الرئيسية » جماليات » ما هي الموضوعات الجديدة التي أفرزتها التحولات الشعرية في تجربة بدر شاكر السياب، جوزيف حرب و أنسي الحاج؟

ما هي الموضوعات الجديدة التي أفرزتها التحولات الشعرية في تجربة بدر شاكر السياب، جوزيف حرب و أنسي الحاج؟

قد يكونُ الشعرُ المدخلَ الأكثر حضوراً الذي يؤسسُ عليه المبدعُ رؤيتَهُ الفنية بطابعها الإنسانيّ. فمن الشّعر تنبثقُ الرؤيةُ وتتنامى لتكونَ مشهداً حياً في كثير من الأحيان، يأخذُ أبعاداً موضوعيةَ تخييليةَ رمزيةً، حين يعمدُ الشاعرُ إلى دمجه بعالم إنسانيٍّ ذي إشعاعاتٍ وجودية، ليُنتجَ لنا تحوّلاتٍ جديدةً في التجربة الشعرية الحديثة تتمثّلُ فيها الصّلةُ الجمعيةُ بين الذاتِ والمجتمعِ.

من هُنا، فإنّ مفهومَ الشعرِ لا يكادُ يتجزأُ في دلالتهِ من خلالِ ارتباطِه بالعنصر الإنسانيِّ المجتمعيِّ، فكلاهُما وحدةٌ، تستمدُّ ديمومَتها من خلال تلك العلاقةِ النفسيةِ القائمة والتي تؤدي بالضرورة الى خلقِ نوعٍ من الديمومة والحياة لكلا الجانبين بعيداً من التأثّرِ والتأثيرِ الناتجين عن هذه العلاقة.

لذلك شكّلًت التحولاتُ الجديدةُ في التجربة الشعرية الحديثة في شعر بدر شاكر السيّاب، جوزف حرب وأنسي الحاج موضوعاً جديراً بالدراسة نظراً إلى ما أصاب تلك التجربةَ من تحوّلاتٍ على صعيدي الشكل والمضمون معاً.

فكانت النتيجةُ المتوخاةُ ، إدراكَ التّحولاتِ في المضمون الإبداعي اللّغوي والأسلوبي والرؤيوي.

بناءً على هذه الرؤية، عمدتُ إلى دراسة عيّناتٍ شعريةٍ لهؤلاء الشعراء، شكّلت أنموذجاً لتلك النزعة التغييرية الرافضة للنمطية السّائدة.

وقد تجلّت هذه التّحولاتُ من خلال الثورةِ التي أطلقها بدر شاكر السيّاب في شعره برفضِ الموضوعات القديمة والدعوة الى الغوص في تصوير عذاب الانسان بغية العيش بحياة كريمة في وطنه وأرضه.

أمّا عند الشاعر جوزف حرب فقد تجلّت تحوّلاتُه الجديدة في الثّورة على الدّين والسّلطةِ والمفاهيمِ الفلسفية الوجودية المتعلّقة بمصير الإنسانِ، ليتماهى في ثورته مع الشاعر أنسي الحاج الذي رفض القيودَ المجتمعية وجعل قصيدةَ النثر قضيتَه الخاصّة التي اقترنت بالحريةِ ، حريةِ الانطلاق بالشّعر العربي إلى فضاءاتٍ دلاليةٍ ولغويةٍ جديدة.

تأسيساً على ما تقدّمَ، ارتكزت هذه الدّراسةُ على إشكالياتٍ متعدّدةٍ، ولعلّ أبرزَها: ما الموضوعات الجديدة التي أفرزتها التّحولات الشعرية في تجربة شعراء الدراسة؟ وما الدلالات اللغوية والتّصويرية التي أنتجها النّص الإبداعي عند الشّعراء؟

إنّ محاولةَ إثبات هذه الإشكاليات فرضت عليّ اعتمادَ المنهجين النقديين (الموضوعاتي والإجتماعي) رغبةً منّي في إبراز البِنيّةِ الدّلاليةِ الكبرى في النّصوصِ الشّعريةِ عبرَ تقصّي الحقولِ المعجميةِ بالإضافة إلى توضيح علاقةِ النّص بالدّين والسّياسة والمجتمع وانطلاقاً من المنهجين المذكورين عقّبتُ على نقطتين اثنتين الأولى تستندُ الى القراءةِ المكانيةِ لروافدهم الثقافية بوجوهِها الجغرافية والنفسية، والثانية تستندُ الى القراءة الزمنية وفيها قراءة الحقولِ الثقافية والأدبية وتوجّهاتُ الخطابِ الشّعري من حيث إبرازُ نقاطِ الائتلاف والاختلاف ما بين الشّعراء الثلاثة.

