الرئيسية » أخبار المجموعة » مقتطفات من كتاب (سماء بغداد القرمزية) لفيكتور بوسوفاليوك بترجمة د. فالح الحمراني (3)

مقتطفات من كتاب (سماء بغداد القرمزية) لفيكتور بوسوفاليوك بترجمة د. فالح الحمراني (3)

                    مشاكل السفير الصغيرة والكبيرة    

اعتبر ان استحقاقي الرئيسي طيلة عملي في العراق كان نقل 8 آلاف مواطن سوفياتي ومقيم هناك في تلك الاثناء. لقد سار كل شئ في بلدنا حينها نحو الانهيار الشامل ـ سياسيا وعقائديا واجتماعيا. وبالتالي فان الغالبية المطلقة لم تريد العودة  الى الجوع والشتاء البارد. وادرك الكثيرون ان هذه ربما هي المأمورية الاخيرة لهم في الخارج، الفرصة الاخيرة للحصول على الحد الادني من العوائد المالية، لذلك تطلب مني التحلي بضبط النفس والاصرار والقدرة على الاقناع.  ان صعوبة وخصوصية هذه المهمة كانت في ان إجلاء المواطنين السوفيات من العراق جرى ليس في عام 1973 او 1982 ( جرت في تلك الاعوام اكبر عمليات اجلاء للمواطنيين السوفيات من البلدان العربية)، وانما في عام 1990  مع انطلاقة البيريسترويكا وتفتح الوعي وتعددية الاراء، وظهور جماعات وزعامات غير خاضعة للدولة، وانهيار الشعور الوطني وسقوط دور اللجنة الحزبية  بشكل مطرد. واقولها بصراحة ـ وتصرف سكرتيرها المخزي.

وتجدر الاشارة الى اننا ابقينا عددا كبيرا من الاشخاص في السفارة والمحلقية التجارية. ولم يكن بالميسور معارضة رغبتهم بالبقاء، الذي دعمته موسكو من مختلف المؤسسات ـ  الكي جي بي ( لجنة مخابرات الدولة) ووزارة الدفاع ووزارة التجارة. وعلى الارجح ان وزارة الخارجية ( ممثلة بالكسندر بيسميرتنيخ والكسندر بيلونوغوف ) دعمتني. وبالطبع لم يتصور احد سعة نطاق الحرب المقبلة، على الرغم من ان عديد القوات التحالف المناهض لصدام، التي اعلنت امريكا عنه، ( في البداية 300 ومن ثم 500 ألف ). وعلى العموم جعلت الجميع في نهاية المطاف يؤمنون بحتمية انعطاف الاحداث بشكل ماساوي. ان لجنة العمل الوزارية التي تشكلت في موسكو الخاصة بالعراق، وعلى الرغم من انها ساعدت بشكل رصين، لكن الوزارات الفنية وحتى جهاز المخابرات الكي جي بي المهمينة عليها مع العسكريين، عارضت تدريجيا عملية إجلاء المواطنين التام وحاولت العثور على ادلة ما. واتخذوا من وزارة الخارجية وممثليها (ولاسيما فلاديمير كولوتوشا) في اللجنة موقفا عدائيا، على الرغم من ان الخارجية بالذات هي التي قامت بالاعمال الاكثر وضاعة. وهنا تكمن المفارقة في الوضع،  فقبل احداث اغسطس 1991 لم تترك ما يسمى  “بالمؤسسات” اية فرصة لنقد وتجريح  وزارة الخارجية الاتحادية “الحذرة اكثر من اللازم”. ولكن وزارة الخارجية كانت في اللحظات الحرجة عمليا، وحدها المسؤولة عن تداعيات هذا اوذك من الانشطة، واُتهمت في اوضاع اخرى بعدم التحرك في الشئون الدولية. وهذا ما كان مع سفاراتنا.

ان من يعرف آليات عمل السفارة يفهم عما يدور عليه الكلام. كان لدي الكثير من المستشارين والناصحين، وكل واحدا منهم مُتكبر وساير ميول رؤساءه في موسكو، وسحب الامور لجانبه وتحرك بجلبة والتجأ باستدامة الى افكار ما، اما المسؤولية فيتعين على السفير  تحملها ( وكان هذا واضحا بصورة تامة). لقد كنت في حالة تأهب. كان الكسندر كوزمين الوحيد من موظفي السفارة الذي حذَرَ من الخطر الداهم، فضلا عن السفير وكولوتوشا باعتباره رئيس الدائرة ، وكونه عايش الحرب الاهلية في لبنان شعر بالمسؤولية عن مصائر الناس. واود بشكل عابر الإشارة الى دور المستشار ـ المبعوث كالوجين الذي شاطرني صعوبات الاماسي ومحن الليالي. وكان حضوره هام ايضا من زاوية اتصالاته المثمرة وذات النتائج مع الغربيين، الذين منحوا ” ساشا” الثقة، واطلعه الكثيرون منهم على تقاريرهم وتقيماتهم وشاطروه الانطباعات عن اتصالاتهم.

