الرئيسية » أخبار المجموعة » فنيامين بوبوف: أوراسيا ـ منطقة محورية في السياسة العالمية

فنيامين بوبوف: أوراسيا ـ منطقة محورية في السياسة العالمية

 تحدث منسق مجموعة الرؤية الاستراتيجية “روسيا ـ العالم الإسلامي”، مدير مركز الشراكة بين الحضارات بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، فينيامين بوبوف في مقالته لصحيفة  “نيزافيسيمايا غازيتا” ” اوراسياـ منطقة محورية في السياسة العالمية” عن أن التعاون بين روسيا وتركيا وإيران يكتسب وتائر سريعة.

“عُقد في ديسمبر 2016 لقاء سارع الكثير من وسائل الإعلام الغربية، وحتى الروسية، إلى تسميته  بغير الطبيعي، والقصير الأجل. والكلام دار حول أول اجتماع من نوعه لوزراء خارجية روسيا وتركيا وايران. حتى أن البعض لم يلبث أن شبك في النبأ استشهادا مقتبسا من عمل أدبي كلاسيكي يفيد بانه “لا يمكن في عربة واحدة جمع فرس وأيل أهيف بنير واحد”. وشدد معلقون آخرون على أن هذا ” تحالف غير طبيعي” ويمكن تفسيره فقط باعتبارات الحالة الراهنة، وسيكون مؤقتا، وخلاصة قولهم، هو أن مصالح موسكو وأنقرة وطهران تطابقت في هذه المرحلة بالصدفة، فيما يتعلق بوقف الأعمال القتالية في سوريا.

أن النجاح الواضح للاجتماع والتوجهات التي طرحت خلاله، للتحرك المنسق المشترك، أثارت هياجا حادا في العواصم الغربية، وليس من المستغرب انه وبدفع من السلطات، تنبأ الكثيرون أن أيام التحالف الجديد باتت معدودة، وانه سينهار نتيجة  المنافسة بينها التي ستؤدي بسرعة، ليس إلى تعارض مصالح البلدان الثلاث المشار إليها وحسب، بل وإلى توتر خطير بينها.

وأكدت الأحداث أن هذه التنبؤات لا تعدو غير إظهار المتمني في صورة الواقع، ويشهد على عدم فهم واضح لطبيعة التغيرات الجارية في منطقة الشرق الأوسط. وفي الواقع أن ذلك الاجتماع ـ كان علامة مميزة لإقامة هناك أشكال وهياكل للتعاون، ونموذجا للاتجاهات التي تترسخ في السياسة العالمية.

ومن المناسب أن نتذكر نظرية عالم الجغرافية الإنجليزي المشهور هالفورد ماكندر. ووفقا لنظريته فأن العامل الحاسم في مصير الشعوب والدول هو موقعها الجغرافي. أن الفضاء العظيم الداخلي يجعل اوراسيا تلعب دور المنطقة المحورية في  السياسة العالمية والتاريخ . وكتب ماكندر ” حينما نلقي نظرة سريعة على موجات التاريخ الواسعة، لا يمكن أن نتخلص من فكرة وجود ضغط محدد على واقعها الجغرافي، ان فضاء اوراسيا الواسع غير متاح للسفن البحرية، ولكنه في العصور القديمة مفتوح أمام جحافل البدو، ومدت اليوم فيه شبكة من السكك الحديدية ـ ألا تعتبر هذه بالضبط المنطقة المحورية للسياسة العالمية؟ فقد وجدت هنا، وما زالت قائمة، ظروف إقامة قوة عسكرية واقتصادية  متحركة… لقد حلت روسيا محل الإمبراطورية المنغولية. ومحل غارات مركز الطرد السابقة لشعوب السهوب حل ضغطها على فنلندا واسكندنافيا وبولندا وتركيا وبلاد فارس والصين. وتحتل في العالم ككل موقعا استراتيجيا مركزيا، شبيه بالمكانة التي تحتلها ألمانيا في أوربا. وبوسعها انزال ضربات في جميع الاتجاهات، بيد أنها يمكن أن تتلقى ضربات من جميع الاتجاهات…ومن غير المرجح أن تتمكن أي من الثورات الاجتماعية تغير علاقاتها الأساسية بالحدود الجغرافية اللامتناهية لوجودها…”.

