الرئيسية » سياسة واقتصاد » فيتالي ناؤومكين حول العدوان الثلاثي الجديد على سوريا

فيتالي ناؤومكين حول العدوان الثلاثي الجديد على سوريا

ضمن ضرب الولايات المتحدة وحلفاؤها لسوريا تأثيرا استعراضيا محدودا فقط، وتحقق لأنه وكما في جميع الحالات الكثيرة السابقة للقصف غير القانوني  لدول  ذات سيادة ( يوغسلافيا والعراق وليبيا وغيرها) تظاهر الحلفاء بقوتهم العسكرية، وبوقاحة لا مثيل لها، الاستعداد لعدم إعارة وزن للقانون الدولي. وجزئياً أيضا لأن الدفاعات الجوية السورية دمرت الكثير جدا من الصواريخ. وهذا نصر لروسيا. أن الأسلحة التي زودنا سوريا بها أدت مهمتها على أحسن وجه، كما يرى خبير نادي ” فالداي” المدير العلمي لمعهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية الاكاديمي فيتالي ناؤومكين: 

     

ليس هناك ما يثر الدهشة في حقيقة إن أي تحركات من الغرب ضد دمشق يتم النظر إليها في روسيا كأدوات للصراع مع بلدنا، التي أصبحت في السنوات الأخيرة اللاعب الرئيسي تقريبا في الشرق الأوسط.

 في خطاب تيريزا ماي بعد بدء ضرب الجمهورية العربية السورية لفت الانتباه تنويه ( في سياق حديثها عن الهدف المزعوم لتحرك التحالف العسكري)  يتعلق بمنع استعمال الأسلحة الكيميائية في” أراضي بريطانيا العظمى” أيضا. وهذا دليل على أن المشارك البريطاني في “العدوان الثلاثي الجديد” يربطه بالحملة ضد موسكو، التي تواصل لندن بصورة غير معقولة اتهامها بالاستعمال المزعوم للأسلحة الكيميائية في الأراضي البريطانية.

 استغرب من أن الإنجليز لا يرون  العدد الكبير من التناقضات في فرضياتهم في حكايات سيرغي سكريبال  وابنته يوليا واستخدام الأسلحة الكيميائية سيء الصيت من الجيش السوري. وانه أمر غريب لأن بريطانيا هي اكثر الدول خبرة في استعمال الأسلحة الكيمائية في الشرق الأوسط. بالطبع هذا كان هذا في الماضي . ويصادف 17 أبريل مرور 101 عام من بدء الجيش البريطاني استعمال الكلور ضد الجيش التركي في فلسطين خلال ما يطلق عليه ” المعركة الثانية” في غزة. وفي الحقيقة لم يكفل لهم هذا النجاح العسكري، ( وهو أيضا درس مثير للاهتمام) . ويتذكرون هذا في الشرق الأوسط، على الرغم أن من الأسلحة الكيميائية تم حظرها وفق بروتوكول جنيف لعام 1925. بيد إن الإنجليز استخدموا الأسلحة الكيميائية حتى بعد الحرب العالمية الأولى في أغسطس 1919 خلال التدخل في شمال روسيا، وفي 1920 ـ ضد العراقيين الذي شاركوا في ثورة العشرين. ومن الإنصاف أن نشير إلى انهم وكما نعرف لم يكونوا وحدهم في هذا.

 لقد قيل الكثير عن تدخل الحلفاء الحالي، ولكننا نحتاج إلى بعض الوقت لفهم  كل تفاصيله. إن قصف الولايات المتحدة  وحلفاؤها لسوريا ضمن  تأثيرا استعراضيا  محدودا فقط . وتحقق لأنه وكما في جميع الحالات الكثيرة السابقة للقصف غير القانوني  لدول ذات سيادة ( يوغسلافيا والعراق وليبيا وغيرها)  تظاهر الحلفاء بقوتهم العسكرية، وبوقاحة لا مثيل لها وبالاستعداد بعدم إعارة وزن للقانون الدولي. ومحدود ايضا لأن الدفاعات الجوية السورية دمرت الكثير جدا من الصواريخ. ( وهي ليست أكثر الأنظمة حداثة ولا تطورا، وجرى إنتاجها  في روسيا/ الاتحاد السوفياتي قبل ثلاثة عقود مضت ـ ووفقا لوزارة الدفاع الروسية فقد أسقطت 71 من بين 103). بالنسبة للأمريكيين هنا فقط  حقيقة إن شركات  المجمع العسكري الأمريكي ستحصل على عدد كبير من الطلبيات الجديدة  لإنتاج ” توماهوك”. وأغلبية الضربات أُنزلت، ببُعد نظر، من ناقلات في البحر والجو ترابط خارج الأراضي  السورية

