الرئيسية » حضاريات » فسيفساء الصين اللغوية.

فسيفساء الصين اللغوية.

كيف تُدرس لغات الأقليات في الصين وكيف يتم الحفاظ عليها.

في عصر العولمة وتكنولوجيا المعلوماتية باتت لغات الأقليات ولهجاتها مهددة بالإنقراض في شتى دول العالم. نهاية شهر أكتوبر 2018 وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على قرار لإنشاء «صندوق الحفاظ على لغات شعوب الاتحاد الروسي ودراستها». الصين من الدول الرائدة في هذا المجال، اذ قامت وتقوم بخطوات نشطة في هذا الاتجاه. اللهجات في اللغة الصينية المعاصرة مختلفة كاختلاف اللغات الأوروبية في القارة العجوز. ولا يفهم الصينيون المتحدثون بلهجات مختلفة بعضهم بعضا أحيانا. وتتبع لغات بعض الشعوب القاطنة في مناطق مختلفة من الصين إلى مجموعات لغوية مختلفة.

الكتابة الصينية في القرن الواحد والعشرين.

مع نهاية الثورة الثقافية أواخر السبعينات من القرن الماضي، وبداية فترة «الإصلاح والانفتاح» مُنحت السياسات اللغوية والقوانين التي تحكمها اهتماما بالغا في الصين، كما حظيت أبحاث اللغة وتعليمها بعناية خاصة من قبل السلطات في شتى أرجاء البلاد.

الكتابة الصينية المعقدة بالهيروغليف التي وحدت الصين لآلاف السنين دخلت في عصر تكنولوجيا المعلومات بسلاسة وسهولة وتكيفت فيه رغم التنبآت المتشائمة التي كانت تخشى من عدم حدوث ذلك.

اذ يقدر عدد مستخدمي الإنترنت في الصين باللغة الصينية ب 802 مليون مستخدم.

يعمل مئات الخبراء في بكين وفي المدن الأخرى في إطار برنامج الحفاظ على الإرث الثقافي غير المادي براعية منظمة اليونيسكو.

وقد أنشأت قواعد بيانات ضخمة لا مثيل لحجمها في العالم، تضم معلومات عن شتى اللهجات الصينية وعن عشرات لغات شعوب الصين.

نهاية العام الماضي قامت اللجنة الحكومية الصينية المعنية بشؤون اللغة والكتابة بتكوين موقع في الإنترنت يحتوي على مراجع لغوية وأبحاث متعلقة بها.

بعد الإعلان عن مبادرة «حزام واحد – طريق واحد» من قبل الرئيس الصيني سي جين بين سنة 2013، بدأ الاهتمام من قبل علماء اللغة الصينين بلغات الدول المجاورة أيضا. ونالت لغات الدول المجاورة معنى استراتيجيا في ضوء مفهوم «مصير البشرية الواحد» الذي تم إقراره في المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر 2017.

لغة دوائر الدولة.

     من المهام الرئيسية التي تقف أمام موظفي الحكومة الصينية وعلماء اللغة يبقى الحفاظ على وحدة اللغة في دولة تنتشر فيها العديد من اللهجات ويعيش فيها العديد من الشعوب. وقد سادت هذه الوحدة على مدى آلاف السنين بفضل الكتابة الهيروغليفية وكتابة الممتدة من اللغة الصينية القديمة والتي وحدت الجميع.

معرفة تلك اللغة القديمة كانت أساسية لاجتياز الامتحانات الرسمية، والامتحان كان يخول الناجحين العمل في دوائر الحكومة. علما أن موظفوا سلطات القرن السابع والثامن في هذه البلاد استخدموا لغة أخرى للتوصل فيما بينهم، أساسها كان لهجة بكين وبعض من اللهجة الصينية الشمالية.