وعلى الإجمال ساورني على مدى اشهر طويلة الشعور بانني اراهن على  كل شي. واذا ما اثقلني هذا في البداية وضغط علي، وتطلعت في البدء حولي، فان الشعور بالمسؤولية الكبيرة بالذات حررني وجعلني اكثر جرأة من المعتاد. وبمعنى من المعاني كسر الصورة النمطية لسلوك منتسبي وزارة الخارجية الذي عادة ما يفرض الاختفاء وراء صيغ غامضة والإختباء وراء ظهر شخص ما ( وانا بنفسي كنت مصابا بشدة بهذه العقدة). وكان واضحا لي، اما ان اتحمل المسؤولية او اخسر. ومن غير الجائز ان امارس التظليل  وارسل الى موسكو مقترحات وافكار انسيابية غير محددة. ان الحياة نفسها تطرح المسالة على المكشوف: ابيض او اسود وعليك ان تحدد رايك وتتخذ قرارك. وينبغي القول بصراحة ان  من غير الشائع بل والمؤلم للغاية، في حياة الدبلوماسي من نموذج عصر خروشوف ـ بريجنيف، ان يتبنى قرار وهو في موقعه.  ويمكن ان يمضي السفير فترة انتدابه لعدة سنوات، من دون ان يتبنى ولو لمرة واحدة في موقعه قراره الهام، او انه لن يتشاور مع موسكو ـ فهذه كانت دائما مجازفة او خارج الموظة. وتميز بهذا اكثر السفراء في الدول الاوروبية، حيث تقليديا كان هناك حاذقين، من المستحيل التفوق عليهم، حذرين واصحاب صياغات ذات فكرة مزدوجة، ويلعبون على النتيجة. بالطبع ان سياسة وزارة الخارجية هذه والخضوع التام للمركز، علاوة على  ان عيون الكي جي بي المرتابة ابدا شددت القيود المفروضة، وأرهقت الكثيرين. 

لقد جاءت ترقيتي الوظيفية دائما وانا اخدم في البلدان التي تشهد حروب:  الحرب الاهلية في اليمن والحرب مع الكرد في العراق، ومواجهة الاخوان المسلمين في سوريا.   ولكن في ظل تلك الظروف، تريد او لاتريد، غالبا ما يضطر رؤساء السفارات السوفياتية في تلك البلدان تبنى القرارات من موقعهم، والتعبير عن الرأي بوضوح ودقة، اكثر ما يميل له الدبلوماسي بطبيعته، بالمعنى التقليدي لهذه الكلمة. وعلى العموم فانني لا أويد ان يلقي الدبلوماسي على عاتقه تبني القرارات. ورغم ذلك فان العلاقات مع الدول الاخرى ربما هي اكثر المسائل حساسية : يمكنك أن تتخيل ماذا سيكون لو تصرف جميع السفراء وفقا لذوقهم وتقديرهم. فهم لحد كبير ليسوا ابرياء وليسوا من دون عيوب. وفي الوقت نفسه تنشأ لدى السفراء، مع مرور السنين، عقدة الغرور بالنفس، والاسراف بالثقة بصحة قراراتهم والمغالاة بتقديرهم بصوابها. ولكن في الوقت نفسه ينبغي ان يكون عند السفير حدا اقصى معقول من حرية اتخاذ القرار. بيد ان هناك حقيقة موضوعية : ان هذه  “الاستقلالية” في زمن الاتحاد السوفياتي كانت محدودة.

وفي مرحلة حياتي البغدادية، لم أقبل ابدا في تقاريري الصيغ الإنسابية والغامضة. وكان من المهم لموسكو ان تعرف تقيمات السفير الحقيقية، وبأسرع ما يمكن. ومن بعد قالوا لي في وزارة الخارجية،  بانهم لاحظوا الدقة ووضوح الظلالات في التقارير، وكان واضحا ما يرمي له السفير او ما يقترحه. ان زيادة حجم الرسائل العملياتية المتبادلة مع المركز، وخاصة تسريع العمل ( كانت موسكو طيلة الوقت تستحث) ادت بالضرورة الى تركيز العمل في مكاتب المستشارين والمبعوث والسفير. وكان ترفا القيام بهذا العمل تدريجيا وعلى مراحل.

وربما أُجدد القول، باني لحد الآن احمد الرب والقدر على النجاح بإجلاء من العراق حوالي 8 آلاف شخص من بين الطابور السوفياتي وحوالي 800 من الكويت، من دون فقدان اي شخص. على الرغم من اننا سرنا احيانا، بالمعنى الحرفي للكلمة، على حافة الخطر.

وكان الظرف الذي أحاط بالرحلة الاخيرة اكثر درامية من بين العديد من عمليات الإجلاء التي جرت على مدى اشهر. فمهلة الانذار الذي مُنح من قبل الامريكان لصدام حسين انتهت في 15 كانون ثاني/ يناير، ونحن، على صعيد ترحيل مواطنينا، لم نتكيف مع هذا الجدول. لذلك تم طلب تسيير رحلة طائرة من موسكو في 16 كانون ثاني/يناير. وينبغي الإعتراف ان هناك القلة ممن كانوا على ثقة بان امريكا ستباشر القصف فورا بعد انتهاء موعد الانذار. مثلا ساد راي مفاده ان واشنطن عقدت الامال على ان اقتراب نهاية مهلة الانذار، ستضغط بحد ذاتها على صدام وانه سيستسلم آجلا أم عاجلا. وفي كل الاحتمالات لم يكن لدينا خيارا آخرا، فطلبنا رحلة اخرى.  وأَبلغَنا ممثل شركة الايروفلوت في بغداد كيريتشنكو فجأة، ان الجانب العراقي رفض منح الموافقة على تحليق طائرتنا وهبوطها في بغداد. وخلق هذا لنا وضعا رهيبا، ففي هذه الاثناء بقي في بغداد حوالي 130 شخصا، اغلبهن من النساء اللواتي كان علينا بالطبع ترحيلهن للاتحاد السوفياتي.

