الرئيسية » جماليات » مؤثراتٌ متبادلة بين الأدبين الروسي والعربي

مؤثراتٌ متبادلة بين الأدبين الروسي والعربي

دراسات و ترجمات

من كتاب الدكتور ثائر زين الدين المرشح لنيل جائزة بريماكوف للعام الجاري

في ترجمة النصوص السردية الروسية

إلى العربية

/ خصوصية نقل العبارات الاصطلاحية /

 

تمهيد:

لم يعد يخفى على أحد أن الترجمة هي واحدة من أهم القنوات التي تتم عبرها التأثيرات المتبادلة، بين الشعوب والأمم، وليس بإمكان أحد هذه الأيام أن ينكر الدور العظيم الذي تضطلع به الترجمة في وجوه حياتنا المختلفة، العلمية والفكرية والاقتصادية والثقافية، وليس أدلَّ على ذلك من حجم الأعمال المختلفة، التي تترجم إلى لغتنا، من اللغات الأخرى، وحجم الدراسات والمقالات والمواد الصحفية، التي تنشر في كثير من الدوّريات، وتبثَّ بوسائل الإعلام المختلفة، ومصدرها الأساس هو اللغات الأجنبية.

ولا يقل تأثير الترجمة في مجال الأدب، عنه في المجالات الأخرى، حتى عَدَّ ولهلم فون همبولدت الترجمة الأدبية:

“أحد الأعمال الأكثر جوهرية لأي أدب، لأنها تعرّف إلى حد ما، أولئك الذين يجهلون اللغات الأجنبية بأشكال الفن والإنسانية، التي لا يمكن أن يتوصلوا إلى معرفتها بطريقة أخرى، وهذا مكسب عظيم لأي أمة، ولأنها توسع إلى حد ما، على وجه التخصيص ما تمتلكه لغة المرء من طاقة المعنى والتعبير”(1).

ولقد أصبح فضل الترجمة الأدبية اليوم من المسلمات، في تطوير آداب الأمم ولغاتها، بل في خلق أجناس أدبية، وفنون قولٍ جديدة، ولعلَّ استعراضاً بسيطاً لتأثير الشعر العربي، واللغة العربية عموماً، في آداب الأمم المجاورة، يقدم لنا أدلة على ذلك، فمن المرجح “أن الفرس، رغم حضارتهم التي امتدت ألف عام قبل الإسلام، لم يكونوا يعرفون الشعر، ربما كانوا يعرفون الغناء والنشيد، لكن الشعر والقصيدة، والنظم كفنٍ قائم بحد ذاته، لم يكن له وجود في عالمهم، تؤكد لنا ذلك المفاخرات، التي كانت تجري في بلاط كسرى أنوشروان بين أعيان العرب والفرس، أولئك كانوا يفخرون بأشعارهم، وهؤلاء بحكمهم. لكن ما إن جاء الإسلام، وبسط العرب سيطرتهم على بلاد فارس، وباتت العربية، هي لغة الدين والدولة، حتى بدأ الفرس يحاكون القصيدة العربية، وينظمون الشعر، الأمر الذي انتهى أخيراً إلى ظهور الشاهنامة، وإلى بروز شعراء احتلوا مكانة رفيعة حتى غدا بعضهم كعمر الخيام وسعدي وحافظ، من الشعراء العالميين المعدودين”(2).

