الرئيسية » حضاريات » في دلالة التطرف/ الغلو: قراءة في موارد ثقافة الالغاء

في دلالة التطرف/ الغلو: قراءة في موارد ثقافة الالغاء

يظهر من الإطلاق الأوّلي لمُسمّى التطرف أنّه يستحضر المعنى الذي يصله بطرف الشيء ومنتهاه، من جهة الحد والفاصل الأخير الذي يجعله في منأى عن الصلات مع ما يحاذيه أو يجاوره، فيفضي به إلى التقوقع والانكفاء الذاتي الداخلي، وحسبان ذلك هو المطلق والكلّ النهائي الذي يتضمن كلّ ممكنات الحياة وشروط الاستمرار بعيداً عن الآخر الذي يعتبر كائناً غريباً في مثويات التشكل الخاص، بما أنّ الطرف يحدّ في حيز أقصى، وكلّ ما عداه هو بعيد، ناء، غريب، غير مفهوم، لا يسمح له بالدنو والاقتراب. فما هو التطرف؟ وما منشأه الدلالي؟ وما علاقته بالغلو؟ وهل هما من مساق معنوي واحد؟ وأين التعصب منهما؟

1- في الاستعمال اللغوي ومنبثق المعنى:

يبرز التوصيف السالف في تداول اللغة للفظة طرف، ومنها أطراف الكائن، أي أعضاؤه البرانية المحددة لهويته الخارجية، والتي تجعله لا بمحاذاة أطراف أخرى، بل في تسوير ذاتي خاص. “طرف الشيء جانبه، ويستعمل في الأجسام والأوقات وغيرهما…، ومنه استُعير: هو كريم الطرفين أي الأب والأم، وقيل الذكر واللسان إشارة إلى العفة، وطرف العين جفنه، والطرف تحريك الجفن، وعبّر به عن النظر إذ كان تحريك الجفن لازمة النظر…، والطراف بيت أدم يؤخذ طرفه، ومطرف الخز، ومطرّف ما يجعل له طرف، وقد أطرفت مالاً، وناقة طرفة ومستطرفة ترعى أطراف المرعى كالبعير..، ومنه قيل مال طريف ورجل طريف لا يثبت على امرأة. والطرف الفرس الكريم، وهو الذي يطرف من حسنه. فالطرف في الأصل هو المطروف أي المنظور إليه كالنقض في معنى المنقوض…”[1]

بسوق المعنى المتداول في اللغة تنبو بعض التوظيفات الثقافية في الدلالة، من زاوية أنّ الطرف هو الأقصى، الحدود، الأصل، النأي، الحسن الملفت، المميز…، وهي كلها ألفاظ تتقاطع في بنية مفهومية متقاربة، تختص بالمورد الذي يجعل الشيء منفرداً، وتالياً يورث عنده حالاً من النظر إلى الذات بعين الرضا، والتعمق في المميزات الذاتية والخاصة، ما يجعله وكأنه الوحيد في نوعه، فيلجأ إلى أطراف المرعى الذي خصص له، فعوض الاندماج مع الباقين والبدء في استمداد الكلأ وما يتغذى منه غيره، فإذا به يتقصى الأطراف ويذهب إليها على غير العادة والمألوف، فيرمق بأنه غريب من ناحية ما يفعل، وأيضاً غريب لحسبانه أنه غير متكرر ولا يوجد له مثيل.