ولم يتبقَ سوى الحصول على موافقة موسكو لترحيلهم في حافلات نقل ركاب كبيرة الى الأردن في 18 يناير.( وكما ظهر فان هذا كان اختيارا مستحيلا) . و في غضون عدة ساعات افلحت موسكو مع سفارتنا بعَمان بالعمل على التفاصيل، وابلغتني بالموافقة. وبدأنا نُحضر قافلة الحافلات، على الرغم من ان هذا لم يرق لنا. وفجأة غير العراقيون قرارهم ومنحوننا الموافقة على استقبال الطائرة في 16 يناير. واشيرُ الى انه كان يجب ان يسافر في هذه الرحلة الكثير من موظفي السفارة، بما في ذلك عدد من النساء المتبقيات. وبعد ان توادعتُ مع الجميع في المطار، ذهبت الى البيت، وفجأة في الساعة 17.30 اتصلت بي من المطار زوجة الملحق كريفوشييف، وابلغتني ان رجال الجمارك العراقيون اثاروا مشكلة جديدة وتوقف كل شئ، ولا يسمحوا للطائرة بالإقلاع. بالطبع لم اعرف ما سنواجهه في الساعات القليلة القادمة، ولكني رحت باندفاع  اتصل بنائب وزير الخارجية، وبمساعدي طارق عزيز، ومن ثم فلحت بالحديث مع النائب الاول لوزير التصنيع والانتاج العسكري ـ وكان هذا عسكريا نافذا، ووعدني بانه سيقدم المساعدة على الفور. وأخيرا اقلعت الطائرة في حدود الساعة 8.30 مساء، قريبا من التاسعة. وبعد ذلك فقط فكرتُ برعب بانه حينما غادرت طائرتنا المجال الجوي العراقي وعلى متنها اكثر من مئة راكب، اتجهت نحو بغداد في هذا الوقت من كافة الاتجاهات طائرات دول التحالف المناهض لصدام. ولو انها لم تقلع، وظلت في المطار، لقُتل جميع ركابها، لان المطار تعرض لضربة في اول غارة. ولم يهتم الامريكيون ابدا بمثل هذه التفاصيل.

وبعد ان شعرت بشئ من الهدوء، ذهبت الى البيت وقُبيل النوم جلست اقرأ. وفي حوالي الساعة 12 اتصل بي المناوب في السفارة وقال يطلبون مني الإلتحاق فورا بالعمل. ومن دون ان ابدل ملابسي ذهبت بسرعة الى السفارة.( وبقيت على هذه الحالة عدة ايام بملابسي المنزلية التي جئت بها للسفارة، وحتى ان تمكنت من اخذ بعض الملابس من البيت ). اطلعني  ممثل وزارة الدفاع تسوكورعلي برقية استلمها من رئاسته، يظهر منها ان الغارة الاولى على بغداد ستجري في الثانية ليلا. وحضر للسفارة العميل المقيم للكي جي بي. ولم تكن هناك معلومات بصدد الغارة المرتقبة بخطي ولا بالخطوط الاخرى ماعدا العسكري. ولحد الآن استغرب لماذا لم ترسل وزارة الخارجية مثل هذا النبأ، ولو قبل ساعة ونصف. فكما يُستفاد من مذكرات المشاركين في الإجتماع الليلي عند ميخائيل غورباتشوف، انهم عرفوا قبل عدة ساعات عن إنزال الضربة ببغداد. ( وليس من الصدفة اني اتحدث عن هذا. فلم اثق للنهاية بالمعلومات التي استلمتها من الجهاز العسكري، مُرجحا ان موسكو ستبلغني بكل ما لديها من معلومات. ولم اشك في ان الولايات المتحدة الامريكية ستقوم بابلاغنا عن بدء العملية”. اني لا اتهم زملائي في وزارة الخارجية. فالمسألة تقررت من قبل اعلى مستوى، وتجلى هنا تأثير عدم كفاءة الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف ودائرته،إذ لكان بوسعنا جمع الناس وتكيفهم نفسيا، وتحذير الخبراء الباقين في بغداد. وربما لم يثقوا بموسكو بنا وبي شخصيا، واعتقدوا باني سأبلغ الجانب العراقي، لذلك لم يبلغوني. لا أستبعد هذه الفرضية. نظرا لوقوع ما يشبه هذا ـ ففي ذروة الازمة في الخليج عزل شيفاردنادزه رئيس الادارة التي انشغلت بالازمة هذه فلاديمير كولوتوشا، من قراءة البرقيات الاكثر اهمية، مشككا في ” ولاء” مرؤوسه.  

عقدنا اجتماعا قصيرا وتأكدنا ان الجميع في اماكنهم، وقررنا ان لا نُقلق احدا، وان نكون نحن على استعداد. وفي الساعة 2.00 بالضبط بدأ القصف. وتدفقنا كلنا الى الفناء وشاهدت الصورة التي ادهشتني، وياللمفارقة، بجمالها. غطت السماء نيران متعددة الألوان، لقد كانت اقوى العاب نارية اتيح لي رؤيتها. ويفسر سر الاعجاب هذا جزئيا بطرح احد الحاضرين العسكرين فرضية مفادها ان العراقيين قرروا اجراء تدريبات عامة لمعرفة مدى استعداد السكان. ولكن سرعان ما حل محل التأمل الشعور بالارتباك والخوف. بالرغم من ذلك ينبغي الاعتراف ( و من بعد، اكد هذا زملائي كافة ) ان احدا لم يتوقع ان الغارات على العاصمة العراقية ستكون بهذا النطاق والمدى. واخيرا راح الناس يتجهون نحو   “الانبوب” ـ اي الملجأ، الذي قمنا باعداده بأنفسنا، والذي امضينا فيه من بعد ذلك ساعات وايام طويلة.

