الرئيسية » حضاريات » ما الثقافة وما معنى لبنان الثقافي؟

ما الثقافة وما معنى لبنان الثقافي؟

مصطلح #الثقافة له مقاربة إبداعية ومقاربة أنتروبولوجية. فالثقافة هي عملية إبداع تعني نتاجات الشعر والأدب والرسم والنحت والمسرح والموسيقى والسينما والعمارة. أما الثقافة بمعناها الأنتروبولوجي الأوسع فهي تتضمّن أيضاً اللغة والعادات والتقاليد والتراث والتطوّر التاريخي الذي يجمع شعباً أو جماعة إلى قطعة من الأرض.

فلان يقول: ثقافتي فرنسية، إذاً، يعلن انتماءه وهويته إلى الثقافة الفرنسية ويتكّلم اللغة الفرنسية ويعيش في بيئة فرنسية ويتناول طعاماً فرنسياً ويحيا تقاليد فرنسا وموروثاتها. وهو إجمالاً كاثوليكي الديانة. ولكن الشخص، ليس بالضرورة أن يكون مبدعاً في الثقافة الفرنسية إذا لم يكسب التحصيل العلمي والأدبي ويتمتع بمواهب ما، حتى لو كان فرنسياً. وبالمقابل، ثمّة عدد كبير من المبدعين بالفرنسية، أدباً وشعراً، نشأوا على هذه اللغة وتراثها ونهلوا من أدبها. ومنهم لبنانيون وجزائريون وأفارقة. فيمكن أن ينتمي المرء إلى الثقافة الفرنسية من دون أن يكون من الإثنية الفرنسية. يعني الشخص الفرنسي هو مثقف أنتروبولوجياً والآخرون من غير الفرنسيين هم مثقفون إبداعياً.

ومن هذا التحديد نطرح المسألة الإبداعية. وأول شروط الإبداع أن يكون المثقّف حائزاً معرفة عالية في الثقافة التي ينتمي إليها أو إذا لم يكن، فهو يرغب بجوارحه أن يبدع فيها أو ينتمي إليها. وثاني شروطه أن يكون متمتّعاً بالحرية. فالثقافة هنا، إذاً، على علاقة بملكة التعبير، والتعبير يتطلّب حرّية، وهذه الحريّة موجودة نسبياً في لبنان الذي جَذبَ مبدعي الدول العربية المجاورة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وما زال يجذبهم اليوم بعدما انتهت حربه عام 1990. ولذلك عُرف هذا البلد دوماً كمغنطيس ثقافي فعلي للمشرق العربي.

أمّا الثقافة بمعناها الانتروبولوجي فهي مشتركة بين الناس بصرف النظر عن مستوى تعلّمهم وحتى عن انتمائهم الديني والعائلي والمناطقي والعرقي. فالثقافة الشعبية تربط الشعب اللبناني إلى جامعة وطنية مشتركة، كما تربط شعوب وبلدان المشرق التي أصبحت في المائة عام السابقة متقاربة ثقافياً من حيث اللغة والمشارب والأذواق التعبيرية. والثقافة الشعبية تخترق دول شمال إفريقيا والجوار الآسيوي أيضاً وحتى إفريقيا جنوب الصحراء، كما يبين لنا تاريخ العرب الثقافي في القرون التي سبقت الاحتلال التركي عام 1516. فتلعب الثقافة بمعنييها الابداعي والشعبي إذاً دوراً خطيراً أين منه دور الأحزاب السياسية وتدخّل الحكومات.

ثم إنّ الإبداع الثقافي هو عملية متجدّدة لا تنتهي، تتقدّم وتتقهقر. وهي تنفي مقولة حصول مجتمع بعينه على علوم وآداب وفنون تجعله في أعلى قمة السلم الثقافي فيبقى هناك، حتى تزعم نخبته أنّه متفوّق عرقياً وإثنياً على غيره من المجتمعات (كالنازية مثلاً). والحقيقة أنّ المجتمعات الأخرى هي أيضاً في حال دينامكية دائمة وستستوفي يوماً شروط الإبداع ونتائجه. حتى إنّها قد تسبق هذا المجتمع الذي وصل أعلى قمّة السلم الثقافي. فأين هي الثقافة الإغريقية من اليونان اليوم، وأين ثقافة بغداد من حال العراق اليوم، وأين ثقافة #فرنسا الثورة من تراجع فرنسا اليوم؟ ثم لننظر في نهوض الولايات المتحدة الأميركية والصين والهند واليابان وروسيا في القرن العشرين في الثقافة كما في الميادين الأخرى.

فالإثنيات بما هي أجساد لكلّ منها عباءته الثقافية، ليست كائنات جامدة كالطبقات الصخرية، بل هي خاضعة لقوانين فيزياء يمكن أن تتراجع أو تتقدّم. فليست الثقافة احتكاراً أوروبيّاً صرفاً، كما أنّ ضآلة الإبداع الثقافي العربي اليوم ليست نعتاً دائماً يلبسهم وغيرهم من شعوب العالم الثالث إلى الأبد.

تحديد مفهوم الثقافة يصبح أمراً أساسياً في العلوم الانسانية والاجتماعية من سيكولوجيا وسوسيولوجيا وأنتروبولوجيا. ويستعمله ابن خلدون بالمعنى المتداول أوروبيّاً اليوم، Kultur، على أنّه مجموعة الأشكال والمظاهر لمجتمع معين، وتشمل عادات وممارسات وقواعد، ومعايير كيفية العيش والوجود، وتشمل ملابس ودين وطقوس وقواعد سلوك ومعتقدات وتراث. وهذا الاستعمال أو التوظيف، هو التعريف التحتي أو الشعبي للثقافة low culture أو pop culture.