وفي تقدير التحليل، فإنّ المعنى الاصطلاحي للتطرّف يتغذى من هذه التوظيفات، وإن توارت الاستعمالات المختلفة وبادت في مضمار الثقافة الحديثة المباشرة، فكان التطرف معناه الاعتقاد بالتفرد، وعدم إمكانية وجود المطابق أو المشابه، فيولد في نفسيته العجب الذاتي، وفكرة تكريس التميز بعدم الاختلاط مع الآخرين لدنسهم، وكونهم يشكلون تهديداً دائماً ومستمراً عليه، ما يضطره إلى الدخول في تجربة الانقطاعات الدائمة عنهم، والمضي في استحضار كلّ الإمكانيات والأساليب الرمزية والنفسية والذهنية والسوسيولوجية التي تجعله في منأى عن الجميع، وبذلك يختار من المواقف أقصاها وأغربها وأشذها، ويبحث عن كلّ الموارد التي تجعل من اختياراته مخالفة ومناوئة للغير. فيؤثر العزلة والاختباء والانسحاب عن الجماعة التي ينتمي إليها، وإن وجد من يقاسمه التكريسات السالفة، فيضطر للانخراط معها، بداعي صعوبة تطبيق ما يراه بمفرده بعيداً عمّن يمكن، لذا في الغالب يتساوق التطرف والإلغاءات المتوالية، فحالما ينتهون من المختلفين عنهم، يوجّهون سهامهم لبعضهم بعضاً، فيشرعون في عمليات إبادة ذاتية بممارسة أكثر أشكال المحو قسوة، ومن هنا ينبثق الإرهاب والعنف، وهما المعادلان المركزيان للتطرف.

وبما أنّ التطرف/المتطرف بالوصف السابق، فإنه يعمل على خلق عالمه الخاص، والذي يعمقه بأحوال العزلة والانغلاق الدغمائي، ويعتقد بجملة من المسلمات التصورية والفكرية، وأكيد الوجدانية، التي تدفعه مع تكرارها واجترارها إلى الظن بأنها المنبع والمصدر الأساسي للحقيقة لديه، ما يقوده في النهاية إلى رفض كلّ الممكنات الأخرى من الفهم والاعتقاد، فيلجأ إلى أساليب الإكراه والقسر لحمل الغير على ما يظنه الحق”. والبشر ينقدون الشخص الذي لا يفكر مثل تفكيرهم، فالشخص الذي يفكر تفكيراً مخالفاً لتفكيرهم لم يكن يستطيع أن يعيش معهم، لأنهم كانوا يصدرون عليه حكم الإعدام…”.[2] فالتطرّف حالة مركبة، مرّة تمارسها جماعة ضد فرد، أو في مقابل أخرى، وأخرى يوظفها فرد في الحكم على غيره من المختلفين عنه، فيلجأ إلى عمليات الإكراه المستمر لجعل الغير موافقاً أو مطابقاً له.

وهنا يبدو أنّ مفارقة في التحليل قد تكوّنت، إذ من جهة أقررنا بعزلته وانغلاقه ونأيه بنفسه، وها نحن الآن نقرّ برغبته الشديدة في جعل الآخرين مماثلين له، إذا استوعبنا الجذر النظري لمفهوم التطرف، كسعي لتحقيق التنميط العام، وتعميم صورة موحدة للعالم على الصور الأخرى الممكنة، ما يدفع القائمين بذلك إلى تعميم رؤاهم ومعتقداتهم بوصفها الحق، على الأخرى بما هي باطل كلي. فعزلته نمّت عنده الظن بألمعية ما لديه من تصورات وإيمان، وقوّت لديه هاجس محو الفواصل بينه وبين ما عيش كمثاله الذي يسلم به، فيشرع حينذاك في الدعوة لمعتقده، وما يخالفه يعمد إلى مصادرته رمزياً، وفكرياً إن استطاع، وغالباً المتطرف لا يملك العدّة النظرية والسجالية التي تتيح له الوصول لبغيته، فينقلب إلى شخص من حقيقة أخرى تماماً، مستبدة، قاسية، عنيفة، مرعبة، مرهبة للكل، تقصد إلى تكرار ذاتها في الجميع، بما هو جميع يعبّر عن صورة واحدة، وحقيقة مغلقة لاغية. وهو ظاهرة تتحول مع الوقت إلى تصارع جذري، يقوم على القوة الدامية أحياناً، وعلى القتل المعنوي الرمزي الثقافي، وأطرافه “كل منهما ألغى الآخر، ولم يعترف بوجوده ويريد تصفيته، وكل منهما يريد إزالة اللاشرعية باللاشرعية، ولا فرق كبيراً من الناحية العملية من الذي بدأ”.[3] وفي النهاية يتدعم التطرف في حقيقته الماهوية بالصراع والمحو والإلغاء، كمبادئ تعيّن عمقه، وتبنيه، “وفي جو الصراع هذا بين شرائح الصراع…عملة التبادل هي الإعدام بين الطرفين، والإعدام يعني العنف…”.[4]