وجاء كما يبدور دور الحديث عن  الحكاية الغريبة لهذا المبنى. ان فكرة الملجأ لم تكن جديدة في السفارة. وعلاوة ذلك كنت غالبا ما اسأل قدماء السفارة، لماذا لم يبنِ السفراء الذي سبقوني خلال حرب العراق مع ايران التي استمرت 8 سنوات طويلة ملجأ مقبولا ولو صغيرا. ولم يقل احد لي شيئا واضحا. ومنذ اغسطس، أي بداية مغامرة صدام الكويتية، عدت ذهنيا مرات عديدة لهذه الفكرة، وعرضها علي مستشاري كوزمين. وقررت عدم الاستعجال بها، لأنه اذا عرف آلاف الخبراء الذين مازالوا في العراق، عن بناء ملجأ في السفارة فستنهار معنوياتهم ، بعد ان تمكنا من وضعهم تحت سيطرتنا. ولكن في ديسمبر غالبا ما كنت امعن في فكرة الملجأ. واكد لي الكسندر كوزمين، انه يمكن من الناحية الفنية تنفيذ هذا في غضون عدة أيام. وفي منتصف ديسمبر، ولأسباب شخصية سافر مساعدي كوزمين الى الاتحاد السوفياتي وعاد الى بغداد في 9 كانون ثاني / يناير فقط. ( وكان بوسعه ان لا يعود ابدا  لعدم وجود تذاكر للسفر على رحلات الطائرات الفارغة الى بغداد. فكمبيوترات مكاتب بيع التذاكر العائدة للايروفلوت بُرمجت على الرفض التام، مما جعل محاولة العثور على التذكرة مسالة عبثية “.  والتجأ الكسندر ايفانوفتش الى الأسلوب الشرقي المعتاد الذي يعمل بلا عطل” اسلوب الهدايا” كما اُتفق على تسميته، وحصل على تذكرة ووصل بغداد عشية الحرب. وكان هذا ايضا من حسن حظي. فكان من الصعب علي التحرك من دون كوزمين. فالى جانب اتصافه بالتشتت وعدم ضبط النفس، كان شخصا طيبا ومنحني راحة البال والهدوء.

وبحلول ذلك الوقت اضطررت للاستجعال، واتخذت القرار بشان قضية الملجأ. استدعيت سكرتير اللجنة الحزبية وطلبت منه ان يترأس على جناح السرعة اعمال بناء الملجأ. وانطلقت من انه اقرب الى الخبراء الذين مازالوا في العراق في تلك الاثناء، ويتمكن على الاغلب الاتفاق معهم بصدد العمل، والحصول على المواد والتنكلوجيات. واخطأت بذلك. ففي العاشر من يناير اخذت معي كوزمين، وذهبت لإستلام العمل. وظهر  مشهد عبثي امامنا. فقد حُفر خندق من غير اعتناء ولا اكتراث خلف فناء السفارة ب2/3 طول الانسان، لذلك فعلى الشخص ان يقف منحنيا اثناء القصف. ونشأت في قاع هذا الخندق بركة ماء. ( يهطل احيانا المطر في بغداد في كانون الثاني / يناير، وتنخفض درجات الحرارة ليلا الى 2 و3 تحت الصفر) . وقد كنت مستغربا ومبهوتا من الانجاز الجديد لقائدنا الحزبي، الى درجة تمتمت بعبارات بذيئة، ومن ثم كلفت فورا كوزمين ان يأخذ على عاتقه إعادة بناء الملجأ. وغالبا ما استهزء ال 13 شخصا في زمن الحرب بآخرما اجترحه الحزب الشيوعي السوفياتي من منجزات.

ان الكسندر ايفانوفيتش كوزمين شخصية متناقضة جدا، ويخلق لدى الناس مختلف المواقف منه، ولكن لكونه بنى في غضون اربعة ايام ملجأ، ينبغي إقامة تمثال له. تم جلبَ من مكان ما انابيب طولها 6 امتار ( 2.2 متر بالعرض) وحُفر خندق، وهناك وضعت الأنابيب وجرى توصيل بعضهما بالاخر وتغطيتها بالتراب، وجهزوا داخل الانبوب بالمساطب، ووفروا الاتصالات الهاتفية مع مبنى السفارة. وبالطبع فان الملجأ لا ينفع في حال التعرض لضربة مباشرة.  ( وقد سخر الخبراء منا بعد ذلك)، ولكنه حمانا من الشظايا، والمسالة الرئيسية منح الناس الشعور بالأمن، لان مبنى السفارة اهتز وتصدع عند القصف،.وساورني مرات عديدة الشعور بعدم الارتياح، حينما اهتز المبنى من شدة الانفجارات بصورة محسوسة.

