أكسيل هونيث

لا يطمئن الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث (مواليد 1949)، الذي يواصل التفكير ضمن أفق مدرسة فرانكفورت الفلسفية، إلى مجلوبات الحداثة وما بعد الحداثة، سواء ما ظهر منها في مجال التكنولوجيا أو في مجال القوانين والحريات الشخصية، لأنه يرى أن كل ذلك يظل منقوصًا ما لم يقترن بمسألة الاعتراف بالفرد.
وفي رأيه أن ما يظهر من أعطابٍ نفسية واجتماعية وسياسية في المجتمع الغربي، لا يعود إلى قلة تدبير الشأن العام أو إلى انتهاك لمبادئ حقوق الإنسان، وإنما هو راجع في الأساس إلى فقدان ثقافة «التثمين»، التي يرى أنه من الضروري أنْ تَشِيعَ بين الناس، بل هو يرد كل مظاهر الاحتجاجات النسوية والعُمالية والطلابية إلى ذاك الازدراء الذي تستشعره الذات ضمن وجودِها في مجموعتها الاجتماعية، وإلى عدم الاعتراف بها في تفاصيلها الشخصية. وفي ما يلي قراءة في أهم ما جاء من أفكار في كتابي أكسيل هونيث وهما «النضال من أجل الاعتراف» (منشورات سورف، 2000) و«مؤسسة الاحتقار» (لاديكوفيرت 2006).
يذكر الباحث البلجيكي لويس كاري، وهو أحدُ قراء أكسيل هونيث، أن أفكار هذا الفيلسوف نجحت، طيلة السنوات العشرين الماضية، في أن تكون المرجعَ الرئيسَ في مجالات الفلسفة الأخلاقية والاجتماعية والسياسية. ولئن كنا في كثير من الأحيان لا نفكر في مسألة الاعتراف، فإنها تمثل بالنسبة إلى هونيث مبحثا مهما في مشروعه الفكري، الذي ظل يُطوره ويُعمقه عبر حوار فكري مع معاصريه من الفلاسفة أمثال راولز، وتايلور، وفريزر، وكذلك مع أجداده الفلاسفة أمثال هيغل وماركس وجل مفكري مدرسة فرانكفورت. ويبدو أن مشروع أكسيل هونيث الفلسفي، على حد رأي لويس كاري، يتجاوز مسألة حاجة الذات إلى «الاعتراف» صوبَ الانصباب على فكرة تحقيق «الحياة الأخلاقية الديمقراطية»، التي تحتاجها مجتمعاتنا اليوم.
يتكئ هونيث، لإظهار وجاهة مشروعه وملاءمته لمعيش الناس، على خلاصات هيغل في فلسفة القانون. ذلك أن حاجة الفرد إلى «الاعتراف» حق مشروع بوصفها تُساهم في الحفاظ على «الحرية الاجتماعية» لجميع الأطراف المعنية أو تكثيفها أو توسيعها، كما أن العلاقات المتبادلة بين الأشخاص لا تتم في الواقع إلا بين مؤسسات «الحياة الأخلاقية» الحديثة. ولعل التحدي الذي يواجه تفكير هونيث النقدي هو دراسة ما إذا كانت مؤسسات الاعتراف – تلك التي نعيشها في الأسرة، ومواقع العمل، وضمن سيادة القانون، وفي الفضاء العام- تستحق اليوم حقا صفة الديمقراطية.
لم ينِ هونيث يُشددُ، منذ أن نشر بالألمانية كتابه «النضال من أجل الاعتراف» عام 1992، على حقيقة أن معظم النزاعات في المجتمعات المعاصرة إنما سببها جميعا هو انعدام ثقافة الاعتراف بين الأفراد، أو بين الفئات الاجتماعية، أو بين الشعوب ذاتها. فالتشخيص الأنثروبولوجي للعلاقات بين الأفراد يؤكد على أن كل إنسان لا يحقق اعترافًا ذاتيًا بنفسه إلا بفضل الاحترام الذي يُبْديه له الآخرون. وعلى النقيض من ذلك، فإن هُوِيتنا الأخلاقية قد تتدهور وَفْقاً لتجارب الاحتقار والحرمان التي نعيشها يوميا. ذلك أن الصورة التي نرسمها عن أنفسنا تعتمد كثيرًا على الصورة التي يرسمها عنا الآخرون، أو نأمل أنْ يرسمها عنا هؤلاء الآخرون.
ولا يَخْفَى هنا تأثرُ أكسيل هونيث بأفكار هيغل في هذا الغرض، ذلك أن هيغل طور، في فصلٍ شهير من كتابه «فينومولوجيا الروح» (1807) كان قد خصصه لدراسة «جدلية السيد والعبد»، فكرةَ أن «الوعي الذاتي يعتمد دومًا على وعيٍ ذاتي آخرَ»، وهو ما يعني بالنسبة إلى هونيث، أن الاعتراف الحقيقي هو ذاك الذي يتم فيه تبني ثقافة الاحترام المتبادل بين الناس كأساسٍ يُشَيدُ عليه كل فردٍ منهم صرحَ كرامته الشخصية.
والذي عليه رأي أكسيل هونيث، في تفسير الصراعات الاجتماعية والسياسية والعقدية التي تعم مناطق من العالَم عديدة، هو أن الفرد لما خابَ أمله في الاعتراف به، وتم تجاهله في ذاته وفي حاجاته، فإنه لم يبق له إلا أن يُعلن الحرب على الآخر/الآخرين، في محاولة منه لاستعادة هُويته المعنوية الجريحة، ومن ثم فإن ما يشهده العالَم من تناقضات واحتراب، إنما سببه الرئيس هو حرمان الناس من الاعتراف بهم، ومحاولاتهم هم أنفسهم علاجَ «جراحهم الأخلاقية» التي يعانونها داخل مجتمعاتهم. ويرجع هونيث خيبةَ أمل الفرد في الآخرين وفي المؤسسات الحكومية وفي الأيديولوجيات ذاتها (على غرار الماركسية) إلى فشل هؤلاء جميعا في تحقيق ما وعدوه به من جنة ممكنةٍ على الأرض، وهو أمر جعل تحقيق الذات وضمان الاعتراف بها أمرًا مستحيلا في فضاء تحكمه العولمة والرأسمالية المتوحشة وثقافة التسليع وتدمير العلاقات الشخصية. وهنا يؤكد أكسيل هونيث على أن الحل الممكن لإخراج الفرد من حالة الازدراء والاحتقار التي تردى فيها، إنما هو في طرح مقاربة إتيقية تحقق «التقدم الأخلاقي» تقوم على ثلاثة مبادئ هي الاعتراف العاطفي الذي يحقق «الثقة بالذات»، والاعتراف القانوني الذي يضمن «احترام الذات»، والاعتراف الاجتماعي والمهني الذي يحقق «تقدير الذات».

عبد الدائم السلامي

القدس العربي: ٢٤-٨-٢٠١٨