2- في المفهوم الدال للتطرف وتشكله:

ويبرز التطرف، قياساً للمعاني التي يحتويها مفهومه، كوضعية تاريخية عامة تنمّ عن حال ثقافي اجتزائي/احتوائي، ينطلق من ذهنية تفسر العالم بطريقة الاختزال والإلغاء، وتنتقي من المواقف أغربها وأشذها، وتحكم على المخالف بالمروق والخروج عن جادة الصواب والهداية، وتستند إلى مرجعية إقصائية، تبرر الأحادية، وتدفع بالمختلف إلى الانمحاء والتلاشي، مستعينة بأكثر الإجراءات قسوة وحديّة، وتستعمل المقدّس شعاراً وعنواناً تصدر عنه وتعمد إلى مناجزة الغير على أساسه، وتستميت في الدفع بالغير خارج دائرته، “فالعنف ليس مكوّناً من مكوّنات القداسة، بل هو تعريفه. فالعنف/المقدس عنف رمزي في جوهره.” [5]. وكونه رمزياً فهو يلقي على المخالف كلّ تبعات الإخراج من الدائرة المقدّسة، والتي لا تعدو أن تكون صورة العالم كما يسلم به القابع في أطرافها، فهو ساكنها الوحيد أو هكذا يجب.

3- في الغلو موقفاً تأويلياً للعالم:

ويقع استعمال آخر يدل على التطرّف، ويقود ماهوياً إلى العنف والإرهاب مثله، وهو الغلو، الذي يفيد “…تجاوز الحد، الذي هو الوسطية الجامعة لعناصر الحق والعدل من الأقطاب المتقابلة والمتناقضة..”.[6] فالمعاني إذن تتفق على وجود حد، وما يخرج عن نطاقه يدخل في التطرف، إذا كنا مفهومياً أو ما صدقاً أمام متقابلات، والوسط فيها أدنى المواقع والمواقف من السبيل القويم. أمّا إن كان بنية أحادية أو اشتمالاً عاماً يتشكل من عناصر كثيرة، فالغلو فيه تبني أقصى مفرداته بالنسبة للمركز، أو للقيمة الأم المولدة لغيرها. ومنه “الغلواء: تجاوز الحد في الجماح، وبه شبّه غلواء الشباب”[7] إذ كل جامح متخطٍ للحد متجاوز له، واندفاعته تقتضي اختيار ركوب الصعب، وتجنب اليسير من المواقف، واتهام كل من خفف بالقاعد المتقاعس، لذا شدد القرآن على أهل الكتاب: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) سورة المائدة، آية 77.

ومعنى الغلو هنا من كان غالياً، “والغالي المتجاوز للحد بالإفراط، ويقابله القالي في طرف التفريط.. وتقييد الغلو في الدين بغير الحق ـ ولا يكون الغلو إلا كذلك- إنّما هو للتأكيد وتذكير لازم المعنى مع ملزومه لئلا يذهل عنه السامع، وقد ذهل حين غلا أو كان كالذاهل”.[8] ونلاحظ أنّ التطرف عندما يبلغ مداه يصيب المبتلى به بنوع من العماية التي تجعله في ذهول عن أمر غيره، وينعقد في قلبه ارتباط وثيق لا يفك، حيث بين ما يقرّه وبين الحق لا فرق، إذ هو هو، وهنا نجده يجيز لنفسه المغالاة بدعوى التعصب للحق والاستوثاق به، وهذا ما جعل بعض المفسرين ينظر إلى الغلو في السياق الإيجابي، على غرابة ذلك، “لأنّ الغلو في الدين غلوان: غلو حق وهو أن يفحص عن حقائقه ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد رضوان الله عليهم، وغلو باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه…”.[9] ويمكن الاستدراك على التحليل السابق، بوصل القرآن بين الغلو في الدين، واتباع أهل الضلال من السابقين الذين تخطوا سواء السبيل، فكل خروج عن السبيل السوي دخول في الغلو الذي يجعل صاحبه غالياً مختاراً لغير المقبول وغير المألوف.