وبالمناسبة فان موقع مبنى سفارتنا ببغداد غير موفق من الناحية الجغرافية، فهو قرب مطار المثنى الحكومي، الذي قصفه الامريكيون يوميا، او بالاحرى كل ليلة. وبالذات طارت الى هناك في المرحلة الثانية من الحرب  قنابل كبيرة تزن حوالي ثمانية اطنان، وكان شعور خوف حيواني يساورنا عندما اهتزت الارض، وكنا نجلسن على الارض: انه زلال أرضي صغير ركبنا هلع داخلي منه، لأن الارض تجسد الاستقرار والثبات. وغير بعيد عن السفارة، قريبا جدا حيث كنت اقيم قبل الحرب، كان مبنى دائرة الأمن العامة، التي  “اولاها الامريكان اهتماما خاصا” كل يوم. ولم يتصرف ” عناصر الامن العراقي”  بشكل معقول، فهم على وفق البعض، كانوا يأتون كل صباح الى هذا المبنى، ويسحبوا شيئا ما، وينقلوا موادا وهم في حالة هياج. لذلك فان التجسس والاستطلاع الامريكي الجوي، الذي كان يقوم عدة مرات باليوم بالتقاط صورة لبغداد ويسجل مجددا هذا الموقع، فتقصف المقاتلات في المساء المبنى مجددا . وليس بعيدا عنا كان مركز اتصالات عسكري مهيب. تمت تصفيته بعدة صواريخ موجهة.

يتحدث الكثيرون بعد الحرب عن سقوط الصواريخ الامريكية بدقة. وتعجز الكلمات عن وصف ذلك، لقد سارت الحرب باسلوب جديد، وعلى مستوي ارفع. وبصراحة ان الصواريخ مدهشة. وتسنى عدة مرات رؤيتها بالعين المجردة، نظرا لأن الصواريخ حلقت وهي تقترب من الهدف بسرعة 200ـ 250 كم في الساعة. انها ذكرتني باسماك قرش البحر تمايلت بتوازن في الفضاء، مع انارة انفجارات القذائف من رماية الدفاعات المضادة للاهداف الجوية العراقية المسعورة. ان اكثر المشاعر غير السارة والشريرة التي بقيت معي، نشأت من ان الصواريخ لاحت وكانها كائن حي، انها تحلق وكأنها تتطلع الى الهدف المحدد وتتبعه. ان جوهر المسالة يكمن في جهاز الكمبيوتر المبرمج المتطابق مع الصورـ الواقعية، الذي حُمل في تصميم الصاروخ.  

  وصاحب طائرات التحالف والصواريخ المنطلقة اصوات مميزة . فحين تتطلع من النافذة  وترى الطائرة فبوسعك تسجيل لحظة انفصال الصاروخ عن الطائرة وفحيح صوت تحلقيها اللاحق. ولكن حقائق الواقع لا تسمح للقول بدقة اصابة الصواريخ اهدافها مائة بالمائة. فكانات ضربات بالمباني السكنية، رغم انها غير كثيرة، وبدلا من الجسور جرى ضرب الصواريخ للمباني بساكينها، واسفرت الغارات على الفلوجة مثلا عن سقوط عدد كبير من الضحايا. واشير الى الكثير من الفرضيات بشأن قصف الملجأ في حي العامرية في بغداد، حيث لقي 200 شخصا مصرعهم. ودعاني سفير فلسطين عزام احمد الى هناك، ولكن اعصابي كانت مشدودة لأقصى حد، وخشيت من الإنهيار، فلم اذهب. خليط ممتد من اشلاء ممزقة من الابدان البشرية ، صورة مرعبة. واصابت الصواريخ ساحة السفارتين البلغارية والافغانية. ووقعت الصواريخ من دون ان تنفجر على مبنى أُستخدم قبل الحرب بمثابة فندق مؤقت لخبراء النفط السوفيات. وسمي ” بورفيك”. وبالمناسبة فقد تسنى لي ان اسمع في مكان ما، وكان لدى دول التحالف مدرجا غير مُعلن من زاوية مدى اصابة صواريخ كل دولة للهدف : شغلت الولايات المتحدة فيه المرتبة الاولى ومن ثم انجلترا وكانت الصواريخ الفرنسية تسقط بشكل عشوائي.

ولكن من السهل مناقشة دقة الصواريخ الآن، من على بعد، ومن قبل من لم يجلس في مبنى السفارة في بغداد ـ في شباط /   فبراير عام 1991  ! وفيما تجادل الخبراء حول الاخطاء المؤسفة بل المأساوية في اختيار الصواريخ للهدف، راحوا يقولون ان الصواريخ المبرمجة التي تتجه نحو اهداف اخرى يمكن ان تستجيب لإشارة حرارية او موجة راديو من الارض. ولحد الان لم افهم لماذا لم يخطرنا الخبراء من موسكو عن هذا. ففي نهاية المطاف هذا ليست بمعرفة فنية رفيعة. وتوصلنا تدريجيا الى استنتاج مفاده ان سقوط الصواريخ على السفارة البلغارية كان بسبب الإشارات الحرارية المنطلقة من الارض، حيث اشتغل لديهم جهاز يعمل على الديزل اثناء القصف. وحقا كانت هناك حالات حينما تعين علي منح الموافقة لمواصلة العمل لنقل معلومات عاجلة وملحة لموسكو حتى اثناء القصف الصاروخي.