     منذ مطلع القرن العشرين وفي ظل سعي الدولة للحداثة بدأت السلطات بنشر تلك اللغة الممتدة من الصينية القديمة بشكل رسمي في شتى أصقاع البلا، كما اعتُمِدَ عليها مطلع القرن في النظام التعليمي. وفي السنوات الأخيرة من حكم سلالة تسين وبعدها في جمهورية الصين أصبحت تسمى لغة دوائر الدولة باللغة الرسمية وهي ال (غويوي). وما زال هذا المسمى موجود في تايوان.

     هي ذاتها الآن في جمهورية الصين الشعبية ولكن اختلف اسمها لتصبح (بوتنوخا) – وهي اللغة المعتمدة شفهيا وكتابيا.

وفي العام 2000  تبنت الصين أول قانون في تاريخ البلاد للغة والكتابة المشتركة. من أراد العمل في دوائر الدولة  كان عليه أن يجيد لغة البوتنوخا وكما في الماضي أصبح عليه أن يثبت معرفته في فحص لغوي. وقد قدم هذا الفحص سنة 2017 أكثر من ستة ملايين ونصف مليون شخص. ويجيد لغة البوتنوخا في الصين نحو 73٪ بيد أن مستواهم متباين جدا. ففي المناطق الشرقية المتطورة وفي مدنها بالدرجة الأولة نسبة المتقنين لهذه اللغة أكبر، خاصة النسب كبيرة في صفوف الشباب.

     وحدة اللغة في الصين لا تلغي التنوع اللغوي والاهتمام بدراسة وتطوير لغات الأقاليم. القائمة الرسمية التي تضم شعوب جمهورية الصين الشعبية تضم 55 قومية أو عرقية بالإضافة إلى السائدة ال (هان). ويفيد التعداد السكاني لسنة 2010 أن شعوب الأقليات تشكل في الصين نحو 8.5٪ من السكان، أي 112 مليون نسمة. 60 مليون نسمة منهم بدرجات متفاوتة يتحدثون لغاتهم الأصلية.

     صدرت مؤخرا في صين سلسلة من الكتيبات التي تلقي الضوء على لغات كانت مهملة قبل ذلك وقد تم الانتباه إليها أثناء الدراسات المعنية التي جرت في أنحاء البلاد وأثناء الأبحاث الميدانية خلال العقود الأخيرة. من بين هذه اللغات، لغات شبه منقرضة يتحدث بها بضع مئات من المسنين، ومنها لغات هجينة ظهرت نتيجة التواصل مع سكان المناطق المجاورة، ومنها لغات الدول المجاورة، حيث كان يعتقد أنها غير موجودة في الصين وإنما في الدول المجاورة فقط، ولكن تبين أن سكان المناطق الحدودية يستخدومنها أيضا، ومنها اللغة «التوفية»، علما أن شعب التوفا الذين يعيشون على أرض جمهورية الصين الشعبية كانوا يعتبرون سابقا منغوليون.

    يتفاوت عدد اللغات التي تستخدمها شعوب الصين الخمسة وخميسن من مصدر صيني رسمي إلى آخر. اذ يشير أكبر المصادر المعد من قبل مجموعة من علماء اللغة الصينين سنة 2007 إلى وجود 129 لغة بما فيها اللغة الصينية. بينما تشير مجلة «وضع اللغة في الصين» السنوية العلمية  لسنة 2016 وجود 130 لغة، وربما هذه اللغة الإضافية هي اللغة الروسية حيث لم تكن مدرجة سنة 2007، والروس مدرجون في القوائم الرسمية لشعوب الصين، ويشكلون 15 ألف نسمة حسب تعداد السكان لسنة 2010. ومازالت اللغة الروسية تستخدم من قبل أحفاد من هاجر من روسيا إلى الصين أثناء الثورة البولشفية، وهم موجودون في منطقة سيندزيان المجاورة في الماضي مع حدود الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي. كما يفهم ولا يتحدث اللغة الروسية أحفاد المهاجرين الروس من الزيجات المختلطة.