4- في العنف موقفاً سلوكياً إزاء الآخر المخالف:

ويتقدّم بنا التحليل المفهومي خطوة، إذ نعتمد على مصطلح آخر يلتقي ماهويّاً مع التطرّف، سواء في الانتساب والالتزام والاختيار، أو في الإظهار والإلقاء على الغير، ومحاولة حمله لاعتقاد ما عليه المتطرف، وأقصد العنف، كوجه ظاهري من التطرف، وهنا أشير إلى ضرورة أني أعتمد مسمّى التطرف كمقولة تفسيرية مركزية في البحث، وأعتمدها كحالة شاملة كما عرفتها، لكنها تتخذ أشكالاً متعاقبة ومتداولة، بحسب الداعي، وباعتبار الموقف. وهنا يكون العنف “تعريفاً هو خطاب أو فعل مؤذ أو مدمّر يقوم به فرد أو جماعة ضدّ أخرى”.[10] والسبب الذي جعلنا نعتمد التعريف السالف ووصله بالتطرف، كون الأخير يلجأ إلى استعماله كقوة محطمة للمخالف، ورفضه بالإقصاء الرمزي، وتكفيره واتهامه بكل الوسوم التي تجعله خارجاً عن الحوزة التي تشكل الصورة المثلى لجماعته، كما هو حال بعض الجماعات السلفية الطهورية التي تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، وما عداها يخرج عنها، وتالياً تسوّغ لنفسها الاعتداء عليهم، وتسبب الألم المعنوي لهم، وكذلك الجسدي، بنوع من السادية الناشئة عن قتامة النفسيات المنمّة عن الذهنيات الأحادية المقفلة.

فالعنف كالتطرف ليس مصمتاً أو مغلقاً من جهة البنية، فهو مفتوح التشكل، لأنّ ظواهر عديدة تدل عليه ولا تختزله، بل تذهب به إلى أفق تكويني آخر، ويتراءى بحسب التطور التاريخي للمجتمعات، وتعقد الظواهر الثقافية وكثرة التأويلات الملقاة في وجه التجربة البشرية، وهنا “نطلق اسم العنف على ما يلي: أ- كلّ ما يُفرض على الكائن بحيث يكون متناقضاً مع طبيعته. ب- كلّ ما يمارس بقوة حادة ضد ما يشكل عائقاً بالنسبة إليه: ريح عنيفة، صدمة عنيفة، انفجار عنيف. ج- نستعمل كذلك كلمة عنيف عندما نتحدث عن الأحاسيس أو الأفعال، بل حتى عن الطباع، والتي تلتقي في فكرة واحدة، ألا وهي وجود اندفاعات تنفلت من قبضة الإرادة. د- نستعمل كلمة عنيف عندما يتعلق الأمر بشخص أو بطبعه؛ ونعني ذاك الذي يتصرف بطريقة عنيفة ضدّ كل ما يقاومه. هـ- كلّ ما يحيل على العنف، فذاك الذي يعمل من أجل العدالة يعمل لما فيه مصلحة الجميع، أمّا أولئك العنيفون فلا يعملون إلا لما فيه مصلحة لأنفسهم، وفي بعض الأحيان يكونون في نهاية المطاف عنيفين ضد ذواتهم”.[11]