في ليلة 16 على 17 كانون الثاني/ يناير بقينا في بغداد حوالي 100 شخص، وانطرحت حصرا بشدة قضية ترحيل الناس. وما ان تمكنت من تنفيذ تكليف المركز بصدد نقل رسالة الى القيادة العراقية   (التقيت بطارق عزيز)، ذهبت مع السائق الى الملحقية التجارية، حيث كان يُقيم المواطنون السوفيات، ومررت بالمنازل، حيث بقي بعض الخبراء. واود التوضيح ان الخبراء بقوا على وفق مذكرة خاصة وقعناها مع الجانب العراقي ( مقابل سفر الجميع ـ كان يعني) يبقى في العراق 150 شخصا لغلق وصيانة المنشاءات. وأخذنا من كل شخص من المتبقين تعهدا خطيا بانه يبقى بصورة طوعية.   

واصبح جليا للجميع في صباح السابع عشر بانه ينبغي ترحيل الناس وبأسرع وقت ممكن.  وعلى وجه الخصوص اثارت حالة الخبراء قلقلي.ظهروا مرتبكين للغاية، لاسيما وقد كانت على جدران المباني السكنية والسيارات اثار سقوط الشظايا. وطالب الكثيرون بصوت عالي ترحيلهم على جناح السرعة الى بلدهم. ولم تتشكل في ذلك الصباح خطة عملية لكيفية ترحيل الناس، ولكن كان هناك فهما واضحا، بان هذه هي المهمة رقم واحد. وتم اتخاذ قرار آخر، ترحيل اول وجبة من المشمولين بالعودة للوطن الى قرية خبراء البناء في اليوسيفية ( 48 كم عن بغداد) حيث اقام الخبراء السوفيات. فهناك لا توجد  مواقع عسكرية، ولاح الوضع اكثر هدءوا. وفيما جرت عملية تنظيم وثائق السفر  (وتجدر الاشارة الى ان العراقيين اتخذوا موقفا متعنتا من تنظيم وثائق السفر في كافة المراحل وحتى الى نهاية الحرب) ، واعداد الحافلات وتنسيق الطريق الذي ستسلكه مع موسكو، فقد استطعنا ترحيل هؤلاء الاشخاص الى اليوسفية، ومن هناك، ومن دون المرور ببغداد، سافروا في قافلة طويلة الى إيران. وكما اتضح فيما بعد فان سكرتير اللجنة الحزبية ومجموعة من المتفقين معه انشغلوا عند الوصول لليوسفية، باحتساء الخمر واخذ الحمام، واشتروا المواد الغذائية لنقلها للاتحاد السوفياتي، وبقدر ما ان العراقيين لم يسمحوا عند الحدود، بخروج المواد الغذائية، فقد تم رميها، بدل ان يرسلونها لنا في بغداد. بالطبع لم نفهم مطلقا هذا النمط من السلوك، فضلا عن الذي قام به!

ولكن بعد مغادرة هذه المجموعة الكبيرة لم يبقَ اكثر من 60 شخصا. وفهمنا نحن وموسكوان هذا عدد كبيرا، وأَثرت على الوضع العديد من الإعتبارات مثل تنافس المؤسسات  الناشطة تحت سقف السفارة، حيث ان كل واحدة منها ارادت ان تحتفظ ببغداد بأكبر عدد من  ممثليها. وجوبهت اقتراحات تقليص منتسبي جهاز الكي جي بي والدفاع بمقاومة شرسة. وكان هذا غريبا، لانهم لم يقدروا خطورة التطورات والاحداث المقبلة. ومن جانبي لم اقم بترحيل قسم من منتسبي السفارة الفنيين، لإدراكي انهم سيكونون اكثر فائدة من الدبلوماسيين في المرحلة القادمة. فضلا عن ذلك نفذ وبسرعة لدينا الماء والمواد الغذائية ونفذ على وجه الخصوص البنزين. وحل محل المزاج المهتاج في الساعات والايام الاولى وعدم رغبة  “الرجال” اظهار مشاعرهم الطبيعية امام الاخرين، تدريجيا التعب وعدم فهم معنى استمرار البقاء ببغداد. وأعرب عدد متزايد من المتبقين عن قلقهم ومخاوفهم، وراح الخوف يتسلل من الجميع من دول فروقات وبغض النظر عن أية نجوم يعلقها هذا الشخص على كتفه، او على الاجمال كان يعلق النجوم على كتفه ام لا. ولن أقول أن الجيش أو ممثلي  الكي جي بي كانوا أكثر جرأة وأكثر تماسكا وثباتا من المدنيين. لقد لاح ان كل شئ مُستعص وفردي. وسعى البعض بصراحة بالعودة الى الوطن، وسعوا عمليا لعدم الخروج من الملجأ. وأدهشتني صلابة الروح المعنوية لبعض المدنيين. لا اود ان اجرح مشاعر العسكريين. ببساطة ان المعطف على الكتف ليس مقياسا للشجاعة، فهنا تعمل اختبارات اخرى. وبما ان الظروف وضعتني على رأس هذا التجمع الصغير، كان من السهل علي نسبيا التغلب على المشاعر الشخصية، لأنني ادركت ان الكثير يعتمد على مزاجي وحتى على مظهري الخارجي. ولكني اقول بصراحة انني لم انسب نفسي للناس الشجعان. واتذكر كيف في 17 كانون الثاني/ يناير اول صباح لهذه الحرب القصيرة، دخلتُ الانبوب حيث لبدَ الجميع اثناء القصف الجديد.