أما على المستوى الأعلى high culture، فالثقافة هي المعلومات والمهارات التي يملكها البشر والتي تنتج فناً راقياً من المطبخ والرقص إلى الغناء والموسيقى والآداب والمسرح. وهذا الأخير هو المعنى الأكثر شيوعاً للثقافة في لبنان والعالم العربي. فينتمي الرقص الشعبي في القرى برتابته وبديهيته إلى الثقافة السفلى، ثم يصبح عندما يقتبسه الرحابنة أو فرقة #كركلا مثلاً، فيهذبونه ويقدمونه، من الثقافة العليا.

وقد يكتفي المثقفون بجمع الثقافة السفلى من حكايا شعبية مثلاً ونشرها في كتاب دون تعديل وتشذيب حتى تبقى طازجة بنفحة شعبية كما فعل سلام الراسي، وترك كنزاً عظيماً للأجيال. وهو يشابه في ذلك ما يسمى oral traditon في الثقافة الشعبية الأميركية.

المثقّف في ذهن اللبنانيين والعرب هو حالة الفرد العلمية الرفيعة المستوى، وبهذا يصبح المثقّف حالة اجتماعية. فعلى مستوى المجتمع ككّل، وعندما يقال ثقافة لبنانية أو ثقافة عربية، يدخل المعنى العالي للثقافة – فعلى المستوى الفردي يعيش المثقف حياة حداثوية حضارية، ويفرض نتاجه الثقافي نفسه على مجتمعه الذي يتهذّب به.

أمّا غير المثقف بالمعنى العالي، فهو لا يزال يمتلك الثقافة السفلى أو الشعبية من عادات وقيم وتقاليد التي تعيش وفقها جماعة أو مجتمع بشري. فيسلك سلوكاً مهذباً يلائم البيئة الاجتماعية التي تمنحه قدراً معقولاً من الثقافة: كالتعامل اللائق مع الآخرين والتراث الديني وطقوسه (شرط أن يكون متسامحاً، وهو جزء من تهذيبه الاجتماعي) ولهجة الكلام والتعبير فلا يكون vulgaire، وأن يتذوّق الطعام اللبناني وطريقة اللباس المعتاد في بلده ويحفظ الأغاني الشعبية التي تذيعها وسائل الإعلام من الـpop songs، الخ.

والثقافة الشعبية يتم تلقينها ونقلها من جيل إلى آخر وخاصة عبر الأم وتصبح مجموعة أشياء متأصّلة بين أفراد ذلك المجتمع. ومن هذه الأشياء لغة الأم والموسيقى والفنون الشعبية كالدبكة والتقاليد المحببة التي تصبح قيماً تتوارثها الأجيال (الكرم عند العرب والدقة عند الأوروبيين)، أو مظاهر سلوكية أو مراسم تعبديّة أو مراسم الزواج.

وإضافة إلى الثقافة الشعبية، فكلما إزداد تحصيل هذا الفرد الدراسي أو مارس المطالعة الذاتية واكتسب الخبرة في الحياة، ازداد عنده معدّل الوعي الثقافي وأصبح عنصراً بناءً في المجتمع، يمارس قيّم الحق والخير والجمال. فالثقافة بمعناها العالي مفتوحة أيضاً لمن لم يسلك طريق المدارس والجامعات والأديب الكبير مارون عبّود هو أسطع برهان.

ويُقصد بالثقافة أيضاً الكيان المادي والروحي لأي مجتمع فيدخل في ثقافته التراث واللغة والدين وعادات المجتمع ونشاطه الحضاري. كما يمكن أيضاً فكفكة هذه الثقافة جغرافياً، لأنّ مجتمع أي بلد يضم ثقافات مناطقية لكل منها ميوله وخصوصيته. فيكون لشمال لبنان لهجته الدارجة الممّيزة وأصناف حلويات ومطبخ وعادات محلية، مقارنة بمناطق لبنان الأخرى. ولكن كل هذا يكون تلاوين لثقافة واحدة. فيبطل القول إنّ ثمّة “ثقافة بعلبكية” وأخرى “زغرتاوية” وثالثة “بيروتية” و”بيارتة”، رغم الفروق في رقص الدبكة وتحضير صحن الكبّة والتبّولة وباقي العادات والتقاليد. بل ثمّة ثقافة لبنانية هي أكبر من الأجزاء. وفي الإطار الأوسع، يبطل القول أيضاً “ثقافة لبنانية” و”ثقافة سورية” و”ثقافة مصرية” و”ثقافة جزائرية”، إذ عندما نصل إلى خيوط أعلى سنجد أنّ ثمّة ميّزات ثقافة عربية مشتركة تجمع هذه البلدان وتميّزها مثلاً عن تركيا وإيران. وكما قال مارون عبّود “إنّما الأدب والثقافة في لبنان هي رافد من روافد نهر الثقافة العربية”.

الثقافة في كل مجتمع تنبع من الذات الإنسانية وتتأثّر بالثقافات المجاورة وتصب في منتهاها في إبداعات البشرية جمعاء. ولذلك ربَطَ الفلاسفة ازدياد المعرفة والثقافة لدى الفرد والمجتمع بارتفاع معدلات الخير والحق والعدل عند البشر وكل القيم التي تُصلح الوجود الإنساني.

كمال ديب

النهار: ٣٠-١٠-٢٠١٨

اترك تعليقا