الكاتب التي أحبها كثيراً تلك التي يقول فيها: “الاقتصاد أن تحضر اليوم لمطالب الغد”. هل أعدت الحكومات في دول العالم الثالث النامية للغد؟ يعرف الكثيرون أن ما تعاني منه الدول اليوم هو غياب الحاضر والمستقبل في الخطط الاقتصادية لأن الهم مُنصبٌ على حل مشاكل اقتصاد الأمس لا اليوم بسبب فساد بعض أو كثير من المسؤولين حسب مكانة الدولة ومواردها!

هذه مصائب كبيرة عرفها هذا الكاتب منذ اكثر من 2600 عاماً وشخصها ونحن اليوم نعيشها ولا نعرف التعامل معها. تسير الدول النامية دوماً وراء غيرها فباتت بالتالي كالغراب الذي حاول تقليد الطاووس في مشيته. فذات يوم، شاهد الغراب طاووساً يختال في مشيته، فقرر هذا الغراب تقليد ذاك الطاووس، وبعد مضي زمن طويل لم يستطع الغراب إتقان مشية الطاووس، فقرر أن يعود لمشيته الأصلية إلا أنه قد نسيها ولم يعد يتقنها، فعاش في تخبط عجيب. هذه القصة في عالم الطيور هي واقع في عالمنا اليوم تحمل في ثناياها أن من يمشي وراء الآخرين لن يكون له مبادئه الخاصة ولا استقلاله وسيبقى قراره نابعاً من غيره لا من ذاته.

مصائبنا في العالم الثالث اليوم هي من صنع أيدينا لا دخل للاستعمار بها. هي مصائب تسبب به زمرة فاسدين مفسدين انتهازيين سلبوا فرص التنمية لتنمو أرصدتهم البنكية وتنمو معها كروشهم. مصائبنا في غياب المصلحين الحريصين على مستقبل بلادهم لا مستقبل عائلاتهم ومنتجعاتهم في الخارج.  إن علاج مشاكل المجتمع  في الدول النامية سهل ولا يكون بالتقشف لأن التشقف لا يطال من تسبب بهذه الآفة للمجتمع بل يطال جيوب البسطاء المساكين، فلو كان الحزام الناسف طريقاً مختصراً للجنة لما تركه قادة الجماعات الإرهابية لمن هم دونهم.

 د. شهاب المكاحله –  واشنطن – 

اترك تعليقا