الرئيسية » غير مصنف » مؤثراتٌ متبادلة بين الأدبين الروسي والعربي

مؤثراتٌ متبادلة بين الأدبين الروسي والعربي

دراسات و ترجمات

من كتاب الدكتور ثائر زين الدين المرشح لنيل جائزة بريماكوف للعام الجاري

 مقدمة

ليست علاقتي مع الأدب الروسي بخاصة؛ والثقافة الروسيّة عموماً، وليدة اليوم أو البارحة. لقد بدأت منذ سنواتِ المدرسةِ الابتدائية؛ فقد أسهمت قصصُ الأطفالِ المترجمةِ عن الروسيّة يومها؛ وفي مقدّمتها قصص ليف تولستوي بتشكيل وعيي، ومشاعري الإنسانيّة الأولى..

ثُمَّ كانت قراءاتي لروائع الأدب الروسي الكلاسيكي في مرحلةِ الدراسةِ الإعداديّة والثانويّة والجامعيّة؛ ولاسيّما أعمال دوستويفسكي الباهرة: كالجريمة والعقاب، والأبله، والمقامر، ومذلون مهانون، والأخوة كارامازوف، والليالي البيضاء، ومن قبوي… وسواها.. وأعمال تولستوي: آنّا كارنينا، والبعث، والحرب والسلام.. وتطولُ قائمة الأدباء الكبار الذين أمضيتُ مع ابداعاتهم أجمل الليالي وألهمتني نتاجاتهم الكثير الكثير في كتاباتي الشخصيّة.. حتى إذا أنهيتُ دراستي الجامعيّة في سورية؛ وأُوفدتُ إلى الاتحاد السوفييتي للحصول على درجة الدكتوراه P.H. في العلوم التقنيّة عام 1989؛ تعلّمتُ اللغة الروسيّة، وأتقنتها بعد أن أحببتُ جمالياتها؛ ووجدتُ نفسي ذات يوم من أيام عام 1990 أستمعُ إلى أغنية جميلة بصوتِ المغنيّة الروسيّة المعروفة آلّا بوغاتشوفا:

“يُعجبني أنّي لستُ مريضةً بك

يعجبني أنكَ لستَ مريضاً بي

أن هذهِ الكُرةَ الأرضيّة الثقيلة

لن تسبَحَ تحت أقدامنا في يومٍ من الأيام…”

فإذا ما سألتُ عن مؤلف القصيدة؛ علمتُ أنها للشاعِرة مارينا تسفيتايفا… وهنا تبدأُ رحلتي مع ترجمةِ الأدبِ المكتوبِ باللغةِ الروسيّة إلى العربيّة…

فأترجِمُ بادئ ذي بدء مختارات شعريّة للشاعِرة المذكورة وللشاعر فاليري بريوسوف وأُصدِرُهما في دمشق في كتابٍ يحملُ عنوان “بين هاويتين…” عام 1994، ثم أُترجمُ مختاراتٍ لسرغي يسينين بتكليفٍ من وزارة الثقافة السورية، ولآنّا أخماتوفا، وبوريس باسترناك وآلّا أخمادولينا، وفلاديمير فيسوتسكي، وبولات أكودجافا، وأترجمُ أيضاً أعمالاً سرديّة لنخبةٍ من الكتاب الروس في القرنين التاسع عشر والعشرين ومنهم: دوستويفسكي، وميخائيل بولغاكوف، وجنكيز إيتمانوف.. وغيرهم..

لقد كانت رحلتي مع الأدبِ الروسي رحلةً ممتعة وغنيّة، كَلّلتها بمجموعة من الدراسات ضَمّ هذا الكتابُ بعضها؛ حيث سيجدُ القارئُ بعد هذهِ المقدّمة بحثاً يتناول ترجمةَ الأعمالِ السرديّةِ الروسيّة إلى اللغةِ العربيّة، وهو بحثٌ قدّمته في أسبوعٍ ثقافيٍ أقامته المكتبة الوطنيّة في الجزائر ضم مشاركين من مختلف دول العالم، وتناول “الترجمة من اللغة العربية وإليها” عام 2008، ويقفُ مليّاً عند نقلِ العباراتِ الاصطلاحيّة من الروسيّة إلى لغتنا..

ولابدّ للقارئ الكريم أيضاً من وقفةٍ شائقة مع ترجمةِ الشِعرِ الروسيّ إلى العربية؛ وهي عملية أقربُ إلى “مغامرةٍ في أرضٍ حرام” كما أسميتها.. وفيها نتلّمسُ بعض عثرات الترجمة.. ليقرأ القارئُ بعد ذلك بعض المقالاتِ التي تدخُلُ في بابِ الأدبِ المقارن؛ ويتلمّس وجودَ تلكَ الجداولِ العذبة المشتركة بين الأدبين الروسي والعربي، ومنها ما تناولَ قصيدتينِ متشابهتين لسرغي يسينين والأخطل الصغير، واثنتين أُخريين لآنا أخماتوفا وعمر أبي ريشة… وصولاً إلى دراسةٍ تقفُ على رسائِلِ الأدباء إلى المبدعين الشباب، ومنها رسائُلُ على شكل قصائد لبوشكين وبريوسوف وسواهما..

مروراً ببحثين جديدين في بابهما، تناولَ الأوّلُ منهما علاقة الفن التشكيلي بالرواية من خلالِ رواياتٍ روسيّة عدّة، وتناولَ الثاني حضور شخصيّة يهوذا فنيّاً ومعنويّاً في رواتين روسيتين شهيرتين.

 حتى إذا تناولنا الاستشراق والترجمة ودورهما في مدّ جسور التواصل بين الحضارات وقفنا ملياً عند الاستشراقِ الروسي ودورِهُ، وهو الذي امتاز من سواه بغيابِ الغاياتِ الاستعماريّةِ.. وتقديم الهمّ المعرفي الثقافي الإنساني على ما عداه.

إلى غير ذلك من البحوث؛ التي ختمتُها بملفين ضمّا مختاراتٍ من ترجماتي عن الشِعرِ والنثرِ الروسيين.

يسعدني أن أضَعَ هذا العمل بين يدي القارئ راجياً أن يَحْمِلَ له المعرفَةَ على جسرٍ من المتعةِ!

دمشق 2016

ثائر زين الدين

اترك تعليقا