الرئيسية » حضاريات » كلمة عصام السباعي، مدير تحرير صحيفة الأخبار بمصر، إلي منتدي صحافيي الدول الاسلامية في يالطا

كلمة عصام السباعي، مدير تحرير صحيفة الأخبار بمصر، إلي منتدي صحافيي الدول الاسلامية في يالطا

… ونحن بصدد الحديث عن تكامل الحضارات ووضع مباديء أساسية لسياسة اعلامية تعمل علي الترويج للحوار بين الثقافات ،اسمحوا لي أن أن أبعث من هنا .. من ” يالتا ”  الجميلة  ملهمة التاريخ ، بتحية إلي روسيا الاتحادية  التي تقدم للعالم نموذجا  مثاليا و فريدا للتعايش بين الثقافات والديانات  وقبول الآخر،وتحية خاصة إلي عظماء بنوا جسور التلاقي مابين الحضارتين الروسية والعربية وصنعوا نموذجا فريدا ومختلفا في التكامل والاحترام الثقافي بين الشرق والغرب بداية من الرحالة الروس الذين جاءوا إلينا مثل بورنياكوف وسوزيتاكوف ومرورا بالعظيمين فاران وكراتشكوفسكي شيخ المستشرقين الروس ،ونهاية بالأجيال الجديدة ، ومنهم الدكتورأندريه جيرمانوفيتش أستاذ اللغة العربية بجامعة موسكو الحكومية والذي تولي مهمة الترجمة الرائعة لنا علي مدار عدة لقاءات سابقة ،ونفس التحية لرجال من الشرق فعلوا نفس الشيء وأولهم ابن فضلان 265 هجرية -908 ميلادية و الشيخ محمد عياد الطنطاوي 1860 ميلادية والسيدة “كلثوم نصر عودة فاسيليفا”.

تلك العظمة خطرت علي بالي بمجرد مقارنة عفوية بين الشاعر العظيم النبيل بوشكين الذي أخذ من الشرق كتاب المسلمين وأبداع قصائده ” اقتباسات قرآنية” ،وبين مسرحية الشاعر الانجليزي شكسبير “هنري الرابع ” ،والذي استوحي من السيرة الشعبية  خرافات عن الاسلام والمسلمين،  ولازالت  الأجيال وحتي الآن تتوارث نفس الصورة الذهنية عن العربي والمسلم والشرقي ،فهو بربري همجي جنسي  ، غير متحضر يركب الجمال ويقهر النساء ، مفتون بالجهاد والحروب ، و ” أمة قطاع طرق”، “أمة تقدس الحرب، “أمة لصوص”، الخ ، وهي مصطلحات استخدمها فلاسفة التنوير مثل  فولتير ومنتسكيو ،ولعل المقارنة توضح كيف كان الاستشراق الروسي ملهما في التواصل ،بعكس الاستشراق الغربي الاستعماري وما أسفر عنه من تمييز وكراهية، وهكذا كان ظهور مصطلح “الاسلاموفوبيا” في بدايات القرن العشرين علي يد المستشرق البلجيكي هنري لامينس ثم تطور الي مصطلح كراهية الاسلام والمسلمين خلال الثمانينيات والتسعينيات من نفس القرن علي حد قول كوفي أنان الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة.

أستطيع أن أعدد الكثير من الدراسات الاعلامية والأدبية والفكرية التي ترصد نفس الصورة التي كانت منذ عشرة قرون ومازالت مستمرة حتي اليوم،وأكتفي فقط بالاشارة لدراسة أعدها الباحث المصري وليد البكري  عن صورة الآخر في المقالات الافتتاحية للصحف الأمريكية والألمانية بعد احداث 11 سبتمبر ،وتوصلت الي أن كلمة اسلام ومسلم ترتبط بكل ماهو ارهابي او شرير.

دعونا نتذكر مارشال ماكلوهان  صاحب التعبير الشهير ” العالم اصبح بفضل الاتصالات قرية صغيرة ” ، و دعونا نتحدث المسئولية الاجتماعية للاعلام ،وننقد أنفسنا بوصفنا “ حراس البوابة” وفقا للتعبير الذي أطلقه عالم النفس كيرت لوين،فنحن  الذين نسمح بمرور ما يخرج علي الناس ،ونحن أيضا  “الاعلاميون” أفضل صديق للارهابي والمتطرف، حيث يعتمد علينا الارهابي في نشر أخباره  ،فنحقق هدفه في ترويع الناس ،ويلجأ إلينا المتطرف لعرض شذوذه الفكري فنحقق هدفه في نشرها،ونحن الذين نسمح بمرور أخبار كاذبة فنحقق هدف من يروجها وخاصة في بث روح العداء والكراهية.

