الرئيسية » أخبار المجموعة » كلمة الدكتور وسيم قلعجية – لبنان في الجلسة الرابعة لمجموعة الرؤية الاستراتيجية «روسيا -العالم الإسلامي

كلمة الدكتور وسيم قلعجية – لبنان في الجلسة الرابعة لمجموعة الرؤية الاستراتيجية «روسيا -العالم الإسلامي

حضرة الرئيس ،

أصحاب المعالي و السعادة ،

أيها الزملاء الأفاضل ،

اسمحوا  لي بداية  أن اتوجه بجزيل الشكر ﺇلى الهيئة المنظمة للمؤتمر على دعوتها و حسن استضافتها لنا جمعياً و على هذا الجهد الاستثنائي الذي قام به المنظمون لأجل انعقاد لقائنا و ﺇياكم اليوم . يأتي مؤتمرنا هذا على أبواب ذكرى أليمة ﺇبتدء بها القرن العشرين و عنيت بها الحرب العالمية الأولى . بالأمس انعقد منتدى باريس للسلام في العاصمة الفرنسية يوم 11 نوفمبر 2018 بمناسبة مائوية الهدنة و انتهاء الحرب العالمية الأولى . لقاء منتدى باريس للسلام بالأمس انعقد  سعياً لأن تسهم الجهود العالمية في تحسين التعاون الدولي بشأن السلام العالمي و الرهانات العالمية الأساسية و تحقيق عولمة أكثر عدلًا و إنصافاً و بناء نظام متعدد الأقطاب أكثر فعالية .

و ﺇذا كان الشيء بالشيء يذكر ،  ففي موضوع السلام و الأمن ، فإننا نحن المسلمين لم ﻧُجرم ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭ ﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ رغم الحروب ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺷﻌﻠﻬﺎ ﺍﻟﻐﺮﺏ ، ﻭ لم يشهد ﻟﻬﺎ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﻣﺜﻴﻼً ﻓﻲ الحرب العالمية ﺍﻷﻭﻟﻰ ، ﻭ التي ﻛﺎﻥ عدد ﺍﻟﻘﺘﻠﻰ 7 ﻣﻼﻳﻴﻦ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﺠﺮﺣﻰ 21 مليوناً ، ﻭ ﻟﻢ ﻧُجرمها أيضاً ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮﺏ العالمية ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ، ﺣﻴﺚ ﺑﻠﻎ عدد ﺍﻟﻘﺘﻠﻰ 50 ﻣﻠﻴﻮﻧﺎً ﻭﺍﻟﺠﺮﺣﻰ 90 ﻣﻠﻴﻮﻧﺎً ﻓﻲ ﺣﻴﻦ بلغت تكلفت الحرب العالمية الثانية 37 تريليون جنيه استرليني أي أن كانت ﺗﻜﻠﻔتها الباهظة ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ الواحدة مليون جنية استرليني .

نحن  ﻟﻢ ﻧُجرم ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ، ﻭ ﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ ؛ ﻣﻊ ﺃﻥ الولايات المتحدة الأميركية ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﺴﻼﻡ و زعيمة العالم الحر و اﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮﺩ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ الشغوفة بالقتل و الفتك و التعذيب ، ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ استخدمت ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻷﺳﻠﺤﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ هولًا و فظاعة ﺣﻴﻦ قتلت بقنبلتها النووية ﻓﻲ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ 500 ألف ﺇﻧﺴﺎﻥ . و هي من قتلت أيضاً  3 مليون ﻭ 400 ألف ﻓﻴﺘﻨﺎﻣﻲ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ  تنصيب رئيس موالي لها في فيتنام ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺘﻴﻨﻴﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ، و هذا الرقم هو باعتراف وزير الدفاع الأميركي السابق ﺭﻭﺑﺮﺕ ﻣﺎﻛﻨﺎﻣﺎﺭﺍ في مذكراته .

ﻟﻢ ﻧُﺠﺮﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭ ﻟﻢ ﻧﺴﺊ ﻟﻬﺎ ، ﻭ ﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻹيطالي ﺍﻟﻔﺎﺷﻲ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻗﺘﻞ 700 ﺃﻟﻒ ﻟﻴﺒﻲ ﻭ نفذ ﺣﺮﺏ ﺇﺑﺎﺩﺓ لنصف ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ المدنيين ﺍﻵﻣﻨﻴﻦ ، و لم نطالب نحن ﺑﺎﻟﺜﺄﺭ ﻟﻬﻢ ، لأن ﺩﻳﻨﻨﺎ قد ندب ﺇﻟﻴﻨﺎ ﺍﻟﺼﻔﺢ ﻭﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ .

ﻟﻢ ﻧُﺠﺮﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭ ﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻗﺘﻞ مليون شهيد  ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﺔ ﻭ ﻓﻲ مذبحة ﺟﻤﺎﻋﻴﺔ في 8 أيار 1945  ﻓﻲ مدينة خزاطة الجزائرية ﺍﻟﺘﻲ استشهد ﻓﻴﻬﺎ 40 ألف موحد ﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﻳﻮﻡ واحد .

القائمة تطول : من فلسطين ﺇلى الفليبين ﺇلى البوسنة و الهرسك ﺇلى سجون العراق في أبوغريب و ﺍﻟﻤﻮﺻﻞ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ …. و بعد كل ذلك يأتون و يحدثونك عن اﻹﺭﻫﺎﺏ اﻹسلامي و بأن الدين اﻹسلامي دين ﺇرهاب و عنف … .

الإرهاب أيها السادة  ، لا يمكن أن يكون وليد الأديان ، و إنما هو وليد العقليات الفاسدة ، والقلوب القاسية ، و النفوس المتكبرة . الإرهاب و الإرعاب لا يميز  بين مسلم و مسيحي و يهودي و بوذي صغير أم كبير .

 الإرهاب ليس صناعة إسلامية أو نتاج فكر إسلامي ، بل أن الإرهاب موجود من قبل الإسلام و مارسه أبتاع جميع الأديان الأخرى .  و لا نستطيع أن ننسب ما افترفه البعض من المنتسبين لتلك الأديان أن يكون الإرهاب وليد تلك الأديان . كذلك فما يقوم به بعض المنتسبين للإسلام ممن ضلوا  الفكر من إرهاب و قتل و تدمير لا يمكن بحال من الأحوال تحميله إلى الدين الإسلامي . فليس من العدل و الإنصاف الاعتقاد بأن الإرعاب و الإرهاب من الإسلام ، لمجرد أنه صدر من مجموعات تنسب نفسها إلى الإسلام ، و إلا لكانت هذه دعوى لهدم جميع الأديان .

الإرهاب الواضح الصريح الذى يقوم به الكيان الصهيوني على أرض فلسطين لا يمكن أن نحسبه على تعاليم الدين اليهودي . ” إسرائيل” هذه ، هي كيان مختلق تعاونت قوى كبرى على صناعته في عمق المنطقة العربية ، و صارت الصهيونية تحتل فلسطين و تشن حروبها على الفلسطينيين و وصلت حد استعمال الفسفور الأبيض في غزة .

فالأديان كلها جاءت لرحمة الناس و لنشر العدل و السماحة بينهم ، و هذا ليس معناه  ألا نستنكر و نرفض و ندين ما يحدث من تخريب و إرعاب فى بلادنا الآمنة ، فهذا اثم كبير ناتج عن فساد العقول و خراب القلوب . و على سيرة ” فساد العقول و خراب القلوب ” ، اليكم بعض من مبادىء « استراتيجية الأمن القومي الأميركي » للعام 2018.

هذه الاستراتيجية الأميركية الجديدة تقوم على أربعة أعمدة أريد بها  إخضاع العالم و تسخيره لإرضاء الولايات المتحدة الأميركية : و  هي حماية أرض الوطن ، وتعزيز الرخاء الأميركي ، و الحفاظ على السلام عبر القوة ، و توطيد المصالح الأميركية . على المستوى العملي ، يعني العمود الأول فرض المزيد من إجراءات حظر سفر المسلمين إلى أميركا ، و بناء أسوار عازلة مع الأمم الأخرى ، و إعادة إحياء مفهوم «الحدود» بوصفه ركناً وقائياً و دفاعياً . و العمود الثاني سبق أن ترجمته الإدارة الجديدة في إطلاق حروب التبادل ، أو إعادة النظر في ﺇتفاقيات تنظيم التجارة الدولية و فرض العقوبات الاقتصادية ، بالإضافة إلى تنشيط مبيعات الأسلحة بمئات بمليارات الدولارات

أما العمود الثالث ، فإنه يضيف لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي بعداً جديداً هو رفض إدراج ﺇتفاقيات المناخ ضمن المخاطر التي تهدد السلام العالمي ، و في الوقت ذاته إدراج حماية الاقتصاد الأميركي ضمن المرتكزات الكبرى . و أما العمود الرابع ، فإن الحديث عن صيانة المصالح الحيوية الأميركية ، و حول الشرق الأوسط تحديداً ، ضمن باب « الاستراتيجية في سياق إقليمي » ، فإن واشنطن  تبحث عن شرق أوسط ليس مرتعاً للإرهابيين الجهاديين ، و لا تهيمن عليه قوة معادية لأميركا  و أن يسهم في سوق طاقة عالمي مستقر . لكن وقائع العقود الأخيرة تشهد أنّ أجهزة الاستخبارات المركزية الأميركية و بترخيص مباشر من البيت الأبيض ، هي التي كانت وراء هندسة « الصناعة الجهادية » في أفغانستان  و التي سوف ينطلق « تنظيم القاعدة » لاحقاً في مشارق الأرض و مغاربها بعد خروج السوفيات من أفغانستان . أما إيران ، التي تشير إليها الاستراتيجية الجديدة مراراً ، فإنها لم تصبح قوة إقليمية مهيمنة إلا نتيجة الغزو الأميركي للعراق عام 2003. و معروفة ، أخيراً ، طبيعة السياسات النفطية التي ظلت واشنطن تمليها على المملكة العربية السعودية ، أو تفرض تطبيقها على العراق في ظل الاحتلال الأميركي .

