الرئيسية » جماليات » كنز الفن الروسي الأصيل
متحف تريتياكوف في موسكو

كنز الفن الروسي الأصيل

بقلم رئيس التحرير *

 

تكثر في روسيا المتاحف التي تسلط الضوء على الجوانب المتنوعة لثقافات واتنيات كل الشعوب القاطنة في المدى الروسي – الاوراسي. تتضمن المتاحف مجموعات فنية تمثل ابرز المدارس الفنية في الغرب والشرق، وهذا ما يشكل كنزا جماليا تتلذذ به ثقافة العين اينما حط ضوؤها على هذه اللوحة او تلك.

الا ان المجموعة الفنية التي تعيش بين جنبات متحف تربتياكوف القائم في قلب العاصمة الروسية، تعتبر من اروع المجموعات التي تتميز بأصالتها وجمالها وتنوعها .

ما الذي يميز هذه المجموعة ؟ ساحاول باختصار شديد جدا ان أتوقف عند البعض اليسير منها :

أولا، انها تعكس روح الطباع القومية والدينية والثقافية للمخيلة الفنية التشكيلية الروسية الغنية في عطاءاتها  .

ثانيا، انها تمثل التراتب الزمني لمدارس الفن التشكيلي الروسي منذ نهايات القرن السابع عشر وحتى تاريخه تقريبا .

ثالثا، ورغم تأثرها بالمدارس المتنوعة الإيطالية والفرنسية والهولندية والألمانية، إلا ان ريشة فنانيها كانت تضفي على ألوان وشخصيات وموضوعات اللوحة مسحة ثقافية وجمالية مستقاة من نبض المكان والزمان الروسيين، من احداث ومنعطفات التاريخ والسياسة والدين في الديار الروسية .

رابعا، كل اللوحات المتواجدة في متحف تريتياكوف تمثل الاوجه النفسية الجياشة في لحظات عظمتها وبؤسها، نكوص شخصيتها ونهوضها، فرحها وحزنها الجامحين، فلا وسط ذهبياً في مجمل نظرات ودواخل ابطالها .

خامسا: كل الأحداث التي عصفت بالتاريخ الروسي الحديث والمعاصر عكست لحظة التراجيديا والدراما في شخصيات ابطالها وناسها في اعلى بلاط السلطة، مرورا بالشخصيات التي احدثت انقسامات دينية ومذهبية، وصولا الى إرادة التمرد القوية في شخصية الجمهور العام .

سادسا: صحيح ان الفن التشكيلي الروسي في متحف تريتياكوف لم يشذ عن الضوابط التقنية وضوابط توزيع وتنسيق الالوان والشخصيات لمثيلاته من اعمال الفنانين الغربين، الا ان خصوصية المدى الجغرافي والسياسي والثقافي والروحي أضفت على الشكل وحتى المضمون بعدا روسيا خالصا.

سابعا: عندما يتأمل المشاهد في وجوه وملابس وعيون وحركات شخصياتها، يلمس قساوة الحزن في شخصية شعبها وراحة البال ورفاهية الاناقة الزائدة في الشخصية  الميسورة الروسية، بيد ان مسحة القلق والحيرة الدائمين  من الحاضر وعلى المستقبل الحاضر بكثافة في وجوه معظم شخصياتها تكاد تطغى على معظم الاعمال.

ثامنا: كل الزوار العارفين والمتأملين بدقة في خصوصية مدارس وشخصيات وموضوعات هذا المتحف، تتوفر لهم المادة الثقافية الخصبة لمقارنة الخاص الروسي والعام الفني الجمالي في العالم، فيها تتغذى  وتتلذذ العين الأنتروبولوجية المقارنة بالجميل هنا وهناك… والجمال الراقي كما العلم والمعارف الراقية لا وطن له لدى حامل الثقافة الجمالية الراقية.

تريتياكوف التاجر في مهنته والفنان في روحه، صرف القسم الأكبر من ثروته الكبيرة من أجل إقامة هذا الصرح الثقافي الكبير. بهذا  يكون قد أعطى مثالا للوطنية الروسية وللرقي الجمالي في أنبل وارقى معانيه. فله وللمتحف الذي يحمل اسمه ادفأ مشاعر الشكر والتقدير  على غنى تقديمه الطعام الروحي لكل راغب به من اَي بقعة من اصقاع الارض أتى للتنعم بمائدته المتنوعة بجمالاتها.

ومن وحي الزيارة الاخيرة لهذا الصرح الثقافي الكبير والتي تمت بتاريخ ٣٢ نوفمبر مع مجموعة من المثقفين والأدباء الكبار من الشرق والغرب. اخترنا للقارئ العزيز عددا من اللوحات.

 

* سهيل فرح

اترك تعليقا