 وهذا نصر لروسيا. إن الأسلحة التي زودنا سوريا بها أدت مهمتها على أحسن وجه. ، ربما  تعين على العسكريين الروس ،على أساس اتفاقات التي يمكن فقط التخمين بوجودها عدم الانجرار في العمليات العسكرية والالتجاء إلى استعمال  الأنظمة الأكثر تطورا المضادة للأهداف الجوية أس ـ 300 وأسـ 400. وبأعجوبة لم تؤد الضربات الصاروخية إلى وقوع ضحايا ليس فقط بين العسكريين والاختصاصيين المدنيين الروس ولكن بين العسكريين السوريين. حقا إنها بعثت على ابتهاج وسط المسلحين، الذين عقدوا الآمال على أن مهزلة استخدام الأسلحة النووية ستنجح في تكرار واشنطن وحلفاؤها إجراء حملة عسكرية جديدة.

وفي نفس الوقت شعر قادة الجماعات المسلحة بخيبة أمل من تصريح الرئيس الأمريكي عن أن هذا العمل لا يهدف إلى “تغيير النظام” والى جانب ذلك يحمل طابعا واحدا تأديبيا وتحذيريا. واذا لم يتيسر مرة ثانية إتهام أسد باستعمال الأسلحة الكيميائية، سيتساءلون: يعني في الوقت الذي اظهر قوته وانتصر في الغوطة الشرقية يمكن أن يتحرك بثقة اكبر؟ من المهم أن موسكو يمكن أن تعود الآن إلى مسألة تزويد سوريا بمنظومة أس ـ 300 التي امتنعت عنها مراعاة لقلق بعض الشركاء (إسرائيل).

وتجدر الإشارة إلى انه وعلى الرغم من الخطاب الحاد، أبدت جميع الأطراف المتخاصمة بدرجات متفاوتة خلال الأحداث ضبط النفس والمسؤولية ولم تسمح بالتصعيد. أن روسيا  مازالت لحد اليوم واستنادا إلى البيانات التي ادلى بها المسؤولون، تنوي التحرك حصرا بالأساليب الدبلوماسية وليست العسكرية. وحتى بين حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط يتعزز  دم الرضا عن تحركات واشنطن غير القانونية، ومبادراتها الخاصة : يتخذون في الشرق الأوسط موقفا سلبيا من انتهاك اللاعبين العالميين لسيادة الدول، وحتى لو أن بعض جيران سوريا وإيران أرادوا من الناحية التكتيكية اضعافهما.

ومع ذلك فقد تمكن التحالف الثلاثي ولو جزئيا تحقيق احدى المهام التي وضعتها قياداته: دق اسفين في العلاقات بين الأطراف ” الثلاثة”: روسيا وتركيا وإيران. إن القيادة التركية وكما كان يمكن التنبؤ به، أيدت الضربات المحدودة بالأهداف السورية. ولكن، بالمعنى الدقيق للكلمة كان من المستحيل، وقبل ذلك، إخفاء الاختلافات في مواقف الدول الثلاث حيال المشكلة السورية. إن واقع، حفظ  شكل تعاونها كدول ـ ضامنة، وعلى الرغم من هذه الاختلافات، واستمرار تطوره، يُفَسَر أساسا بدور روسيا الحيوي في التماسك والتوجيه بمهارة في المنعطفات الخطرة من خلال دبلوماسية عملية أستانا  والديناميكية القوية للعلاقات الثنائية القوي.