ولكي يستقيمَ العملُ وفقا للخطّة المدروسة، فإنّ الأمانةَ العلميةَ والجهدَ المبذولَ يقتضيان توزيعَه على ثلاثة أبواب: عالجتُ في الأوّل مفهومَ الثورة في القصيدة العربية تحت عنوان الثورة “معان ودلالات” وخصّصتُ الثاني لدراسة الموضوعاتِ التي تناولتها هذه التّجربةُ، ودرستُ في الباب الثالث الإطارَ الفنيَّ للقصيدة من خلال قاموس لغوي معجمي، وأساليب شعرية، وبنائية تصويرية وصولاً إلى البنية الإيقاعية.

وقد توصلتّ في نهاية الدراسةِ إلى خاتمةٍ عامّة، أوردتُ فيها العديدَ من النتائج ومنها: إنّ الثورةَ قد اتّخذت أبعاداً سلوكيةً نمطيةً في وتيرة التّحولات الشعرية مستندةً الى عاملين: الأوّل التجربةُ الشعريةُ الذاتيةُ التي اتّسم بها كل من الشاعر بدر شاكر السياب فجاءت رؤيتُه متطابقةً مع جوهرِ النصِ الشعري، فيما اتّسمت تجربةُ جوزف حرب باعتناقها الوجودَ الانساني بمختلف هواجسِه الفلسفية وفي ذلك استعادَ هويّةَ الانسانِ بتحويل تطلعاتِه من عالمٍ خياليٍ نظري الى عالمٍ وجوديٍ تطبيقي، فيما أنسي الحاج هدّم الموروثَ رافضا الاستسلام والكبت بغية تغيير اللغة المحنطة فتحوّل الشّاعرُ الى إلهٍ والشعرُ الى لعنةِ قوامُها التدميرُ للوصول الى الابداعِ.

لكنّ هذه التجربةُ لم تتبلور قيمتُها لو لم تقترن بالمناخ الذي أفرزتهُ هذه الرؤى ومنها المناخ التاريخي والسّياسي والاجتماعي والوطني التي عولجت على ضوئهِ الموضوعاتُ بمختلفِ تحولاتها.

واللافتُ في الدراسة أنّ الشعراءَ الثلاثة استطاعوا الائتلافَ في سياقٍ واحدٍ، على الرغم من الاختلاف المبنيّ على تفرّدِ الهويّةِ الإبداعية لكلِ منهُم ما كشف عن ذلك وجود العديدِ من الرؤى المشتركة لاستعادة بعضِ المفاهيم كالحريةِ والوطنِ والانسانِ، والترقب اليقظ للمصير والقدر.

برزت هذه التحوّلاتُ ليس فقط في السّياق الموضوعي للنّص، بل في الأسلوبية اللّغوية والإيقاع النّصي، وقد ترجمَ هؤلاءِ الشّعراءُ قدرتَهم الإبداعيّة في إختراق السّائد من خلال الصورة الفنية للقصيدة. ففي دراسة القاموس اللغوي، نستنتج أنّ السيّابَ يرسمُ من خلال الكمٍ الهائلٍ من الالفاظ إشاراتٍ رمزيةً ودلالاتٍ مبهمةً حدودَ الواقع عن طريقِ الادراكِ الذاتيّ والفهمِ المطلق لواقعِ الأمة؛ بينما

استعارَ جوزف حرب مختلف مفرداتِ الارض وأدواتِ الفلاحين في مشهد الأرض من “مملكة الخبز والورد” لإنشاء التطابق الاستعاريّ الحداثي بين الشعر والأرض بجميع الرموز والمعاني. ما أعطى خطوةً جديدةً في القاموس اللغوي فجرّدَ الألفاظ َ والتعابيرَمن دلالاتها الواقعية ليشحنَها بدلالاتٍ نفسيّةٍ وجدانية.

أمّا أنسي الحاج، فقد أعملَ الفكرَ في مفرداته صناعةً متينةً في قالب من الوعي والرفض في آن. حين باتت ألفاظُه بسيطةً على تعقيد ورمزيةً في الصور والتعابير.

ونستخلصُ من هذه الدراسة أنّ الصورة الشعرية تساهمُ في إستنباط تجربةٍ جديدة للّغة. بالإضافة الى البِنية الإيقاعيّة التي ابتكرها الشعراءُ.

ونتجَ عن ذلك استنباطُ بنيةٍ إيقاعيّةٍ للقصيدة العربية الحديثة مستجيبةً لمستلزمات الحرية، فأجمع الثلاثة على اختيار التفعيلة المفردة أو اللاتفعيلة أساسًا للبِنية الموسيقيّة الجديدة انطلاقاً من الوزن والقافية. وتلك سماتٌ ربّما عجزت الأوزانُ التقليديّةُ على تحقيقها.

من هنا تبيّن إتقانُهم لعبةَ الموسيقى من خلال الهندسات الإيقاعية المتفردة بالتوازي والتوازن والتكرار ما خلق، نسقًا حديثًا من التحوّل على مستوى النص

الشعري ومقوماته و أدواته.

هند صعب
النهار -٢٠١٨

اترك تعليقا