هذه اللغة المثالية الأميركية  لم تكن تخفي حقيقة المضامين الفعلية المعاكسة التي تتخذها سياسات واشنطن ،  سواء في الداخل على أصعدة خيانة القيم الأميركية ذاتها ، وانتهاك الحقوق المدنية للمواطن والإخلال بالممارسة الديمقراطية ، أو في السياسة الخارجية و حروب التدخل العسكري في العالم الاسلامي و محاباة أنظمة الاستبداد و التخلف . كذلك ، فإن عبارات دونالد ترامب الفضفاضة لا تطمس وقائع السياسات التي تعتمدها الإدارة الأميركية الراهنة و تتسبب في اختلال علاقة أميركا مع العالم خارج المحيط ، و في عزلتها شبه التامة ، كما في انفرادها مع إسرائيل في نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة .

ختاماً ، إن ” الإرهاب لا دين له ” ، و دليلنا على ذلك أنه يستهدف الجميع بلا استثناء بغضّ النظر عن هويتهم و عرقهم و ديانتهم و جنسياتهم . الشرق المسلم يرفض أن تلصق تهمة الإرهاب بالإسلام ، و الغرب بمختلف دياناته يعمل على أن يجعل الإرهاب حصرياً بالإسلام ، رغم أن جرائم إرهابية اقترفها غير المسلمين تشكل أضعافاً مضاعفة لتلك التي اقترفها المسلمون ؛ سواء في الغرب أو في العالم الإسلامي .

المشكلة أن الإرهاب يمارس من طرف دول و أنظمة و حكومات و جيوش ، و لكن الأخطر مما في ذلك  هو طريقة التعامل مع هذه الظواهر الإرهابية من قبل المجتمع الدولي الذي صارت مقارباته الأمنية تتنافى مع السلم العالمي الذي يجب أن تحميه الأمم المتحدة حسب ميثاقها المعروف . الإرهاب الذي تمارسه الدول  و الذي  يجري الآن في العالم  من إدعاء في  الحرب على الإرهاب ، يجعل من أغلبية الدول الغربية متهمة بالإرهاب ؛ فبينها من تواطأت مع تنظيمات متشدّدة ، و أخرى دعّمتها و مولتها و صنعتها باجهزة مخابراتها ، و بينها من تسكت عن إرهاب أنظمة و حكومات لم تصنع إلا الإرهاب المضاد ، و أخرى تدعم جرائم الغزاة و المحتلين الذين يمارسون شتى أنواع الأعمال الإرهابية في دول يحتلّونها . هذا يقودنا إلى حقيقة واحدة هي : إن أصل المشكلة هي صراعات بشرية تحرّكها المصالح السياسية و الاقتصادية  و ليس للديانات أي علاقة بها ، و ان الدين يستعمل فيها غطاء لصناعة الإرهاب.

الإرهاب بالفعل ظاهرة معادية للإنسانية يمارسها الجميع من مختلف الديانات و الأوطان و الأعراق ، و كل طرف يحاول فقط تبرير إرهابه على طريقته الخاصة ، و على صعيد  دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية ، فهي تبرر ارهابها بنشر الديمقراطية و الأمن الأميركي ، رغم أن ما تفعله أكبر من مصطلح الإرهاب في حدّ ذاته . قضية التطرف و الإرهاب هي  قضية ممارسات و ليست فوبيا دين أو سياسة أو سلطة أو مال أو عرق أو قومية ، فمن يقترف جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم  إبادة جماعية  فهو إرهابي ، و لا يهم الأسباب التي دفعته إلى فعل ذلك ؛ سواء كانت دينية أو سياسية ، فكل القيم التي تستعمل في هذه الحالة هي ضحية هذا الإرهاب العابر للحدود و القارات .  للأسف الشديد الذين يعادون الإسلام يريدون أن يظل الإرهاب حكراً عليه ، و لهذا نراه يتمدّد و يتكاثر و يتشر و الضحية دائماً هو الإنسان .

                                                                        و شكراً لحسن استماعكم

اترك تعليقا