إنّ بسط المعاني التي سقناها جميعاً لنعبّر بها عن ماهيّة التطرف تسمح لنا بتكوين نوع من الدلالة العامّة والمركبة، التي تجعلنا نقرّ بأنّ التطرّف موقف إزاء العالم ككل، خاصة ما يظهر أنّه مختلف ومباين ومتنوع، ذلك أنّ المغالاة أو الغلو أو الغالين لونٌ من التأويل يقبض على المعنى ويسجنه في وجهة نظر محددة، ويدّعي لها الإطلاق والكمال، وينفي ما تحمله الدلالة المفتوحة من صور قد تنطبق على الظاهرة أو الفكرة، لذا يتأول المغالي بمغالاته، أي يجاوز الحد المعقول في الفهم، بادعاء الفهم الواحد الأوحد، ويزعم المطابقة الأولية والنهائية في الوقت نفسه مع المصدر المؤسس، بما هو ناطق عنه وممثل له، ومصادر للحقانية العامة والخاصة، وينفي عن الآخرين المقدرة في تحصيل ما يعبر عنه هو، تحت عناوين ومسميات مختلفة. فالغلو شكل من الفهم والتأويل.

أمّا العنف فهو الوجه الظاهر للغلو، حال يشرع المغالي في بسط نفوذه الرؤيوي على الآخرين، ويعمد إلى استعمال القسوة والإكراه في حمل الغير على معتقده وما يراه أنه الحق، من دون الحاجة إلى إيجاد مسوغات وتبريرات تشرعن للمخالف تلقي فكرته بالقبول أو الاستحسان، فقط لأنه يقول الحق، على الجميع التسليم، وإن رفضوا امتدت يده إلى أقرب أداة مولدة للألم، وموجدة للخوف، أو منشئة له، حتى يؤكد على تفوق فكرته. ومنها يتولد الرعب الممنهج واستعمال القوة تحت أي ذريعة، سواء كانت مقبولة أو غير مقبولة. “إنّ استخدام الإكراه من قبل فرد أو جماعة قد يصنف عنفاً أو سلوكاً عنيفاً عندما لا يكون مشروعاً بوساطة القيم والأعراف الاجتماعية”.[12]فالمعنى هنا يدل على خروج/تطرف حالما تقر الجماعة شأناً اتفاقياً تشاورياً عامّاً، منبثقاً عن عرف تراحمي أو مسلك تعاقدي، فإنّ كلّ من يلجأ إلى مصادرة الإرادة العامة، باسم تقويم اعوجاجها، يقع رأساً تحت عنوان العنف غير المبرر، أو الذي يقود إلى زعزعة التركيبة العامة المتوافق عليها، وهذا عينه ما يقودنا إلى التفكير في الشكل الآخر للتطرف، وأقصد به الإرهاب، بمستوياته ودوائر امتداده، وكيفية حضوره وفعله في النطاقات الواسعة والضيقة على السواء.

