الرئيسية » حضاريات » ما الفراغ العجيب؟!

ما الفراغ العجيب؟!

محمود حيدر
1- .. انه حركة ناشطة في معركة المعنى. والخائضُ في لجَّته محمولٌ على الظن، أن السؤال المُستَنْبَتَ من حجّة العقلِ كفيلٌ بجعلنا ننحني لظهور الحقيقة. لكنْ الظانُّ إياه، كثيراً ما يغفل عن أمرٍ يؤيِّده العقلُ، وهو أن السؤال الذي اُتُخِذَ سلاحَاً أوحَدَ لنيل الحقيقة المدعاة، سوف يمسي مع الزمن داءً لا شفاء منه. كلما انتهى من سؤال ابتدأ آخر. وهكذا تدور الدوائر وتتوالد الأسئلة الى غير نهاية. حتى ليصير الخائضُ في اللجّة كالظمآن المضطرِّ لماء البحر، كلما شرب ازداد عطشاً.
2- لا يولد “الفراغ العجيب” إلا كحاصلٍ مريرٍ لسؤالٍ ثقيلٍ مضى في الصعود حتى بلغ الذروة…
3- في “الفراغ العجيب” هلعٌ وتهيُّب ومتعة. من هنا كانت عجائبيته وفتنته.. لا استشعار فيه للمكان ولا للزمان، حتى ليخال الذي هو ساكن فيه، كأنه في تيهٍ لا مُمْسِكَ له. أو لكأنه شيء محاطٌ باللاَّشيء. قد ينسى الساكن في الفراغ العجيب كل شيء إلا نفسه، فإنها تبقى عنده محفوظة من التبدد. ذاك بأنه بها يبقى يقظاً يكابد محنة السؤال.
4- الممتحَن في مختبر “الفراغ العجيب” غريبٌ في دنياه. فلا يجد فيها ما يؤنسه في غربته سوى علامات استفهام واشارات تعجُّب. ليس كغربته غربة ما دام يتعقلّ آلامها، ويرى ما تفعل به رأي العين. إذن.. كيف له ألا يهلع أو يتهيَّب، وهو كمثل واقفٍ بقدمين مهزوزتين يوشك على السقوط من منحدر شاهق.
5- الممتحن في “الفراغ العجيب” يستشعر في نفسه ضدين يتنازعان بلا هوادة: ضدٌّ يصرُفه عن الامتلاء ليبقيه في بئرٍ دهرية بلا ماء، وضدٌ يتطلع الى الانعتاق ولا يجد الى ذلك سبيلاً.. ولولا ان بقي للممتحن حظُّ من العقل والرجاء لمكث في جوف الظلمة أبداً.
6- “للفراغ العجيب” قابلية الانتحاء نحو كل نحوٍ.. وما على الداخل اليه حالئذِ إلا أن يأخذ بناصية نفسه ويتخيَّر: إما التلاشي في عتمة الفراغ، أو النمو تحت شمس الحضور المنفتح على الأبدية.
7- “الفراغ العجيب” مخصوص بالفرد، وليس للجماعة أن تقترب من حياضه الا بوصفها أفراداً متفرقِّين. كل فردٍ في “الفراغ العجيب” يشبه نظيره في البأساء والضرَّاء. لكن لكلٍ مسلكُه فلا يشاركه فيه أحد. لذا لا يقدر الأفراد المتفرقون ممن جمعهم همُّ البحث عن المعنى، أن يسلكوا معاً الطريقة نفسها. كلُّ فرد له عالمُه الخاص، وإحساسه، وألمُه، وأمانُه، وفرحُه، وحزنُه وسؤالُه المرير. وهذا الذي أتعبه ما يتوارى خلف ستارة الجهل يروح يتوسل فردوس العلم لينجو. ولو أنه ظن ان فُتِحَ له باب العلم، فلن يلبث إلا قليلاً حتى يعود أدراجه الى سيرته الأولى..
8- المقيم في “الفراغ العجيب” هو على قلق عظيم، فلا ينجيه مما هو فيه إلا يدٌ قدسية تمتد إليه كلما استفرَغَ نفسه من كل سؤال، ثم استكان، ثم مضى في البكاء..
9- انك لتجدنَّ العَجَبَ في منزلة “الفراغ العجيب”: في تلك المنزلة يتوثَّب العقلُ حتى يتمدُّد الى ما وراء ذاته. هنالك تتكشُّف للعقل اندهاشات ما كان عاينها من قبل، ولا خَبِرَها ذات مرة…
10- يقال إن ما يلوح للعقل في لحظة تمدُّده لا يملك ان يحصِّلَه في لحظات نكوصه وانكماشه، بل هو شبه منعدم في أحواله العادية. فللعقل قبضٌ وبسطٌ كما للنفس والقلب. ينقلبُ حيناً الى العلم وحيناً الى الجهل. وكل ما في الأمر ان ما يحصل من تلويحات تشي بنبأٍ غير مألوف، إنما هي تنبيهات دالّةٌ على ما يحويه “الفراغ العجيب” من مفارقات وأعاجيب.
*     *     *
قهرية الفراغ
1- لا أحدٌ ينجو من قهرية الفراغ. وهذا النوع من القهرية ينتسب في الغالب الى فيزياء الجسد الذي يميل على الدوام الى رغبة محمومة للإشباع الذاتي. يفعل ذلك أهلُ هذا الحال، بغية القبض على زمنهم وهو ينسرب من بين الأضلع كماءٍ ثقيل.

اترك تعليقا