                                                بصدد  “العدوان الثلاثي”

انضمت  بريطانيا وفرنسا في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 1965 إلى إسرائيل، التي بدأت بالعمليات العسكرية ضد مصر، التي أمم زعيمها قبل ذلك بقليل قناة السويس. وقصف أعضاء التحالف خلال الحملة الحربية التي أُطلق عليها “العدوان الثلاثي” القاهرة والإسكندرية ومدن منطقة القناة. والان حينما بدأ في 14 أبريل 2018″ عدوان ثلاثي جديد” على دولة عربية، فان التشابه يفرض نفسه على البال.

وبالمناسبة  أن الحملة السابقة انتهت بالنسبة لمنظميها بصورة غير مشرفة. وليس من قبيل الصدفة يقولون أن التاريخ يُعلمنا بانه لا يُعَلِم أي شيء. ويختلف العدوان الجديد عن العدوان الأنجلو ـ فرانكو ـ إسرائيلي، إن أطرافه أصبحت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. ولم تشارك إسرائيل في هذه الأحداث، بالرغم من عدائها المعروف لدمشق. بالإضافة إلى ذلك إن موقف الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة   كانت قريبة من بعضها، وهذا أمر غريب لحقبة العالم ثنائي القطبية1965 .

وما دمنا قد تحدثنا عن دروس التاريخ فلنتذكر حدثا آخرا من أحداث الشرق الأوسط. وقعت بتاريخ 14 يوليو/  تموز في العراق ثورة ضد النظام الملكي بقيادة عبد الكريم قاسم. وفهمها الغرب على إنها استمرار لإحداث قناة السويس وانتصار جمال عبد الناصر، وضربة كبيرة بمواقع الغرب، نظرا لأنه لم يعد وجود لحلف بغداد الموجه ضد الاتحاد السوفياتي.

لم يشاطر ايزنهاور مشاعر الذعر التي استولت على تشرتشل، الذي تنبأ بان الشرق بأسره سيكون قريبا تحت السيطرة السوفياتية، اذا لم يقم الغرب بتحركات حازمة. لقد كان يخشى من “تأثير الدومينو” الثوري على غرار ما كان يحدث في جنوب شرق آسيا. إن انزال 20 ألف من مشاة البحرية الأمريكية في لبنان لدعم الرئيس كميل شمعون الموالي للغرب وهبوط 6 آلاف من المظللين البريطانيين في الأردن لدعم الملك حسين فورا بعد القضاء على النظام الملكي في العراق، أكدت جدية هذه المخاوف. والان، بعد عامين من حرب السويس تحركت الولايات المتحدة وبريطانيا من جديد معا، وناقشتا إمكانية التدخل العسكري في العراق.

ولكن  وبخلاف  ماكميلان  لم يبدِ ايزنهاور الحزم باللجوء إلى القوة العسكرية :لم يشمل مذهبه في 1957 على إن الولايات المتحدة بالضرورة ستلجأ إلى استخدام القوة العسكرية  للإطاحة بالأنظمة العسكرية أو اليسارية. ومن الواضح أن الولايات المتحدة فضلت العمليات الاستخباراتية السرية على التدخل العسكري السافر. بالإضافة إلى ذلك أن الولايات المتحدة لم ترغب في فقدان رصيدها الأخلاقي الذي حصلت عليه في العالم العربي بعد حرب السويس. أن سمعتهم بدأت بالتدهور فقط في نهاية 1950 حينما انهم ومثل بريطانيا باتوا يتخذون موقفا مواليا لإسرائيل. بيد أن وزير الخارجية دالاس تحدث بصراحة عن ضرورة النأي بالنفس عن الاستعمار الأوروبي.

إن قاسم الذي ضرب قلب نظام الكتلة المعادية للاتحاد السوفياتي في الشرقين الأوسط والأدنى، والى ذلك أقام علاقات جيدة مع الشيوعيين المحليين، كان بالنسبة لموسكو مرشحا جيدا ضمن الحلفاء الجدد. لقد كانت الأزمة الدولية في عام 1958 المتعلقة بالعراق اكثر خطورة بكثير مما يُعتقد. لقد اعلن الاتحاد السوفياتي تحذيرات حادة مهددة من مغبة التدخل الأنجلو ـ أمريكي في العراق. ولم يكن تبني القيادة السوفياتية القرار بسهولة :أن التصور كما لو أن في تلك الفترة سادت وحدة الرأي في المكتب السياسي للحزب السوفياتي لدى مناقشة قضايا السياسة الخارجية، ارتبط حصرا في سرية مواد اجتماعاته.