واسمحوا لي بطرح مجموعة من الاستنتاجات والتصورات في النقاط التالية:

  • نحتاج إلي خطاب ورسالة اعلامية تؤكد  معني الحضارة الانسانية الواحدة التي تركز علي مفاهيم قبول الآخر والتسامح والتنوع الثقافي باعتباره طبيعة وحقيقة كونية ،تستطيع مواجهة  ماكينة اعلامية ضخمة لصناعة الكراهية وخلق الصراع بين الحضارات، وتعمل علي ارساء قيم الحق والعدل وعدم التدخل في سيادة الدول وأشير هنا إلي الشعب الفلسطيني وحقه في اقامة دولته باعتبار ذلك خطوة رئيسية في وقف خطاب الكراهية،خاصة وانها دليل واقعي علي خطأ النظرية الأمريكية بشأن صراع الحضارت والتي تخلق الصراع ولا تمنعه.
  • الاهتمام بتنشئة الأطفال علي تلك القيم ،وبعبارة أخري الاهتمام الشديد بصحافة الطفل إلي جانب التعليم والتنمية الاجتماعية ،وخاصة إذا علمنا أن داعش والمتطرفون لهم استراتيجية خاصة في تأهيل الأطفال في كل شيء لدرجة ظهور لعبة اسمها لعبة الانتحاري ،وتدريب مايسمي أشبال البغدادي ومثل ذلك ليس سوي قنابل موقوتة يجب التعامل معها عبر صحافة الأطفال المتخصصة .
  • تشكيل تجمع سياسي واعلامي لمواجهة الاستراتيجية الأمريكية في صناعة الكراهية وخلق الصراعات والتدخل المباشر في سيادة الدول أو عبر تطبيقات وسائل الاتصال الاجتماعي وحروب الجيل الرابع والتلاعب بالأديان والجماعات العرقية.
  • يجب أن تتضمن الرسالة الاعلامية الجديدة ما يعمل علي تذويب روح التعصب المذهبي والعرقي في المناطق الاسلامية والعربية .
  • لا بديل عن تنقية التراث الغربي من كل معاني الكراهية والأساطير المتغلغلة في تراثه الشعبي وعدم رفض الاسلام كديانة أو كمشروع ثقافي وحضارة بشرية مقبولة ،والعمل علي توضيح الوضع الاعلامي في الدول الاستعمارية الكبري مثل امريكا وبريطانيا وفرنسا ،ورصد  موقفها من قضايا التسامح وتنوع وتكامل الثقافات.
  • العمل علي تنقية تراث الشرق من كل مظاهر التمييز والتخلف، باعتباره أولوية في ذلك الملف .
  • الوعي بأن الأمن الثقافي وحماية التنوع جزء لا يتجزأ من الأمن القومي لأي بلد وكذلك للسلام العالمي ،ودعوني هنا أقدم مجرد اشارة إلي حروب الجيل الرابع التي تطبقها أمريكا منذ حرب فيتنام  بهدف السطو علي حضارات الشعوب وثقافتها وتغيير معالم جغرافية أراضيها وزرع الفتنة والنزعة الطائفية فيها دونما أن تتدخل في ذلك بشكل مباشر.
  • ضرورة وضع آلية أو نماذج اعلامية لمواجهة “الأخبار المفبركة” التي أصبحت ظاهرة  نتيجة تعدد أنماط التواصل الإلكتروني والمنصات المفتوحة التي تتيح لأي شخص أو جهة استغلالها وبث أي شئ من خلالها،وكذلك نماذج مواجهة “الشائعات”، وكلاهما من حروب الجيل الرابع التي تعتمد علي تدمير الدول من الداخل وخاصة باثارة الفتن بين  المكونات الثقافية والدينية والإثنية،ويهمني الاشارة هنا إلي نظرية جديدة معروفة باسم  دراسة هنج شن ,يانج كي لو ,ونج سون عام 2012 وتحمل اسم” قوة الهمس”, وتعني بذلك قوة  الإشاعة،وتدرس حالات تم تطبيقها في بعض دول الشرق الأوسط ، بعد نجاحها في تشيكوسلوفاكيا  تحت اسم  “الثورة المخملية”.
  • قمت بدراسة استطلاعية لتحليل مضمون القنوات الفضائية الأجنبية الناطقة بالعربية والموجهة إلي العالم العربي شملت بي بي سي ودويتش فيلا والحرة وفرانس 14 وروسيا اليوم،وتبين منها مبدئيا أن مضامين برامج كل تلك القنوات باستثناء القناة الأخيرة تقدم محتوي مركز وبدرجات متدرجة ومحسوبة هدفه تعديل الاجتهادات و تغيير المفاهيم الثقافية  مثل الأسرة والزواج والشذوذ الجنسي ،وكذلك عوامل التفرقة بين الشعوب وخاصة الدينية والمذهبية،وهي قضية تحتاج إلي دراسات اعلامية موسعة .

 تلك النقاط ليست سوي عناوين عامة  أطرحها للمناقشة ،وأعتقد أنها مهمة للسلام العالمي والبشرية والحضارة الانسانية ،فقد خلقنا الله ذكرا وأنثي ،وجعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف ،وأفضلنا هو من يحفظ ذلك التنوع  وتلك السنة الكونية،ولا يوجد خطر علي الانسانية أكبر من أن تتصارع الحضارات والثقافات من أجل عولمة الكون  وتحويل الدنيا إلي سوق واحد وثقافة واحدة وقيم واحدة تحت هيمنة نمط وحيد ،و استعمار جديد  يعد الخطر الأكبر الذي يواجه البشرية.

الدكتور عصام السباعي أبو النصر

مدير تحرير صحيفة الأخبار بمصر

تعليق واحد

  1. عصام السباعي

    اشكركم علي نشر كلمتي .. تقديري واحترامي لكم جميعا.. و فضلا منكم اطمع في تغيير الصورة فهي ليست لي ..

اترك تعليقا