الرئيسية » حضاريات » من بيروت و عنها : مقاربة إستشراقية – اوراسية

من بيروت و عنها : مقاربة إستشراقية – اوراسية

بقلم عماد رائف
“من بيروت… وعنها”، رحلة جديدة يخوضها عماد الدين رائف، في كتاب تتبّع فيه، بحثاً وترجمةً، أثر رحّالة ومستشرقين وكتّاب، سلكوا طريقهم نحو المدينة “الملهمة”، منذ أواسط القرن التاسع عشر، وكتبوا عنها، ناقلين ما جادت به مشاعرهم تجاهها، فوصفوا ناسها وطبائعهم، أو عملوا فيها رسماً ونحتاً.

كتاب “من بيروت.. وعنها – أوراق أوراسية في التفاعل الحضاري”، الصادر عن “دار المصوّر العربي” (2018)،  تتقاطع فيه البحوث في بيروت التي زارها المستشرقون الأوراسيون، ضمن 176 صفحة، تحوي مقدّمة واثني عشر فصلاً.

يصطحب عماد الدين رائف القارئ العربي في رحلة غنيّة بالمشاهدات إلى “بيروت المُلهمة”، فيضعه أمام لوحة مرسومة بالكلمات لهذه “الدرّة الفريدة التي قُدّر لها أن تختزن العوالم واللغات، وأن تكون منارة حين تظلم اللججُ يُعتصمُ بنورها” خلال قرن ونصف القرن من الجمال.

في هذه الرحلة فرصة فريدة للنظر إلى “بوّابة الشرق للآتين من بحرها، وبوابة أهل الشام في مغامراتهم نحو ضفاف جديدة”، بعيون دميتري سكالون، ويفغيني ماكاروف، ونيقولاي بيرغ، وألكسندر ياكوبوفيتش، وميخائيلو هورلوفي، الذين رسموا ناسها بالكلمة نثراً وشعراً، وبالريشة وآلة التصوير والإزميل… ليخلدوا لحظات الفرح والدهشة.

سيجول القارئ في هذا الكتاب مع رسول حمزاتوف وصديق عمره الكاتب القرغيزي الكبير جنكيز أيتماتوف في أزقة بيروت، ومع ميخائيل بورادا الذي قدم إليها من موسكو بابنة كييف سابينا دوبروفولسكا ليبدعا رسماً، ومع السلوفاكي يرجي هانزلكا والتشيكي ميروسلاف زيكموند اللذين انحازا في أفكارهما إلى البيارتة البسطاء وتفاصيل حياتهم وأحلامهم.

هي جولة بيروتية في خط زمني يبدأ في العام 1860، مع وصف نيقولاي بيرغ لتفاصيل الحياة في بيروت، من ثم إلى كتابات دميتري سكالون الكاتب، والكسندر مكاروف الرسام، اللذين رافقا ابن القيصر الروسي نيقولاي نيقولايفيتش الكبير في رحلته، سنة 1871.

ينتقل الكتاب، إثر ذلك، بين الرحالة والمستشرقين ليصل إلى رحلة التشيكي ميروسلاف زيكموند والسلوفاكي يرجي هانزيلكا، اللذين حلا في بيروت سنة 1959، ودوّنا تفاصيل الحياة اليومية في كتابهما “الهلال المقلوب”، فيتضمن أحد فصول الكتاب ترجمة لفصل كامل منه بعنوان “أناس بيروت الصغار”، ومنه نقتبس:

” بالقرب من مبنانا، خلف الزاوية، تقطن جارة بارعة الجمال. كلما مررنا بمنزلها تغضّ الطرف على استحياء متحاشية النظر إلينا. وللوصول إلى منزلها عليك أن تنزل على درج، فالمنزل أكثر انخفاضاً من الطريق. إلا أنه كان على الطريق مباشرة، وما حدث أنه تم استحداث دار للسينما بنيت على الطرف المقابل من الطريق، ما رفع الطريق نحو مترين، وبالفعل رصفت بالأسفلت وعبّدت، فغدا سقف منزل هذه الجارة على ارتفاع نحو متر ونصف المتر عن مستوى الطريق فقط. وعليك أن تكون حذراً حين تمر بالقرب منه، كي لا يرتطم رأسك بطرف السقف. وهل يمكنك أن تفعل ذلك مع وجود جارة بهذا الجمال؟”.

وفي الكتاب ترجمة لقصيدة الشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف عن بيروت، إثر وصوله اليها بعد اندلاع شرارة الحرب الأهلية واغتيال كمال جنبلاط، وهو يتحدث فيها إلى الكاتب القرغيزي الكبير جنكيز أيتماتوف عن ذكرياتهما المشتركة في بيروت ربيع العام 1967:

… أتذكُرُ يا جنكيز يوم استضافتنا بيروت معاً،
كيف سرى من البحر والسماء
ضوء أزرقٌ باهتٌ
والشوارعُ جذبتنا إليها؟  

 يتناول الكتاب كذلك مواضيع عدّة، انتقاها الكاتب بعناية، ليعرّفنا من خلالها كيف عادت إلى الحياة، بعد أكثر من قرن، قصص ستيبان كوندوروشكين السورية، وقصص أغاتانغل كريمسكي البيروتية، وكيف أعادت قصصه إلى الحياة قرش بيروت الفضي الضائع، وكيف دافع عن الشاعرة الكبيرة وردة اليازجي في كتابه “تاريخ الأدب العربي المعاصر”.

“من بيروت… وعنها – أوراق أوراسية في التفاعل الحضاري” هو الكتاب الخامس للكاتب والمترجم عماد الدين رائف في فضاء التفاعل الثقافي بين أوراسيا والعالم العربي، إلى جانب عشرات البحوث والمقالات التي نشرها في عدد من المجلات والصحف خلال الأعوام الثماني الماضية.

وقبل هذا الكتاب صدر للمؤلف:

  • حكايات كوندوروشكين – لبنان قبل قرن بريشة روسية (بيروت: دار المؤلف، 2015)، وفيه دراسة وترجمة لإحدى عشرة قصة للكاتب ستيبان كوندوروشكين (1874-1919) الذي عاش بين لبنان وسوريا وفلسطين (1898-1903)، وكتب قصصه في الشرق وارسلها للنشر في سان بطرسبورغ على صفحات مجلة “روسكوية بوغاتستفو”.
  • حديث روسيا – خمس سنوات من التفاعل الثقافي بين روسيا (2016). كتاب يلخص لمسيرة ست سنوات من برنامج “حديث روسيا من أجل الصداقة والسلام” عبر أثير إذاعة “صوت الشعب”.
  • قصص أغاتانغل كريمسكي البيروتية (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2016). دراسة وترجمة مجموعة “قصص بيروتية” للمستشرق الكبير أغاتانغل يفيموفيتش كريمسكي، التي كتبها في بيروت ربيع العام 1897 ونشرها للمرة الأولى على صفحات مجلة “نوفا هرومادا” سنة 1906.
  • على أعتاب ماناس برفقة جنكيز أيتماتوف (2017). بحث في الآثار الإبداعية للكاتب السوفياتي الكبير أيتماتوف وأهميتها للقارئ العربي اليوم.

نقلا عن موقع الموسكوبية: ١٧-١١-٢٠١٨

اترك تعليقا