إنّ التوسع المتعمد الذي وقفنا خلاله عند التقاطعات المفهومية العديدة، مبعثه أنّ الممارسة التطرفية تنشأ من مخيال ذهني، ومن رصيد نظري واعتقادي تحمله الجماعة/الفرد العنيف، ويمارسه في حق الغير، وهذا عينه ما أربك المدونات الفكرية والثقافية المختلفة لفهم الإرهاب ووضعه تحت مشرط بعينه، فجاءت تعاريفه مختلفة، بعضها تحت قبة السياسة، وآخر من مشرع قانوني، وثالث ولدته المنظورات الفلسفية وأدوات العلوم الإنسانية… وهكذا، لذا نلحّ على القارئ ألا يتناول ما نثبته على أنّه محيط تماماً، فقط نحن نشير إلى بعض العموميات الدالة عليه، تمهيداً لتخصيص تحليلات معمقة عليه في دراسات يتناولها متخصصون في ميادينهم، رغم الخطورة المنبثقة عمّا يسمى بالتخصص. فالإرهاب ينعته السياسي بأنه الحرب غير المشروعة، ووصفته الاتفاقية الحقوقية الدولية، كما هو الشأن لاتفاقية جنيف لقمع ومعاقبة الإرهاب، بأنّه الأعمال الإجرامية الموجهة ضد دولة ما، وتستهدف، أو تقصد بها، خلق حالة رعب في أذهان أشخاص معينين، أو مجموعة من الأشخاص أو عموم الجمهور. فهو تعريف يتجاوب مع أخرى في تحديد الماهية المرعبة له، وهدفه تحقيق حالة السلبية والسكون الممهدة للسيطرة وتعميم طموحات القائم على العمليات المختلفة له، ومن المعاني الوافية تلك التي اعتمدتها المنظمات الحقوقية العربية، حالما عرفته بـ: “…كلّ فعل من أفعال العنف أو التهديد أيّاً كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم او تعريض حياتهم وحرياتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر”.[13]

5- المفهوم الأساسي للتطرف:

وهنا ننتهي إلى خلاصة مفادها أنّ التطرف الديني هو مجاوزة الحد في فهم النصوص، وادعاء احتكارها، ومصادرة الحقانية الثاوية فيها، وتعميم الفهم المنبثق عن ذلك على كلّ المختلفين والمخالفين، داخل دائرة الانتماء المغلق أو المفتوح، ويعمد دعاته إلى توظيف كلّ الوسائل والأدوات المعنوية الرمزية، والعنيفة القائمة على القوة غير المشروعة، والدخول في حالة توجس ورفض واحتراب مع الجميع، بقصد بلوغ لحظة الحياة اليوتوبية، التي يضعونها في سياق استئناف الحياة الأولى التي عاشها المؤسسون، بما يتطابق وشكل بعينه من الفهم والسلوك والعمل. وهنا نجد أنّ التطرف الديني هو ما يتغذى على غلو في الفهم، يترجم في مظهر عنيف خاص وعام، ويتوسل لبلوغ مقاصده وسائل الإرهاب العابر للقيم والأعراف والمواثيق والموازين المألوفة.


1 الراغب الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق يوسف الشيخ، بيروت: دار الفكر، 2010، ص 227

2 جودت سعيد: لا إكراه في الدين، درسات وأبحاث في الفكر الإسلامي، دمشق: العلم والسلام للدراسات والنشر، ط01، 1997، ص 11

3 خالص جلبي: سيكولوجية العنف واستراتجية الحل السلمي، دمشق: دار الفكر، ط01، 1998، ص 22

4 المرجع نفسه، ص 22

5 نور الدين الزاهي: المقدس الإسلامي، الدار البيضاء: دار توبقال، ط01، 2005، ص 92

6 محمد عمارة: مقالات الغلو الديني واللاديني، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، ط01، 2004، ص 07

7 الراغب الأصفهاني: المرجع السابق، ص 275

8 محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط01، 1997، ج 06، ص ص 76-77

9 الزمخشري أبو القاسم: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، بيروت: دار ابن حزم، ط01، 2012، ص ص 347-348

10 باربرا ويتمر: الأنماط الثقافية للعنف، ترجمة ممدوح يوسف عمران، الكويت: ط01، المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، ط01، 2007، العدد 337، ص 11

11 أندري لالاند: موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة خليل أحمد خليل، باريس بيروت: مكتبة عويدات، ط 02، 2001، ص 1554

12 باربارا ويتمن: الأنماط الثقافية للعنف، مرجع سابق، ص 74

13 أمل يازجي ومحمد عزيز شكري: الإرهاب الدولي والنظام العالمي الراهن، دمشق: دار الفكر، ط02، 2010، 64-66

الحاج او حمنة دواق

مؤمنون بلا حدود: ١٣-٤-٢٠١٥

اترك تعليقا