ويمكن أن نقول القول نفسه إلى حد بعيد في تأثــّر اللغة التركية، والأوردية وشعوبهما، تلك الشعوب التي أخذت الحرف العربي نفسه، وراح شعراؤها ينظمونَ القصيدة، وَفْقَ بِنْيَةِ نظيرتها العربية، حتى إنهم استخدموا مصطلحاتها الفنية نفسها، وحاكت نماذج أشعارهم الشعر العربي في موضوعاته، وليس في أساليبه وبنيته فحسبُ. (3)

ولا حاجة بي لتذكيركم بفضل مجموعة من الكتب العظيمة – التي نُقلت من العربية إلى لغات أوربا ذات يوم – في ولادة أو تطور أجناس أدبية لم تكن معروفة تماماً في آداب  تلك اللغات، وعلى رأس تلك الكتب “ألف ليلة وليلة”، التي نقلت بعناوين مختلفة أحدها “ليال عربية”، و”كليلة ودمنة” الذي كان قد نقله من قبل بصورةٍ فاتنةٍ عبد الله بن المقفع عن الفارسية، وضاعت نسخته الأصلية، و”رحلات ابن بطوطة، و”حي بن يقظان” لابن طفيل، و”رسالة الغفران” للمعري، وغيرها من الأعمال، التي قد نجد تصريحات لنخبة من أدباء الغرب، ونقّاده، تؤكد تتلمذهم عليها، وإفادتهم منها، ولاسيّما في كتابة الرواية و القصة القصيرة. ولعلنا حتى هذه اللحظة، نقرأ كثيراً من الأعمال السردية الأجنبية، واسعة الانتشار، فنشعر أن حكاياتها الأساسية، وأحياناً بعض خصائصها البنائية، تعود إلى مصادر موروثنا القديم، ومنها الكتب التي ذكرتها، وفيما أنا أكتب ذلك الآن، تخطر في بالي رواية “الخيميائي” لباولو كويللو، التي أعدت قراءتها منذ فترة قريبة، إن حكايتها مأخوذة من قصة عربية ذكرتها بعض كتب التراث، وإن لم تخنّي الذاكرة، فقد أوردها المسعودي في “مروج الذهب”، والحكاية موجودة في “الليالي” وقد ذكرها أ. ل. رانيلا في كتابه” التاريخ المشترك بين العرب والغرب”، مختصر القصة أن بغدادياً سافر من مدينته إلى مصر، طلباً لكنز رآه في الحلم مطموراً في أحد بيوت القاهرة، فلما وصل إلى المكان المنشود أخبره قاضي المدينة بعبث رحلته، لأنه هو نفسه – أي القاضي – رأى حلماً مشابهاً، يصوِّر له كنزاً في مدينة بغداد، في صحن دار تنتصب فيه نخلة معمرة، فهل عليه أن يسافر إلى بغداد وراء هذا الهراء! حينئْذٍ يدرك البغدادي، ومن خلال وصف القاضي لموقع البيت والنخلة فيه، أن المكان الموصوف إنما هو بيته هو، فيعود إلى موطنه ليجد الكنز.

عند باولو كويللو يحلم الشاب الإسباني بكنز كبير في مصر، قريب من أحد الأهرامات، فيبدأ رحلته نحوه، ليعلم أخيراً أن الكنز إنما هو في المكان الذي خرج منه، وكان دائماً قريباً منه، فيعود أدراجه ويحصل عليه.

وحتى لا نُتهم بالتعصب لبني قومنا، وبالنستلَجيا إلى ماضيهم العريق، نتابع فنقول: إن الأدب العربي ما كان له أن يصبح بالصورة التي هو عليها اليوم لولا حركة الترجمة في العصر الحديث من اللغات الأوربية، وعلى رأسها الإنكليزية والفرنسية، وفيما بعد الروسية والألمانية والإسبانية، وتوجّه المثقفين وبعض المبدعين نحو الغرب المتنور، ودخول الكتاب الأجنبي  البلاد العربية، سواء على شكل مناهج تدريسية مع المستعمر الجديد، أم غير ذلك، فإذا بالشعر العربي – وهو درّة تاج الأدب العربي – ينهض من غفوته الطويلة، ويقطع في ستين سنة أو يزيد من التطور ما استغرق الشعر في بعض دول أوربا  مئات السنين كي يحققه، داخلاً خضمّ الحداثة، بعد أن تم إحياؤه وبعث الروح فيه، شكلاً وتقانات وموضوعات ورؤيا، بصورة تجعَل حتى غلاة القوميين  يعترفون بأنه لولا الإفادة من الشعر الأنكلوسكسوني والفرنسي على وجه الخصوص ما كان لشعرنا أن يبدأ مرحلة الحداثة التي قطعها بعد البارودي وشوقي مروراً بالسّياب، وصولاً إلى أدونيس ومحمود درويش ومحمد الماغوط وغيرهم. والفضل الأول – كما قلت – يعود إلى الترجمة، وإن كانت قلة قليلة من الشعراء، قد استطاعت الاطلاع على الشعر المذكور بلغته الأم.