واخبرني المناوب الذي داوم في السفارة، ان سيارة عراقية جاءت من اجلي، وان طارق عزيز بانتظاري. استمر الصقف، و بشدة لم اكن ارغب بالذهاب، ولكن تطلعت نحوي 120 عينا  متعطشة. وتعين علي التوجه نحو الباب بهيئة مبتهجة، والتلاطف فِي الكَلاَمِ مع البعض. ومن ثم ادركت ان   “السفيرالمفوض فوق العادة ” تعني بالضبط ما يلي ” ان مسؤوليته اكبر”!.

وعلى هذا الشكل بقينا مجموعة صغيرة، وكان غير واضح، ما اذا كان ينبغي اعداد دفعة اخرى للسفر. وتدريجيا تنامت وجهة نظر اخرى مفادها ان يرحل الجميع فليس ما يمكن عمله هنا، والوضع خطر جدا، والفائدة قليلة. وتجدر الإشارة الى ان اتصالاتنا في هذه الايام مع الجانب العراقي بلغت الحد الادنى. لقد خطفت الحرب كل شئ، ولا شأن للعراقيين بنا، وتشكل وضع جديد تماما لهم. وانا على ثقة بانهم ايضا لم يتوقعوا مثل هذا النطاق للتطورات، وكانوا مصعوقين، بمحصلة غارات الايام الاولى الساحقة، حينما اصبحوا من دون اتصالات، وبالكامل تحت غطاء قوات التحالف، ولم يكن بوسعهم ان “يبرزوا انفوهم”.  وفي ظل هذه الظروف وخاصة تحت ضغوط تكثيف الغارات، نشأ بالطبع الميل نحو الرحيل. وظهر في هذه الاثناء العامل الاسرائيلي في النزاع. ويمكنني التاكيد ان مواطنينيا ادركوا بعد مضي عدة ايام ما ينبغي عليهم العمل كي لا يعرضوا انفسهم للخطر، وتحرروا بعض الشيء من الخوف، وبكلمة واحدة حينما غدت الغارات يومية، فان الخشية من الانتقام الاسرائيلي على الصواريخ التي اطلقت على تل ابيب احتلت المكانة الاولى.

وتزايد الرعب لدينا اكثر من احتمال انتقال هذا الجانب من النزاع الى مستوى ” غريب وغير مأنوس” (لسبب ما تناقلت وسائل الاعلام العالمية توقعا بان اسرائيل سترد بطريقة غير تقليدية، وانما بصورة غريبة وغير مأنوسة)، وفهمنا من هذا التعبير” اللطيف ” بان بوسع اسرائيل الرد بقصف نووي قوي، ولاسيما لو ان صدام يستعمل الاسلحة الكيماوية. وتوقعنا قيام العراق بهذه الخطوة، لورود معطيات عن ان الرئيس وباعتباره القائد العام للقوات المسلحة، منح صلاحيات لقيادات الفرق استعمال الاسلحة الكيماوية على وفق تقديراتها، في حال نشوب وضع حرج. ولم اعرف لحد الان الاسباب التي دفعت القيادات العسكرية العراقية الامتناع عن تنفيذ تلك الخطط. اعتقد بتحرك عامل الخوف من ان الاسلحة ستعود ضد العراقيين في ظل ظروف التنقلات السريعة للقوات العراقية. واعتقد ان التحذير الامريكي من انه سيتم ملاحقة كل من سيسمح باستعمال الاسلحة الكيماوية باعتبارهم مجرمي حرب ويسلمون للمحكمة الدولية، عمل عمله في الوقت المناسب.

وحينها لم نتصور ان الكيماوي لن يستعمل، بينما أججت المعطيات التي استلمناها المخاوف. وبكلمة واحدة جائني في المساء عميل الكي جي بي والمستشار ـ الموفد. وتحدثنا طويلا  في ضوء الشموع. واعلنوا بقوة عن ضرورة طرح قضية رحيل الجميع فورا. وحاولت العثور على براهين لصالح ان ابقاء البعض منا ـ ليس بدافع الشجاعة، وانما للبحث عن رؤية موضوعية للقضية، فالى جانب ذلك كانت لدي ثقة خفية بان حكومتنا تحتاجنا هنا. ولم يكن اي برهان قوي لدى محدثيي ـ ورددوا فقط : حياة الناس، ولكني اعرف بنفسي المعيار الثقيل لهذه الحجة. تجادلنا طويلا وبحثنا عن المدخل اللازم لكتابة برقية مشتركة. واخيرا إستسلمت، بيد أني وضعت شرطا بان اضع في نهاية البرقية اضافة باسم السفير : اقتراح بإبقائي مع ادنى عدد من الموظفين، مع السماح بالذهاب الى خانقين، المدينة التي تبعد 150 متر عن بغداد الى جهة الحدود العراقية ـ الايرانية، والسفر المستمر لبغداد. وافق زملائي، وافترقنا ونحن على ثقة تامة بان علينا غدا الاستعداد للرحيل. وتجدر الاشارة الى ان عشية ذلك وردت برقية من الكسندر بيلونوغوف، تتضمن طلبا بعرض كافة الخيارات المحتملة، من دون استثناء اجلاء السفارة.

وكما اخبروني بعد ذلك، فان وزارة الخارجية والكي جي بي كانوا على العموم الى جانب ترحيل السفارة باسرها، خوفا على الناس. وفي هذه الاثناء تدخل وزير الدفاع يازوف، الذي راح بحماسة يبرهن لميخائيل غورباتشوف على أهمية ان يكون لدينا اشخاص في بغداد. وأمر غورباتشوف ” بدراسة” هذا الخيار لإبقاء البعض منا. ولم يعترض عليه احد، لذلك استلمنا في اليوم التالي أمرا بتحضير غالبية الاشخاص للرحيل وابقاء 11 شخصا فقط: اثنين من وزارة الخارجية واثنين من الكي جي بي واربعة من وزارة الدفاع اضافة الى ثلاثة من عمال الاتصالات ( واحد من كل جهة).

