الرئيسية » جماليات » مــصــر .. ريحانــة الكرة الأرضية

مــصــر .. ريحانــة الكرة الأرضية

أحـمـد الـخـميـسـي
عام 1850 وقف الشيخ المعمم عياد الطنطاوي أمام عرش القيصر الروسي نيكولاي الأول ليستلم من القيصر خاتما ثمينا مرصعا بالألماس ووسام القديسة        “آنا”، تقديرا لجهود الشيخ المصري في تعليم طلاب جامعة بطرسبورج! عندما توفي الطنطاوي عام 1861 دفن في مقبرة المسلمين ” فولكوفو” وكتب على شاهد قبره:” هذا مرقد الشيخ العالم محمد عياد الطنطاي. مدرس اللغة العربية في المدرسة الكبيرة في العاصمة الروسية بطرسبورج”. هكذا تذهب مصر إلي آخر الدنيا لتطبع على جبين العالم قبلة العلم والمحبة، فإذا تعبت مصر من الطواف والترحال ونثر الزهور على العالم جاء العالم إليها، وتغنى بها، وتغزل في سحرها. لذلك كتب أكبر الشعراء الروس” الكسندر بوشكين” مؤسس الأدب الروسي الحديث” ليالي مصرية ” عام 1824 مستوحيا إياها من أسطورة كليوباترا وعشاقها، ثم قصيدته الطويلة ” قبس من وحي القرآن”. وتناول الشاعر الروسي العظيم الكسندر بلوك حياة مصر القديمة في مسرحيته “رمسيس. مشاهد من حياة مصر القديمة” التي صدرت عام 1919. خلال ذلك يتبادل الروائي الأعظم ليف تولستوي مؤلف الحرب والسلام الرسائل مع الإمام محمد عبده بالفرنسية. ومنذ نحو أربعة أعوام نشرت في موسكو الترجمة الروسية لكتاب” تخليص الإبريز في تلخيص باريز” لرفاعة رافع الطهطاوي، غير ما نشر من أعمال وروايات نجيب محفوظ وبهاء طاهر وطه حسين وغيرهم.
في روح مصر شيء عجيب، سحر خاص، جميل وغامض وعذب، يجتذب العالم إليها، سحر المحبة التي تتدفق من قلبها نحو العالم وإليه، وتدفعها إلي شواطئه وجزره البعيدة. وفي عيني مصر السمراوين ، الساحرتين، سترى النظرة المولعة  بالفن، والاحتفاء بالحياة ومباهجها وأعيادها. منذ أكثر من سبعة قرون زار الرحالة الأشهر ابن بطوطة مصر، وكتب عنها في كتابه:” تُحفة النُّظار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” يقول:” وأهلُ مصر ذوو طربٍ وسرورٍ ولَهْوٍ ، شاهدتُ بها مرة فُرجةً بسبب بُرءِ الملك الناصر من كسرٍ أصاب يده، فزيَّن كلُّ أهلِ السوق سوقَهم وعلَّقوا بحوانيتهم الحلل والحُلىّ وثياب الحرير وبقوا على ذلك أياماً”. ويقصد ابن فطوطة بالفرجة العروض المسرحية البسيطة التي شاهدها، يقصد بذلك عشق مصر العريق للفن الذي جرى في عروقها من عهود الفراعنة إلي يومنا، لهذا لا أندهش حين أعلم أن النشيد القومي الجزائري من تلحين محمد فوزي، وأن ليبيا حين ثارت على حكم السنوسي اعتمدت نشيد ” الله أكبر” المصري نشيدا لها، وأن كلمات النشيد الوطني التونسي كتبها مصطفى صادق الرفاعي! أما أول فرقة مسرحية في تونس فقد أنشأها زكي طليمات! تذهب مصر إلي تونس، أو تأتي تونس إليها لتلوذ برحابة صدرها. وهل يمكن في بلد آخر غير مصر أن يصبح الخضر حسين القادم من تونس إماما للأزهر الشريف؟! في مصر يجد الحبيب بورقيبة معقلا يحتمي به ويواصل منه النضال بعد أن ضيق عليه الاستعمار الخناق في بلده. البعض يعيش في القاهرة، والبعض يعيش فيها حتى مماته لكي يدفن في أرضها مثل ابن خلدون. إنهم يعشقون مصر، ويأتون إليها من أركان الأرض الأربعة لأن أهلها ” ذوو طرب وسرور”. وقد جلب الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف على نفسه غضب العراقيين حين كتب عام 2014 قصيدته ” مصر العروبة.. عراق العجم”! وبلغ الغضب عليه حد الدعوة لاحراق كتبه ودواوينه لأنه كتب يقول: ” كلما دخلت مصر أحسست بالعروبة دافقة .. هكذا أنت في مصر.. والأمر مختلف في أراض أخرى.. إذن سأسكن في مصر العربية”! ما الذي يجعل الأمر في مصر مختلفا عن أية أراض أخرى؟ أظن أنه عشق الشعب المصري للحياة والفن والنماء والتطور، هذا العشق الذي يجتذب الآخرين كالمغماطيس فيقبلون جماعات لأنهم يعلمون أن قلب مصر مفتوح لهم قبل ذراعيها. استقر نجيب الريحاني في مصر وأبدع فيها، وكان والده عراقيا يعمل بتجارة الخيل، ولمع فيها إبراهيم خان الممثل السوداني، والمايسترو سليم سحاب اللبناني، وماري منيب الشامية الأصل، وأنور وجدي بجذوره الأرمينية، واستيفان روستي المجري، والمخرج محمد خان بأصوله الباكستانية، وفايزة أحمد السورية، وصباح، وأسمهان، وفريد الأطرش، وغيرهم كثير، كانوا جميعا يعلمون أن الأمر في مصر ” مختلف عن أراض أخرى” كما قال سعدي يوسف! ومن الشام شد رحاله إلي مصر سليم وبشارة تكلا وأسسا جريدة الأهرام عام 1876، وفي مصر أصدر يعقوب صروف مجلة المقتطف عام 1855، وأصدر فارس نمر ” المقطم” عام 1889، وأسس سليم النقاش ” المحروسة” ، وأنشأ محمد رشيد رضا ” المنار” في 1897. وأحدث البعض منهم ثورة شعرية مثل خليل مطران شاعر القطرين، وقام سليمان البستاني بثورة فكرية عبر ترجماته لعيون الأدب الكلاسيكي العالمي، وأسس جورجي زيدان الرواية التاريخية، وأنشأ مجلة الهلال عام 1892، ومن العراق جاء إلي مصر الموسيقي العراقي الكبير الملا عثمان الموصلي، واستقر فيها، والشاعر المعروف عبد المحسن الكاظمي الذي كتب يقول:
” أأترك مصراً أم أقيم بجوها؟      وما جوهــــا إلا جوىً يتدفّعُ!
 نعم، أهل مصرٍ أنتمو خير أمةٍ     وما الخير إلا منكمو يتفرع”!
وذهبت مصر إلي العراق فاشتهر هناك العديد من الأساتذة المصريين مثل د. عبد الرازق السنهوي الذي ساهم في وضع القانون المدني العراقي، ود. زكي مبارك الذي كتب الكثير عن ” ليلى العراقية”، وآخرين. والواضح أن لمصر سرها وسحرها الخاص بها وحدها، فقد وهب الله مصر ” قبولا ” لدي العالم يجعلها تسكن  قلوب الكرة الأرضية، وتمكث هناك بالآمال المفرحة، تتارجح فواحة مثل عود ريحان أخضر، لا يذبل أبدا.

اترك تعليقا