ولئن كان دور الترجمة هنا واضحاً في تطوير الشعر العربي، فإن لها دوراً- ربما كان- أعمق وأهم في حقل الكتابات السردية، ففي ظني أن الرواية والقصة القصيرة ما كان لهما أن يولدا لولا المؤثرات الأدبية الأوربية، لولا الترجمة عامة، والاتصال المباشر بالغرب من قبل بعض المبدعين العرب، ممّن قدّر لهم السفر إلى دول أوربا وتعلّم لغاتها، وقراءة أدبها بخاصة.

لقد نقلت حركة الترجمة العربية – وبجهود فردية على الأغلب – منذ بداية القرن الماضي روائع الأدب العالمي الكلاسيكي، وأمات الكتب الفكرية والفلسفية، فبدأ القارئ العربي يقرأ -ضمن ما يقرأ- عمالقة الأدبين الفرنسي والإنكليزي، من أمثال هوغو وموليير وجان جاك روسو، وبلزاك، وموباسان، وبرناردشو، و ولتر سكوت، و ديكنز، و سومرست موم، وأوسكار وايلد، ثم تدفقت ترجمات عمالقة السرد الروس من أمثال دوستويفسكي، وتولستوي، وبوشيكن، وغوغول، وتورغينيف، وتشيخوف، و شولوخوف، وغوركي.

وترجمت أعمال مهمة لغوته، وسيرفانتس، و شيلر عن لغات وسيطة، ثم عن الألمانية والإسبانية، ثم اشتدت حركة الترجمة إلى العربية، فظهرت بعض دور النشر المتخصصة بنقل أدبٍ معين أو مذهب أدبي معين مثل دار “رادوغا” و”مير” في روسيا، و”الآداب” و”الحياة” في بيروت، فقرأنا: جان بول سارتر، و كامو، وسيمون دي بوفار، وكورلينكو، وألكسي تولستوي، وبور يس باسترناك، وجنكيز إيتماتوف، وراسبوتين، وبلاتونوف، وبلغاكوف، وكافكا وسواهم.

لقد قرأ المبدع العربي إذاً أعمال هؤلاء العباقرة وغيرهم، فإذا به يبدأ بخلق جنسين أدبيين ما عرفهما أدبُه من قبل – إلا شذرات تراثيةً هنا وهناك – أقصد: الرواية والقصة القصيرة، وكان الفضل الكبير هنا للمترجم الذي غالباً ما ننسى حتى اسمه، وقد نذكر فقط اسم المؤلف، المترجم القدير، الذي نقلَ النصوص السردية: موضوعاتٍ، وتقاناتٍ، وأساليب، وروحاً في نهاية المطاف، فإذا به ينقلُ بذلك فيروس هذا الفن المعدي، إلى المبدع العربي، الذي تلقّفَهُ بشهية نادرة، وأفاد من كل ما ذكر، فنقل في البداية، وقلّدَ، وتأثرَ، ثم هذا هو ذا اليوم يقدّم نماذج إبداعية باهرة في الرواية والقصة، نماذج لا تقل أهمية وجمالاً واختراقاً، عمّا نقرأه لنظيره الأوربي والأميركي.      (يتبع)

دمشق 2016

ثائر زين الدين

اترك تعليقا