وفي الوقت الذي ردد فيه مخاوف العسكريين التي عبروا عنها في 1957 اعلن المارشال فوروشيلوف  في الاجتماعات، عن عدم إعجابه بتوجه سياسة الحكومة السوفياتية في الشرق الأوسط، وان تكرار التهديدات المتواتر للغرب تفقدها قيمتها ( في إشارة إلى بياني الحكومة السوفياتية). واعتقدَ إن دعم الأنظمة التقدمية في الشرق الأوسط قد تكون له عواقب وخيمة على الاتحاد السوفياتي، وإثارة حرب مع الولايات المتحدة. ولم يرغب أعضاء المكتب السياسي الآخرون في الحرب، ولكنهم اعتقدوا إن افضل وسيلة لتجنبها هو تهديد الولايات المتحدة باستمرار. ودعم خروشوف  وجهة النظر هذه. وقال ميكويان إن الولايات المتحدة تدرس ما اذا كان عليها التدخل في العراق أم لا، وتربطه فيما إذا كان الاتحاد السوفياتي سيحارب لحماية هذا البلد. ( إن العراق سيء الحظ اصبح لاحقا لعدة مرات هدفا لأعمال الغرب العسكرية). واكد فوروشيلوف إن الغرب قرر التدخل لذلك لا ينبغي المخاطرة، حتى لا نصبح ملزمين بالدخول في مواجهة حربية سافرة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ويمكن الافتراض إن احتمال اصطدام القوى العظمى بسبب العراق كان حينها واقعيا تماما.  وكان الخوف من إمكانية التدخل الأنجلوـ أمريكي العسكري في أساس نداء خروشوف إلى قادة الدول الست في المؤتمر المنعقد في جنيف بتاريخ 22 يوليو. وجرى  اتخاذ قرار بتقديم المساعدات العسكرية للعراق، وتم توريد الأسلحة والمعدات العسكرية بمساعدة مصر. وفي الوقت نفسه نظرت القيادة السوفياتية بهدوء إلى  إرسال القوات الأمريكية والبريطانية إلى الأردن.

ولم يكن هناك توافق  بين الدول الغربية بشان قضية الاعتراف بالعراق. وحينما تم التخلي عن التدخل، رأت إنجلترا أن من الضروري الاعتراف بالعراق، حتى لا يجري دفعه إلى أحضان الاتحاد السوفياتي، ولكن الولايات المتحدة لم ترغب في الاستعجال حتى لا تثير استياء زعماء ايران وتركيا. ومع ذلك اعترفت الولايات المتحدة بالنظام الجديد. ولكن التقارب السوفياتي/ العراقي سار بكثافة، وتحت تأثير موسكو وافق قاسم على التعاون مع الشيوعيين العراقيين.

وانطوى عدم تناسق الأزمة العراقية على أهمية قصوى لخروشوف . وجرى تقيم اعتراف الغرب بالعراق كنصر سياسي للاتحاد السوفياتي، واصبح الزعيم السوفياتي يتحرك على الساحة الدولية بحزم اكبر، وظهر هذا بشكل متألق إبان الأزمة الكوبية ( حيث انتصر العقل السليم). وخلص إلى أن الغرب أراد إطاحة النظام العراقي، ولكنه تراجع تحت الضغط السوفياتي، وان الضغط السياسي القوي هو اللغة الوحيدة التي تفهما الدول المنافسة للاتحاد السوفياتي. وبهذه الشاكلة لعب العراق دورا هاما في الحرب الباردة. ويبدو أن سوريا ستلعب دورا مماثلا في الحرب الباردة الجديدة.

إن نقطة نهاية النزاع السوري وما يجري حَوله، ما زالت بعيدة المنال. بيد إن استخدام القوة العسكرية من طرف واحد لا يمكن أن يقرب اليوم الذي يتيسر فيه تسوية هذا النزاع.

 ترجمة د. فالح الحمراني

اترك تعليقا