الرئيسية » أخبار المجموعة » ” فلسفة وإبداعات جنكيز ايتماتوف العميقة، تركت بصماتها في مختلف أرجاء العالم”

” فلسفة وإبداعات جنكيز ايتماتوف العميقة، تركت بصماتها في مختلف أرجاء العالم”

بروفيسور سهيل فرح

ترجمة د. فالح الحمراني

يسر أسرة التحرير أن تنشر تباعا عدد من المداخلات التي ألقيت في الملتقى الدولي الذي قام بتنظيمه كل من المجموعة الاستراتيجية روسيا – العالم الإسلامي ومركز الأبحاث والفنون والثقافة الإسلامية في مدينة أستبول بتاريخ 23-24 أبريل 2018 .  معظم مداخلاته تركزت حول إبداعات أيتماتوف ودورها في الحراك الحضاري بين مجموعة الشعوب التركية من جهة وبينها و بين سائر الحضارات. و نشرع اليوم بنشر المداخلة التي قدمها باللغة الروسية في المؤتمر رئيس تحرير موقعنا عضو أكاديمية التعليم الروسية البروفيسور سهيل فرح ، وقام بتعريبها عضو أسرة التحرير الدكتور فالح الحمراني.

كثيرا ما نسمع اليوم عبارات: “حوار الثقافات” الحوار بين الحضارات” وغالبا ما يتم نسيان كلمات دمتري ليخاتشوف :أن الناس انفسهم يجرون هذا الحوار. ما هي الصفة الروحية للإنسان ـ على شاكلتها يكون حوار الحضارات والشعوب والأديان. أن العالم المعاصر بحاجة إلى شخصية إنسان رفيع الثقافة، قادر على تحمل المسؤولية والانضباط الأخلاقي، وعلى صيانة ثقافاته وثقافات الآخرين” كقيمة شخصية”.

يُعد جنكيز ايتماتوف ممثل للثقافة التركية، التي تشكلت فيها تاريخيا أفكار الخير والواجب والضمير والعدالة لجميع سكان الأرض. إن “التنغرية” كانت العامل الحاسم في تحديد عقيدة الأتراك، لقد فهموا الزمن كوحدة لا تنفصم عن الأرض والسماء والقمر والشمس (السماء تسمى ” سقف” العالم، حيث كل يوم تولد الشمس ومعها يولد القمر) وبعض الشعوب أقامت الطقوس المتنوعة وقامت بتبجيل بشكل خاص الشمس الطالعة: كل صباح تبزغ ساطعة من الشرق وكل يوم تهبط في الغرب في مملكة الأموات. في هذا الوقت يولد القمر ويُعيد مسار الشمس: كل صباح تولد الشمس، وكل مساء يولد القمر (جميع الناس ـ أبناء الشمس البيضاء، أبناء السماء، أبناء الأرض).

وبهذا السياق كان جنكيز أيتماتوف يؤمن، بان انتشار القيم الروحية لهذه الثقافة القديمة في الفضاء الأوراسي، سيساعد على حل العديد من المشاكل والتناقضات المعاصرة.

وكتب: “إلهي ما أعظم خلق الأرض! وربما الشمس موجودة من أجل الأرض التي يسكنها الناس، وبخلافه ما الفائدةَ من كل ذلك؟ العالم بحاجة للإنسان ـ لذلك فانه موجود، كي يدركه الأنسان. ولذلك فان الإنسان موجود. وبعكسه ما فائدة كل هذه المجرة، وأي معنى لها؟”. ومن دون شك أن أيتماتوف حلمَ ليس فقط في توحيد أحفاد القبائل التركية والبحث عن وحدة اللغة (على سبيل المثال نشير على تأليف قاموس موحد للأتراك، الذي لعب الكاتب فيه دورا كبيرا) الشيء الرئيسي هو تربية إنسان  قادر على أن يعيش حياته وفق قوانين الكون. وكتب جنكيز ايتماتوف في 1993 في مجلة World Literature “Today” الأمريكية:” أن فن التأمل في عقلية الشرق يضع الحقيقة فوق الواقع، مقتربا إلى اعلى مستوى من الانسجام الذي هو مصدر الهام الإنسان الباحث عن نفسه في العالم المحيط به. لقد أطاح الفكر الغربي في عصر النهضة بصوره الله من أعلى عرش الكون، ونصب الإنسان مكانه، حتى الآن أطاحوا به من العرش لكونه غير جدير به، وأبقوه في وضع صعب. إن التفكير الشرقي بخلافه عن الغربي، يرى في الأنسان ذلك الكائن الذي سوف يعيش بانسجام مع العالم ووفقا لقوانين الكون والطبيعة”.

إن الإحساس المرهف بالتوحد مع الطبيعة، اصبح أساسا لفهمه لقوانين وحدة العلاقات المتبادلة بين كل ما هو حي على الأرض، التي عند انتهاكها ينهار نظام الكون ويفقد الأنسان جذوره، وانتماؤه القومي والذاكرة، والعقل ـ يتحول إلى  “مانكورت”، مستعد لأن يضع على المقصلة البشرية بأسرها وكوكبنا والمجرة بأكملها (” وجها لوجه” و” المقصلة” و” يطول اليوم اكثر من قرن”).

ليس من قبيل الصدفة أيضا البناء الموسيقي/ العاطفي الخاص للكثير من أعمال جنكيز ايتماتوف ( نبرة الكلمات وصدح الأغاني الشعبية أو الآلة الموسيقية القومية وقوانين تطور الفكر الموسيقي). إن أفكاره معروفة بصدد الموسيقى كقوة “تزيد عشرات المرات” الأرواح المغنية، كروح الإنسان الساعية نحو” قمة عظمته الخاصة”. (المقصلة). وهذا أيضا إظهار روح الشعب والخصائص النفسية للبطل، والفكرة المهيمنة، وتعددية أصوات الأعمال المسرحية التي أتاحت الموسيقى فيها التقاط جوهره الروحي الحقيقي.

وجدت فلسفة جنكيز أيتماتوف العميقة وإبداعاته، انصارا لها في معظم أنحاء العالم، ووحدت الناس من مختلف الطبقات والثقافات والأعراق والأديان.

ويجري تأسيس جمعيات وصناديق دولية، وتُعقد المنتديات والمؤتمرات، وتصدر الكتب في مختلف لغات العالم، وتوضع المسرحيات وتصور الأفلام … أن هذا ليس فقط استمرار لحياة مؤلفات جنكيز ايتماتوف ـ إنها فرصة للفهم، مع مرور الزمن، وبشكل افضل مغزاها وفكرها، وهذا هو استمرار لأنشطة تعميق و تعميم ثقافة السلام، إنها فرصة وقد تكون الطريقة الوحيدة لصيانة البشرية في ” نظام موحدـ كامل اجتماعي ـ كوني”.

رئيس التحرير: بروفيسور سهيل فرح

اترك تعليقا