الترقيم الكتابة

     من المهام الرئيسية التي وضعتها الدولة في العقود الأخيرة أمام علماء اللغة والمختصين في تقنيات الكومبيوتر، كانت تكييف اللغات الأهم للغة الكومبيوتر مع الحفاظ على طرق كتابتها التقليدية، وتعمل الكثير من الهيئات على مختلف المستويات  حاليا على مسائل استخدام لغات أخرى بجانب البوتنوخا في النظام التعليمي وتكييفها للغة الكومبيوتر. بداية باللجنة الحكومية للعمل في مجال اللغة والكتابة وحتى اللجنة الحكومية لشؤون القوميات مرورا بشتى المنظمات الإقليمية المحلية. اذ تنشأ أحيانا منظمات محلية على غرار مجموعة التنسيق للعمل مع اللغة والكتابة الكورية التي تعمل في ثلاث أقاليم شمال شرق الصين حيث يعيش الصينيون من القومية الكورية. من اللغات التي تحظى باهتمام خاص من ناحية تكييفها للغة البرمجيات هي اللغة المونغولية والكازاخية والقرغيزية والكورية والأيغورية ولغة التبت وتطول القائمة ولا تقتصر على هذه اللغات. اختيار هذه اللغات لم يكن فقط للعدد الكبير المتحدث بها داخل حدود الصين وخارجها، بل ولوجود مدرسة كتابية متطورة في هذه اللغات. ورغم أن اللغة المنغولية في منغوليا منذ سنة 1941 تكتب بأحرف الأبجدية السيريلية المستخدمة في اللغة الروسية، يكتب منغول الصين بالأحرف المنغولية القديمة الأصلية، التي أدخلها جينكيز خان في القرن الثالث عشر. وعادت القوميات الأيغورية والكازاخية والقرغيزية لاستخدام الأحرف العربية رغم أنها استخدمت في الفترة ما بين 1952 و 1965 كتابة أساسها الأحرف اللاتينية طورتها لهم حينها حكومة الصين الشعبية.

    في الاتحاد السوفيتي الكتابة بلغات هذه القوميات الثلاث التي تتبع إلى مجموعة اللغة التركية نقلت أولا من الأحرف العربية إلى اللاتينية ومن بعدها إلى السيريلية. وقد بدأت  مؤخرا في كازاخستان حملة لنقل الكتابة إلى نموذج جديد يعتمد على الأحرف اللاتينية. الكوريون في الصين الشعبية احتفظوا بكتابة الخانغيل المطورة في كرويا والوحيدة منذ القرن الخامس عشر، ولم تُضف إلى صيغتها الرقمية رموز الهيروغليف الصينية التي باتت تستخدم ولو بشكل خفيف في كوريا الجنوبية. وأخيرا وليس آخرا التيبت كتابتهم بقيت كما كانت وجذورها تنبع من الهند.

حتى نهاية العام 2014 كان هناك 1031 موقع في شبكة الانترنت ب 12 لغة من لغات شعوب الصين. منها 655. موقع باللغة الأيغورية، 104 مواقع بلغة التبت و 102 بالمنغولية و72 بالكورية و56 بالكازاخية و16 بالقرغيزية. من أكثرها تصفحا موقع باللغة الكورية مقره في بكين يزوره مليوني ونصف المليون قارىء يوميا ضمنهم القراء من خارج الصين. وتجدر الإشارة إلى وجود 14 موقع صيني باللغة الروسية.

استخدام التكنولوجيا والتقنيات الحديثة أصبح جزءا لا يتجزأ من سياسة اللغة في الصين التي تضم لغات جميع شعوب الصين. وتعتبر عملية ترقيم هذه اللغات في طورها الأخير إن لم نقل منتهية اذ بدأ الآن العمل على إدخال هذه اللغات إلى منظومات الذكاء الإصطناعي.

المصدر: الملحق العلمي لصحيفة نيزافيسيمايا غازيتا الصادر يوم ٥ ديسمبر

ترجمة محمد حسان

اترك تعليقا