روسيا وتركيا دولتان تقعان في اوراسيا، لا توجد نظائر لهما على الكرة الأرضية ( تقع 3% من أراضي تركيا في أوروبا، وتقع ثلث أراضي روسيا بأوروبا أما الباقي ففي أسيا). وينمو في الفترة الأخيرة التعاون مُتعدد الأوجه بين البلدين بوتائر سريعة. وتقوم الشركات التركية ببناء العديد من المشاريع في روسيا، وتزيد أنقرة من مشتريات الأسلحة الروسية، ويتصاعد عدد السواح الروس في منتجعات البحر الأبيض المتوسط، ويجري التخطيط لزيادة عدد السواح إلى 6 ملايين شخص في السنة، وهو امر واقعي اذا أخذنا بالاعتبار نظام إعفاء المواطنين الروس من تأشيرة الدخول لتركيا. وتجاوز عدد الزيجات المختلطة 100 ألف حالة. وتقوم روسيا ببناء منشآت استراتيجية في تركيا، من بينها أول محطة كهروذرية  بالبلاد في “اكوكيو”.

بطبيعة الحال أن  تاريخ  علاقات روسيا بتركيا غير مفروش بالورود: فعلى مر القرون كانت هناك العديد من الحروب الكبيرة والصغيرة. ولكن  التاريخ كعلم، ومن هناك تأتي أهميته، يُعَلِم الأطراف المتحاربة تجاوز الماضي دون تكرار الأخطاء، وتدعيم العلاقات الطيبة. ومن المستحيل الآن عدم رؤية التشابه بين روسيا وتركيا في أن كليهما تستهدفان الاندفاع بحيوية ونشاط إلى الأمام، وفي سعي الشباب لخدمة بلدهم وإتقان تقنيات جديدة.

واليوم هناك كل الأسس للقول أن التاريخ والجغرافية تقومان بعملهما الجيد: على الرغم من كل التعقيدات والعثرات في العلاقات بين روسيا وتركيا، فان الرغبة في التعاون والتفاعل في مواجهة التحديات والمخاطر الحديثة، تخمد إلى حد كبير من مشاعر الشك والحذر.

كما أن انضمام ايران إلى التحالف الثنائي يبدو طبيعيا: وأعطت الأحداث المأساوية في سوريا دفعة قوية لهذا. أن الأساس الأوراسي  للتعاون متعدد الأطراف بين هذه الدول الثلاث، سيتضح مستقبلا بشكل متزايد.

كما تتزايد مساعي البلدان الثلاث لتوسيع التعاون أيضا تحت تأثير انتهاج الغرب وبصورة فظة سياسة الضغط وانتهاك معايير القانون الدولي، والتدخل في الشؤون الداخلية. واقتنعت روسيا  وتركيا، بضرورة انتهاج سياسية مستقلة والدفاع بقوة عن مصالحها.

أن ايران في نظر الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، هي تجسيد ” الشر العالمي”. وتتعرض روسيا لضغط غير مسبوق، وتدرك تركيا بصورة متزايدة أن فرص الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي، لا تكاد تذكر، وان العلاقات مع واشنطن، التي تدعم الأكراد، سوف تكون دائما مؤلمة لأنقرة.

وعند النظر إلى أفق التعاون بين روسيا وتركيا وايران، ينبغي الأخذ بالاعتبار موجة النفور من الإسلام التي تتصاعد في الغرب، الأمر الذي يمس الوضع في هذه الدول( يبلغ عدد مواطني روسيا المسلمين اكثر 20 مليون نسمة ).

أن انتماء الدول الثلاث إلى العالم الإسلامي هو بلا شك عامل مهم لزيادة التنسيق للعمل ليس فقط في المنطقة، في قارة اورواسيا، ولكن في جميع أنحاء العالم “

 المصدر: فينيامين فيكتوروفيتش  بوبوف:” اوراسيا ـ منطقة محورية للسياسة العالمية”، صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا”، 2 أبريل عام 2017

ترجمة د. فالح الحمراني

اترك تعليقا