واود الاشارة الى ان من الجلي ان هذه العملية الحسابية الواضحة حددت مدى المسؤولية التي وقعت على عاتقنا كمؤسسة. وبحق كما في سفينة نوح  ” من كل زوجين اثنين”  وفيما قرر رؤساؤنا في موسكو مسالة قوام المجموعة، فانهم حكمواعلينا مقدما بالفشل، لانهم لم يمعنوا التفكير بانهم يبقون في بغداد الموظفين وحسب. فتبقى الحاجة لشخص لصيانة المبنى ولو بصورة اولية وتعبئة المولد الكهربائي بالوقود وتشغيله وتصليحه، ورعاية السيارات وحسم مئات القضايا الملحة المتعلقة بتجهيز السفارة المعقد والضخم.

وتعين علينا ان نطلب بقاء العامل المؤهل ايجور فيلين. وادركنا بعد ذلك في حال ان يقوم عمال التشفيربالمناوبة في مكاتبهم التي تعتبر بمثابة  “مكان مقدس” للسفارة، فاننا لن نواصل العمل طويلا لأن الاتصالات لن تكون منتظمة، نظرا لانهم كانوا يعملون على مدار الساعة تقريبا وانهاروا من شدة الارهاق. وطلبتُ ابقاء جيني بيستروف كمناوب. وتحدثت مع الجهتين بنفسي، وتفهما الوضع وافقا على الرغم من انه لوكان اخرون في مكانهم لما اعطوا موافقتهم على ذلك. وبالمناسبة فحينما بقينا 13 شخصا، ادركنا بان هذين الشابين الروسيين، كانا تقريبا اعضاء رئيسيين في طاقمنا. وعلى كل حال فان بقائنا على قيد الحياة اعتمد عليهما. واظهر فيلين انه مَعَلِم ماهر بما في ذلك بالحصول على الماء ولو بكميات قليلة، حينما لم يكن عملياماء في المدينة، وتصليح الماكنة، واعداد الطعام. ومن ثم قلت على سبيل المزاح انه يشبه “فلاح الكاتب شيدرين الذي اطعم جنرالين.”

 وجرى تحديد المتبقين بسرعة فائقة. من وزارة الخارجية بقى معي الكسندر كوزمين، الذي وافق على البقاء معي من دون مقدمات ولا تفكير. وبقى من بين عاملي الاتصال الاكثر شبابا مارات سيرجيفيتش كولومين، الذي اعتبره بطل حقيقيا في هذه الملحمة. نظرا لان كافة الاتصالات تقريبا جرت ليلا ونهارا من خلال وزارة الخارجية، ووقع عليه حجم كبير من العمل، بغض النظر عن وقت اليوم  ـ نهار وليلا. انه شاب متفان وناكر للذات وموظف ذو كفاءة مهنية. ولكن للاسف حينما حان وقت استلام الاوسمة منحوا مارات ميدالية وزارة الاحوال الطارئة وحسب، رغم ان زملاءه من اجهزة القوة  استلموا وسام النجمة الحمراء. واستلم المستشارون من اجهزة القوة ايضا اوسمة ارفع من وسام الكسندر كوزمين، الذي كان قسطه في عمل السفارة ليس بأقل منهم، وكم من مرة جازف بحياته بكل معنى الكلمة ! يبدو ان اشخاصا كانوا في قسم الاوسمة بالكرملين، يعرفون ويفهمون اكثر منا، نحن البسطاء من سواد الشعب!.

الحرب هي تلك البوتقة التي جعلتنا نتقارب، وتصرف الجميع بشجاعة وبسالة، وساعدوا بعضهم البعض البعض الآخر. باستثاء شخص واحد، لن اذكر كنيته ـ تحرك بمفرده، واهدر البنزين والمواد الغذائية، دون ان يعود بفائدة. حتى ان يفغيني بريماكوف اقترح علي في زيارته الثالثة ان ياخذه معه،  ولكني لم ارد ان افسد عليه حياته المهنية. لم اقرأ ما كتبه زملائي العسكريون، مثلما انهم لم يقرؤا تقاريري، بيد انني شعرت ان صيغة 2ـ 2 ـ 4 لم تبرر نفسها. ويبدو ان موسكو اعتقدت ان الاتصالات الرئيسية الصعبة ستقع على كاهل الملحق العسكري. ولم يحصل بهذه الصورة، فقد وقع كل شئ على كاهلي، بالرغم من ان علي ان اقول اكثر كلمات المدح والثناء بحق  الملحق العسكري فيكتور باتساليوك. ووقع في نهاية الحرب حادث حينما جرى تنسيق تفاصيل لقاء ممثلي الجانب العراقي والعسكريين الامريكيين، اقترح العراقيون التوصل الى نهاية الاتفاق من خلال الملحقية العسكرية، وقد دعمتُ ذلك.  بيد ان موسكو لم ترد على هذا المقترح ولا على وجهة نظري، وواصلت ارسال لي بالذات تكليفات، مقررة عدم انتهاك القواعد المتبعة.

اترك تعليقا